النخلة  |  عائلة الأغا


الرئيسة / مقالات / دكتاتورية القرن... والحكم الشمولي للارقام...

دكتاتورية القرن... والحكم الشمولي للارقام...

دكتاتورية القرن... والحكم الشمولي للارقام...

 لقرون عدة استخدم الانسان التقنية لمساعدته في الانتصار على صعوبات الحياة وتذليل العقبات في حياته اليومية. وقد دفع البشر حدود الابتكار باضطراد الى مواقع لم تخطر على بال الأولين، ما ساهم في تقدم الحضارة البشرية ودفعها على طريق التطور، وفي نفس الوقت كانت التقنية تدفع الكتل البشرية باتجهات عدة، كانت بشكل ايجابي أحيانا وبشكل سلبي أحيان أخرى. ولكن الحقيقة الثابتة أن الأشياء لم تعد كما كانت تقليديا حتى عهد قريب.

قد تكون الانترنت هي إحدى افرازات التقنية الحديثة ومحصلة لها، وكان لها أكبر الأثر على حياة البشر منذ اختراع العجلة. فقد أعادت تشكيل أسلوب حياتنا ولا زالت تفعل حتى اللحظة، وفي كل يوم تشكل تفاصيل أكثر دقة في حياتنا، ومن المرجح جدا أن تستمر في هذا التطور المتسارع مستقبلا. ويبدو كما يقال في أدبيات الانترنت أنها وجدت لتبقى.

يوجد اليوم 1.5  مليار مستخدم نشط على الفيسبوك، 82 في المئة من خارج الولايات المتحدة وكندا. تفتخر تويتر بأن 270  مليون مستخدم نشط يقومون بإرسال 500  مليون تغريدة في اليوم الواحد.  ويشاهد العالم 4 مليارات قطعة من الفيديو والموسيقى على موقع يوتيوب كل يوم (وهذا يمثل 46296  قطعة فيديو في الثانية) ويتم تحميل 60  مليون صورة على إنستاجرام كل يوم.

عند الحديث عن الدكتاتورية في عصر المعلومات، يمكنك أن تنسى تلك النماذج التقليدية التي أتحفت البشرية في القرن الماضي بشتى أنواع القهر والتسلط والسيطرة على مقدرات المجتمعات كهتلر وموسوليني وستالين وغيرهم من رؤوس الدول التي حكمت بالحديد والنار. نحن اليوم نشتري من يتسلط علينا ويسرق وقتنا وعمرنا وندفع من أجله المال. نسبة كبيرة من مستخدمي النت يتصلون بها عبر الهاتف الذكي (الموبايل). فتقنية الموبايل متحدة بتقنية الانترنت هي بيت القصيد في مقالنا هذا. وهما يمثلان اليوم نوعا جديدا مختلفا كل الاختلاف عن الدكتاتوريات القديمة، فهما تمثلان قوة ناعمة بطبيعتها وفي مظهرها ولكنها قوة أشد قسوة في جوهرها من كل ما سبق من حكم شمولي عرفناه. وتتعدى هذه الدكتاتوريات حدود البلد الواحد السياسية والجغرافية وكذلك تتجاوز الأعراف الاجتماعية والثقافات التقليدية والشعوب وحدود الدول، تحت مسميات شتى كالحداثة وثورة المعلومات والتواصل الاجتماعي وغيرها من المسميات التسويقية البراقة.

في 10  يوليو، 2008 بزغ نجم أول دكتاتور معلوماتي بدأنا نرزح تحت نير عبوديته متمثلا بمتجر آبل لتطبيقات الآيفون. فبعد ست سنوات فقط من ولادته كان قد حقق أكثر من 60 مليار تنزيل حول العالم، مما جعله واحدا من أكبر المخازن الرقمية في التاريخ خلال سنوات معدودة. وفي مجال آخر، تخطط كل من أبل وجوجل وتوشكان على إطلاق متاجر تطبيقاتهما للتعامل مع أكثر شاشة ترفيهية ابتدعها الانسان، وكغيرها، سوف تروغ هذه الشاشة من المراقبة وتستقر في عقر دورنا برضانا أو رغما عنا لا فرق، وهذا يستحق التوقف عنده لحظة لتبيان خطره والتصدي له وتوضيح الجانب المظلم الذي يعتريه وفهم حجم تأثير ذلك على حياتنا. وإن كنت تجد نفسك عصيا على تأثير هذه التقنية لسبب ما، كارتفاع أسعارها مثلا، فهذه حلها قريب وليس لك منه مفر. هناك مشاريع تخطط لها الشركات الكبرى في مجال المعلوماتية مثل غوغل وآبل وغيرها لإطلاق مئات الأقمار الاصطناعية الصغيرة المتدنية التكلفة ووضعها في مدارات حول العالم لتزويد الناس بإمكانية الاتصال بالانترنت مجانا. زوكربيرغ صاحب فيسبوك سيطيّر طائرات عن بعد (Drones)  تزود الاماكن النائية قبل المأهولة المكتظة بالناس لتوفير الاتصال بالانترنت.

هل نصبت أبل نفسها محكمة عليا للتحكم في حياتنا الرقمية؟

وفقا لموقع نيلسن لثقافة المستهلك nielsen.com، فإننا ننفق نحو 89٪ من وقتنا في تصفح وقراءة الأخبار من وسائل الإعلام الرقمية باستخدام تطبيقات هاتفية. ويغيب عن بالنا تماما أن تطبيقات كهذه تحتل الجزء الأعظم من وقتنا اثناء اتصالنا بالانترنت ويغيب عن بالنا حقيقة أن مثل هذا الجزء من حياتنا اليومية يتحكم بها بالكامل شركتان فقط هما أبل وجوجل، حتى الآن. شركتان فقط تقرران ما تسمحا لنا به على الانترنت؛ حيث نقضي جل وقتنا، وكذلك من هي الجهة المسموح لها بتزويدنا بهذا المحتوى المعلوماتي.

في أدبياتها الموجهة للمستخدم، ذكرت شركة أبل أنها "سترفض أي تطبيقات عن أي محتوى ينم عن سلوك يتجاوز خطوط آبل الحمراء.في مجال عملي أرفع تطبيقات لأيفون وأندرويد وفي احد المرات انتظرت نحو شهر لاستلام موافقة أبل على التطبيق ونحو أسبوع لأندرويد. ترى أين ستمتد هذه الخطوط الحمراء التي سطرتها شركة آبل للمستخدم خلال السنوات الخمس المقبلة؟ لقد نصبت آبل نفسها، كما يبدو حتى الآن، قاضية وحكما على ما يجب وما لا يجب أن نتداوله على الانترنت. فهي وشركة جوجل تتحكمان في تدفق المعلومات لمئات الملايين من البشر. وبسؤال آبل أين هي حدود هذه الخطوط الحمراء وكيف تعرفون أن هذا خط أحمر أم لا، تجيب الشركة أنها تعرفه حين تراه، دون توضيح زائد. أين هو هذا الخط بالضبط وما هي السلوكيات التي تقررها الشركة وتعتبرها منافية لسياستها. وماهي سياستها بالضبط ؟وكيف ستطور سياستها خلال خمس سنوات مقبلة؟ هذا ما لا تصرح به الشركة.

كل من أبل  وجوجل لديها متاجر تخزين للتطبيقات التي يرفعها المستخدمون والمطورون، ومن هناك ينزلها المستخدمون حول العالم. وكلا الشركتين تسيطران تماما على تدفق المعلومات هذه. وتزداد شدة قبضة كل من الشركتين اللتين تحتكران سوق تطبيقات الهاتف مع كل يوم يمر. وبينما قد يبدو ذلك للبعض تصرفا بريئا لا يحمل في طياته أي أذى للكثيرين في هذه اللحظة من الزمان، فإنه في غضون سنوات قليلة سيصبح خطرا حقيقيا على حريتنا في التعبير وحريتنا في الابداع.

وقد بدأ هذا يحدث بالفعل: نتأمل على سبيل المثال شركة اسمها Tawkon كانت قد طورت تطبيقا يمكن المستخدم من معرفة مستويات الاشعاع المنبعثة من الهاتف عندما تكون عالية أو منخفضة لكي تقرر أنت كمستخدم تجنبها حفاظا على صحتك. رفضت شركة أبل هذا التطبيق. وعندما طلبت شركة Tawkon من ستيف جوبز تفسيرا آنذاك، قال ببساطة: "لا مصلحة لي فيه". فلماذا تمنع آبل شيئا مفيدا وحيويا للمستخدم حفاظا على صحته؟ من الواضح أن ستيف جوبز وقتها لم يكن يريد لأي مستخدم أن يتوقف ولو للحظة عن استخدام هاتفه، وآخر همه هو صحة المستخدم. وتطبيق كهذا سيشجع بالتأكيد كل من يخاف على صحته الاقلال من استخدام الهاتف. وتقنيا يصدر الهاتف الذكي موجات كهرومغناطيسية باستمرار تزداد أحيانا وتضعف أحيانا، والضرر الممكن أن يقع على آبل بسبب ذلك التطبيق التحذيري سيشمل كل شركات تطوير الهاتف التي لها شراكات مربحة مع آبل.

مثال آخر مثير للاهتمام متمثل بحجب تطبيقات محفظة بيتكوين (bitcoin) وهي تقنية تيسر الدفع الالكتروني المباشر عن طريق الهاتف، وهذه سياسة لم تغيرها آبل إلا في الآونة الأخيرة ولكن بعد فوات الأوان لبيتكوين. وبالنسبة للمستخدم العادي قد يفضل استخدام ApplePay الآن ولا بأس في ذلك، ولكن حجب تطبيق بيتكوين كان قد أعطى آبل وقتا كافيا  لبناء استراتيجية ApplePay، وبهذا أتاحوا لأنفسهم ميزة غير عادلة على حساب من سبقوهم في هذا المضمار وبهذا قضوا قضاءً مبرما على شركة منافسة في مجال فرعي لأبل.

ومرارا وتكرارا، ترفض آبل التطبيقات التي لا تناسب سياستها الاحتكارية في سوق الهاتف. ولا تؤسس رفضها هذا على أساس أن هذه التطبيقات سيئة للمستخدمين أو تضر بهم، ولكن ترفضها لهدف واحد فقط؛ وهو تحقيق أكبر ربح رأسمالي ممكن. إننا نعطي آبل وجوجل عن طيب خاطر وبدون وعي وإدراك كاملين كل مفاتيح السيطرة الكاملة على حياتنا الرقمية.

تمثل متاجر التطبيقات الرقمية هذه عموما تجربة ممتعة جدا على صعيد الاستخدام الشخصي، وتحديثها باستمرار يجعلها حقا مذهلة جدا. ونحن نحب اكتشاف تطبيقات جديدة كل يوم وخاصة في عطلاتنا وفي أوقات فراغنا، وأهم ما يميز ذلك هو السهولة البالغة في ايجاد وتنزيل وتنصيب واستخدام هذه التطبيقات. كلها تتم بضغطتين أو أكثر على شاشة الهاتف الذكي. لقد ركزت آأبل وجوجل عند وضع استراتيجياتها على خلق عدد كبير من المستخدمين التي تتحكم فيهم العادات السيكولوجية. وبغض النظر عما تحتاج إليه كمستخدم، "هناك تطبيق لكل شيء، أردته أم لم ترده". والهدف النهائي للشركتين هو الوصول بنا إلى حالة الادمان على استخدام الهاتف كما في ادمان المخدرات. وهذا بالضبط ما يريدونه لأنهم يقتطعون لأنفسهم عمولة مدهشة تبلغ 30% من كل صفقة بيع. وهذا يرقى الى السرقة في تقدير الكثيرين، سرقة المستخدم. وفي بداية المقال قلنا أن عدد التنزيل لتطبيقات الهاتف تجاوز 60 مليار مرة وهي مرات بيع محتملة (وهذا لشركة آبل وحدها). ورغم أن جانبا عظيما منها مجاني للمستخدم، إلا أن جانبا عظيما منها أيضا يباع مما يجعل 30% عمولة من البيع رقما فلكيا مذهلا لكي تحققه شركة على حساب المستخدمين وصحتهم وحقهم في حرية المعلومات.

من الواضح والجلي أن الشركتين تهدفان الى تحقيق أعلى الأرباح وتوسيع رقعة سوقهما وحصتهما فيه. وتتمنى كل منهما أن يتوقف المستخدم العادي مثلي ومثلك كلية عن استخدام الحاسبات المكتبية التقليدية والاتجاه كلية الى استخدام الهواتف الذكية في كل تعاملاتنا الرقمية اليومية. ألا ترى أن نسبة 30% من سعر البيع كعمولة تستخدمها الشركتان من أجل تشديد قبضتهما على حياتنا وحرياتنا الرقمية وذلك مقابل سهولة استخدام التقنية التي تصب في النهاية في صالحهما.

ومن ضمن ما تحاول الشركتان آبل وجوجل السيطرة عليه في سوق المعلوماتية هو التلفزيون. فشركة آبل بدأت بالفعل إعادة صياغة المبدأ الذي يقوم عليه التلفزيون. ففي مستقبل قريب ستقوم آبل بإقامة حفل تعريفي تعلن فيه افتتاح باب تطوير برامج تلفزيون آبل. ومن المرجح أن تقدم بعض المطورين من جانبها لامتداح مناقب ومزايا التقنية الجديدة وكيفية نقل تطبيقات والعاب الآيفون الى الشاشة الكبيرة المتمثلة بتلفزيون آبل (Apple TV). وسوف يقوم هؤلاء المطورون بتعداد مزاياه وفوائده ويحاولوا اقناع المطورين الآخرين بالانضمام إليهم في تحقيق الشيء العظيم التالي ضمن تقنيات آبل وهو آخر معاقل المعلومات التي لم تتدخل فيها الشركات الكبرى التي تسيطر على العالم. وتحت شعار "فرصة جديدة لمطوري البرمجيات" فلا بد أن نراقب الاستراتيجيات بعيدة المدى لشركة آبل والشركات الأخرى التي أصبحت هي المتحكمة في عالمنا الرقمي وفي تدفق المعلومات والمعرفة.

الفرق واضح بين الويب والهاتف الذكي كمنصتين للتفاعل مع الانترنت. فبينما يمكن لأي شخص تشغيل كمبيوتر وربطه بالانترنت فتصبح كل التطبيقات الانترنتية متاحة وكذلك استخدامها، في الحدود الدنيا من الرقابة. فليس هناك حجب أو فلترة للمعلومات إلا في حدود الكود الأخلاقي لكل بلد. وعدد مطوري التطبيقات الانترنتية لا يمكن حصره. أما الهاتف الذكي، من جانب آخر، فهناك شركتان فقط تطوران منصات الهاتف اليوم وتتحكمان فيه وتقرران الصالح من الطالح وفق ميزان واحد فقط ، ليس الأخلاق بمعناها المتعارف عليه واحدا منها. هذا الميزان هوتحقيق أعلى مستويات الربح، والربح فقط.

أحد الكتاب الأميركيين James Robinson كتب في مقالة أن الأميركيين قضوا أوقاتهم مستخدمين الهاتف الذكي أكثر من الحاسبات المكتبية لأول مرة على الانترنت عام 2013. وهذا يجعل الهاتف أهم نقطة اتصال رقمي بين الناس والانترنت وأهم نقطة تفاعل بينهما. وستصبح التجربة الانترنتية اليومية تدريجيا لصيقة لمعنى القول "انا الآن داخل التطبيق الفلاني". فاتصالنا بالانترنت ستعاد صياغته أو قل أن إعادة صياغته قد بدأت بالفعل ولكن في أجواء أقل ديمقراطية حيث سيسيطر اللوغو (فيسبوك وغوغل وآبل وغيرها) على المشهد المعلوماتي والتحكم في تدفق المعلومات كما كانت قد سيطرت لفترات طويلة ولا زالت شركات مثل شيفرون وإكسون وبي بي أرامكو وغيرها على سوق النفط العالمية.

محمد احمد الأغا

 

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك