النخلة  |  عائلة الأغا


الرئيسة / وفيات من خارج العائلة / غزة -وفاة أ. عبدالهادي نعمان عبدالهادي فيصل

غزة -وفاة أ. عبدالهادي نعمان عبدالهادي فيصل

 بسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي
عائلة الأغا في الوطن والخارج تشاطر أل فيصل الكرام الأحزان، بوفاة فقيدهم المغفور له بإذن الله

 أ. عبدالهادي نعمان عبدالهادي فيصل

الذي انتقل الى رحمة الله تعالى فجر الاربعاء 22-02-2017 عن عمر ناهز 70 عاما، الصلاة على جثمانه الطاهر ظهرا في مسجد الكتيبة، والتشييع الى المقبرة الشرقية بمدينة غزة، انا لله وانا اليه راجعون.


صورة من الارشيف لنجل الفقيد أ. نعمان

 

دور عائلة فيصل في مدينة غزة وجذورها عبر التاريخ بقلم نعمان فيصل

مقدمة:
ما كنت أود أن أكتب عن تاريخ عائلتي أو أشير إليها، لإيماني أنه مَن يزدهي بجدوده كأنما يستأجر أمجاد الآخرين، ووفقاً لما نسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
يغنيك محموده عن النسب

إنَّ الفتى من يقول ها أنذا
ليس الفتى من يقول كان أبي

وينطبق عليه أيضاً قول أمية ابن الوردي الذي أصبح مثل الأمثال:
لا تقل أصلي وفصلي إنما
أصل الفتى وفصله ما قد حصل

فالعلم والأدب هما شرف الإنسان، وفي هذا المعنى يقول أبو العتاهية:
ما وهبَ الله لامرئٍ هبة
أشرفَ من عقله ومن أدبه

هما حياة الفتى فإن عدما
فإن فقدَ الحياةِ أجملُ به

والعلم والأدب كنزان لا ينفذان، وسراجان لا ينطفآن، وحلتان لا تبليان، مَن نالهما أصاب الرشاد، وعرف طريق المعاد، وعاش رفيعاً بين العباد.

إلا أننا نعيش في مجتمع يتفاخر بأصوله، ويتباهى بأنسابه، حيث لم ينكر الإسلام عليه ذلك، بل إن الله اختار رسولنا الأكرم  من أشرف الأنساب ومن صفوة القبائل، فقد كان يفتخر بأنه من قريش، وكان يتشرف بأنه يمتد في جذوره لإسماعيل ابن سيدنا إبراهيم عليهما السلام.

لذلك كله، أردت من هذا البيان الموجز لتاريخ آل فيصل، وهو غيض من فيض، أن أعطي القارئ والدارس فكرة ملموسة عن دور هذه العائلة، والتعرف على جذورها عبر التاريخ الطويل، وتأثيرها فيما حولها، وتفاعلها مع المجتمع، ورسم صورة حية للأفراد والمجتمعات في حقب تاريخية معينة، وعن تطور المجتمع جيلاً بعد جيل، يعيشون حياتهم وسط أجواء متغيرة.

ألسنة الخلق أقلام الحق:
سأجعل هذه السطور معرضاً لآراء الباحثين والمؤرخين في تقدير العديد من رجالات عائلة فيصل، ووزنهم بموازين العدل من وجهات نظر مختلفة لأصحاب هذه الموازين، ولعلَّ هذا المعرض – بما احتشد فيه من آراء الرجال – يصور لنا هذه العائلة على أتم صورة وأقربها إلى الحقيقة.

يقول مؤرخ غزة، الشيخ عثمان الطباع، في كتابه "إتحاف الأعزة في تاريخ غزة" عن "عائلة فيصل": (عائلة فيصل، التي تعود في جذورها إلى عائلة المصريين، اشتهرت بمحلة الشجاعية، وقد أتت من مصر في أواخر القرن الثاني عشر للهجرة، حيث ظهر منها الطبيب المدرك الشيخ درويش المصري، وهو ابن السيد مصطفى بن علي ابن الشيخ محمد محيى الدين، وأخوهُ عبد الرحمن، وخلف جماعة، ورأيت بحجة شرعية مؤرخة سنة 1211هـ ذكر فيها مصطفى وعلي، ابنا محمد الأسطا ابن أحمد الأسطا وعرفوا بالمصريين، ووالدته عيشة بنت السيد أحمد الباز، وكان الطبيب يلقب بالأسطا في عُرف المصريين).

ويشيد الأستاذ عبد اللطيف زكي أبو هاشم بالعائلة فيقول: (فقد كانت عائلة فيصل قدوة صالحة عرفها جميع مَن حولها من العائلات بأخلاقها الكريمة ولطف وكرم رجالها، ولا يغيب عن بالنا أن هذه العائلة قدمت الكثير من الفدائيين الأوائل الذين دوخوا الصهاينة ببسالتهم وشجاعتهم ما يشهد به القاصي والداني، وما ورد في هذه الكلمات إلا إشارة بسيطة ومختصرة عن عائلة "المصريين" والمعروفة بعائلة "فيصل"، العائلة الغزية العريقة..).

وذكر المؤرخ الأستاذ عارف العارف بطولة المجاهد "خالد فيصل" في كتابه "نكبة فلسطين والفردوس المفقود" بأنه: (كان هناك في معسكر دمرة البريطاني خمس عشرة دبابة من الدبابات الثقيلة تركها أصحابها الانكليز.. وكان يقودها في هذه المعارك المجاهد الغزي المعروف "خالد فيصل").

وقد أثنى المناضل الكبير جمال عمر الصوراني بالبطل خالد بقوله: (إنه كان من الفدائيين الأوائل)، وقال عنه: (لم أر شاباً بشجاعته وإقدامه وتحمسه في الجهاد والدفاع عن عروبة فلسطين، فحماسه المتواصل وإصراره على تحرير مستعمرة "كفار نتسانيم" كان ملفتاً للأنظار، وقد شاهدت عملية استشهاده البطولية والشجاعة التي أذهلت الجميع أمام عيني عندما حُصرنا وإخواننا المصريون الذين أتواْ للدفاع عن فلسطين في العام 1948م في الفالوجة).

وكذلك ذكر الأستاذ إبراهيم سكيك، البطل خالد فيصل في سلسلة مؤلفاته التاريخية "غزة عبر التاريخ" بقوله: (من أيام غزة الخالدة التي لا تُنسى كان يوم تشييع جنازة البطل الشهيد خالد فيصل، الذي استشهد في حرب عام 1948، وسرتُ في جنازة الشهيد، كغيري من آلاف المشيعين، في موكب مهيب قلّ أن شهدت غزة مثيلاً له، حيث تقدمته القيادات الوطنية الفلسطينية والمصرية المتطوعة..).

ومن أعلام العائلة أيضاً الشهيد "بدر نجيب فيصل"، الذي ذكره الأستاذ ماهر مقداد بقوله: (كان الشهيد بدر فيصل مثالاً للمناضل الذي وهب كل حياته من أجل تحقيق المبادئ التي آمن بها هو ورفاقه القادة الشهداء، ليجسد حلم شعبنا في دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف..).

وأثنى الشيخ الدكتور شحادة السويركي بــ "كامل فيصل" بقوله: (جزى الله آل فيصل الكرام الذين أنجبوا مثل هذا الرجل الشهم السخي الكريم "كامل فيصل" الذي جاد بما يعادل نصف التركة لإعادة إعمار مسجد المحطة بحي التفاح)، ومن هذه العائلة أيضاً المرحوم بإذن الله تعالى "محمد إبراهيم فيصل"، الذي أوقف أرضاً بشارع النصر بغزة لبناء مسجد لله تعالى بمعرفة وزارة الأوقاف الفلسطينية؛ وهو مسجد شهداء النصر، المعروف سابقاً بمسجد الشهيد أيمن جودة.

وذكر الأستاذ محسن الخزندار في كتابه "فلسطين في عيون الإمام الشهيد الشيخ هاشم نعمان الخزندار" أحد أعلام عائلة فيصل، وهو "عادل فيصل"، بقوله: (إن الشيخ محمد فرغلي، والشيخ هاشم الخزندار، والسيد عادل فيصل، وهم من قادة المجموعات المتطوعة من الاخوان المسلمين، قد آلوْا على أنفسهم العمل على تطوير ما غنمه الثوار من أسلحة العدو في مستعمرة "كفار دروم" في مطلع عام 1948م).

وقد ذكر الشيخ الدكتور إسماعيل بلبل رجلاً من رجالات الخير من آل فيصل حيث قال: (إن أنسَ، فلن أنسى مواقف رجل الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية "أنور فيصل" في دعم جمعية تحفيظ القرآن الكريم التابعة للمعاهد الأزهرية الدينية في فلسطين، ذلك الدعم الذي ساعدها على الصمود في ظروف اقتصادية قاسية، كما كان من أوائل من دعم حفظة كتاب الله فيها). ومن الجدير ذكره في هذا السياق، أنه شيّد المركز الثقافي الفلسطيني للسلام، وتبرع ببناء مسجد "يوسف" في مدينة بوسطن الأمريكية؛ ليكون قبلة للمسلمين الأمريكان.


ومضة موجزة عن تاريخ آل فيصل:
تُنسب عائلة فيصل، التي تعود في جذورها إلى عائلة المصريين، إلى العارف بالله الشيخ أحمد الأسطا. والأسطا في عُرف المصريين هو الطبيب، وتمتد عائلة المصريين في جذورها العميقة إلى بطاح مكة المكرمة، وهي من سلالة الحسين بن علي ، ولم تحدد المصادر بالضبط تاريخ قدوم العائلة من مكة إلى مصر.

استقرت عائلة المصريين منذ القرن الثاني عشر للهجرة في حي الشجاعية بمدينة غزة في جنوبي فلسطين، وجاء أول جد أو مؤسس لعائلة المصريين من محافظة الإسماعيلية في مصر، وعُرف باسم الشيخ عبد الرحمن المصريين، حفيد الشيخ محمد محيي الدين، ابن الشيخ أحمد الأسطا المصريين.

وفي غزة أُطلق على عائلة المصريين اسم (عائلة فيصل)، وذلك لسهولة اللفظ وتداول الكلمة، ومن صُلب الشيخ عبد الرحمن، حسبما ورد في المصادر، تنحدر عائلة فيصل، ومنه تفرعت ونمت، وانتشر أبناؤها في غزة وخارجها، ووجد منها فضلاء، فكان منهم الشيوخ والأطباء، وعمل بعضهم في تجارة الأقمشة والخيول، وهي التجارة الرائجة في ذلك الوقت. وكان أخوه الشيخ درويش طبيباً ماهراً فائقاً، مارس طبه في غزة، واشتهر كثيراً في هذا المجال، ومن أعماله الخيرية أنه خصص يوماً من كل أسبوع لمداواة المرضى المحتاجين دون مقابل.

ومن أعلام عائلة فيصل القدامى، الشيخ يوسف حفيد الشيخ عبد الرحمن، ولد في حي الشجاعية، وبها نشأ، وأخذ بطلب العلم وحفظ المتون اللازمة، ومنها ألفية ابن مالك في النحو، وكان من الزاهدين، وعُرف بالصلاح والحكمة، وعمل ضابطاً في الجيش العثماني أواخر حكم الدولة العثمانية، وملتزماً بالولاء لها، ثم تاجراً للأقمشة، وتوفي في الشجاعية في 14 ربيع ثاني 1374هـ، ودفن في مقبرة ابن مروان بغزة.

واشتهر من عائلة فيصل حفيد آخر لعبد الرحمن، وهو نعمان ابن عبد الهادي (جدي). ولد نعمان في غزة عام 1895م، وكان حسن السيرة والسريرة، واحترف تجارة الخيول في مدينة الرملة، وهي تجارة واسعة درت عليه أرباحاً طائلة، وظل هناك حتى سقوط المدينة في الحدث الزلزالي الأكبر الذي هزَّ فلسطين في حرب عام 1948م، وتوفي في الشجاعية بغزة في 17 صفر 1390 هــ الموافق 22 نيسان 1970م، ودفن في التربة المجاورة لجامع ابن مروان في غزة، وخلف نعمان فيصل أربعة أولاد هم: عبد الله وعبد الهادي وأنور ومنير. زاول عمي عبد الله التجارة في جدة بالمملكة العربية السعودية، وظهر من ذريته شباب أخيار، وعمل عبد الهادي (والدي) مدرساً في حقل التعليم بغزة مدة أربعين عاماً بعزيمة لا تلين، وله بصمات واضحة في هذا المجال، أما أنور (عمي) فقد درس المحاسبة في مصر، ثم أكمل مشواره الأكاديمي بأمريكا، وعمل في مجال العقارات، وبرز فيها، وكان عمي منير مهندساً عمل بالبحرية في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة حتى حرب الخليج الأولى عام 1990م، ثم انتقل بعدها إلى أمريكا.

أما عن عمي أنور بن نعمان فيصل فقد ولد في الشجاعية عام 1951م، ودرس المحاسبة في مصر، كما تقدم ذكره؛ لكنه لم يمارسها، بل آثر الأعمال الحرة في أمريكا، وبرز فيها، وأثبت أنه رجل أعمال عصامي ناجح، حيث أسس أكثر من عشرين شركة استثمارية كانت ثمرة من ثمرات تفكيره العميق، وتعد شركاته في طليعة الشركات العقارية، ويشار إليها بالبنان في قلب مدينة بوسطن في إقليم "نيو إنجلاند"، ويعد مالكها أنور فيصل من أغنى الرجال المسلمين الأمريكان في هذا الإقليم، واحتضن الجالية العربية الإسلامية الأمريكية، فأسس وشيّد لها في آب/ أغسطس 2007م، المركز الثقافي الفلسطيني للسلام الذي يعد اليوم من أكبر المراكز الثقافية في إقليم "نيو إنجلاند" غرب الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يقوم بدور إعلامي ملفت لصالح القضية الفلسطينية، كما قام بالتبرع من ماله الخاص ببناء (مسجد يوسف) أحد أكبر المساجد هناك، وقد افتتح في احتفال بنيسان/ أبريل 2009م، ليكون قبلة للمسلمين الأمريكان، وقدم عديداً من المشاريع الأخرى مخصصة للصالح المجتمعي، وما زال رجل خير تجهل شماله ما تصنع يمينه.

ومن عائلة فيصل نذكر عادل ابن الشيخ يوسف فيصل القائد في المجموعات المتطوعة من الإخوان المسلمين التي نشطت في حرب عام 1948، وكانت تربطه علاقة صداقة مع المجاهد المصري محمد فرغلي. وبعد الحرب اضطر عادل للسفر إلى مصر والإقامة في القاهرة نظراً لمطاردة الاحتلال الإسرائيلي له، ويروي الأستاذ محسن هاشم الخزندار في كتابه: (فلسطين في عيون الإمام الشهيد الشيخ هاشم نعمان الخزندار) مواقف عادل الوطنية بالقول: (إن الشيخ محمد فرغلي والشيخ هاشم الخزندار والسيد عادل فيصل، وهم من قادة المجموعات المتطوعة من الإخوان المسلمين، قد آلوا على أنفسهم العمل على تطوير ما غنمه الثوار من أسلحة العدو في مستعمرة كفار دروم في مطلع عام 1948م، حيث كلف هؤلاء القادة مجموعة من المختصين والخبراء أمثال: محمد عاشور، وصبحي فيصل، ورشدي خضر لاستغلال هذه الأسلحة واستخدامها كمدافع وقذائف في المعارك التي كانت تدور رحاها بين العرب واليهود في حرب عام 1948).
ولعلَّ من المفيد ذكره في هذا السياق، أن الكاتب الخزندار ينوه في نفس الكتاب بوطنية صبحي محمد فيصل، وما قام به من أعمال فدائية تدلل على شعوره الفياض بحب وطنه وأمته، فقد قام بالسفر إلى مصر العروبة لشراء قطع غيار لإصلاح مدرعة معطوبة، وهي من مخلفات الجيش الإنجليزي لاستعمالها في قتال اليهود، والتي قادها فيما بعد شقيقه الشهيد خالد فيصل.

ومن أعلام عائلة فيصل البطل خالد محمد فيصل، الذي كان يحمل قلباً عامراً بالإيمان وحب الأوطان منذ نعومة أظفاره متحمساً للقتال، فحمل راية الجهاد والمقاومة ضد الانتداب البريطاني الجائر، والاحتلال الإسرائيلي الغاشم، والدفاع عن فلسطين وعروبتها في حرب عام 1948، وأبلى بلاء حسناً رغم حداثة سنه، حيث لم تتجاوز العشرين في ذلك الوقت، إلى أن ارتقى إلى العلا شهيداً في إحدى تلك المعارك التي دارت رحاها بين العرب واليهود.

ولد خالد فيصل في حي الشجاعية بمدينة غزة عام 1929م، وتلقى علومه الدراسية في مدينته، وكان له شرف الجهاد مع إخوانه المتطوعين الذين قدموا من مصر العروبة بقيادة البطل أحمد عبد العزيز عام 1948م، وقاد تلك المدرعة (وهي إحدى مخلفات الجيش الإنجليزي التي قام شقيقه المناضل صبحي فيصل بإصلاحها)، واستطاع خالد مع إخوانه المجاهدين تحرير مستعمرة كفار دروم في 10 آيار/ مايو 1948م، وقد أُسر في هذه المعركة عدد من اليهود مع أسلحتهم، وعرضوا من قبل الجيش المصري في شوارع غزة.

وبعد أيام قليلة، وتحديداً في 14 آيار/ مايو، أحرز خالد فيصل ورفاقه بقيادة أحمد عبد العزيز انتصاراً ساحقاً باحتلالهم قلعة (عراق سويدان)، وإلى خالد يرجع الفضل في اقتحام مستعمرة "كفار نتسانيم" التي كانت تشكل عائقاً أمام الجيش المصري، إذ كانت محصنة تحصيناً قوياً، فأعد القائدان محمد نجيب، وعبد الحكيم عامر خطة محكمة لتحرير المستعمرة، وعهدت إلى الكتيبة التاسعة القيام بذلك، وكان خالد فيصل من أبرز مقاتليها، وبعد كر وفر واستشهاد (الكابتن خليف) أحد قادة الكتيبة البارزين مع عدد من رجاله، تجرأ خالد وحده، غير مبالٍ بما قد يصادفه من ألغام أو كمائن في الحقول المحيطة بالمستوطنة، وقاد المدرعة التي اقتحم بها تلك الحقول، وكان له الفضل في تحرير مستعمرة كفار نتسانيم، حيث استشهد يومها (8 حزيران/ يونيه 1948م) بسبب لغم قوي انفجر به، وأخيراً تمكن الجيش المصري من دخول المستعمرة.

وكما يروي المؤرخ إبراهيم سكيك، فقد شيّع جثمان الشهيد خالد فيصل في موكب مهيب قلَّ أن شهدت غزة مثيلاً له، تقدمته القيادات الوطنية الفلسطينية والمصرية، إلى أن ووري جثمانه الثرى في مقبرة ابن مروان بغزة. ووصفه المناضل الكبير جمال عمر الصوراني بقوله: (الشهيد خالد من الفدائيين الأوائل، لم أر شاباً بشجاعته وإقدامه وتحمسه في الجهاد والدفاع عن عروبة فلسطين، فحماسه المتواصل، وإصراره على تحرير مستعمرة كفار نتسانيم كان ملفتاً للأنظار، وقد شاهدت عملية استشهاده البطولية والشجاعة التي أذهلت الجميع بأمّ عيني). ومما تجدر الإشارة إليه أن صورة الدبابة التي كان يقودها رحمه الله موجودة في المتحف الحربي القومي بالقلعة في مصر، وعليها اسم البطل خالد فيصل، ومنقوش اسمه أيضا في ميدان الشهداء بإجديدة بحي الشجاعية على لوحة رخامية مكتوب عليها (فلسطين التي تعرف الشهداء، فهم أنبل بني البشر وأكرم منا جميعاً).

وقال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر موجهاً كلامه إلى الفلسطينيين في مدينة غزة بتاريخ 13 أيار/ مايو 1956 ذاكراً شهداء غزة وبطولاتهم في حرب عام 1948 على وجه الخصوص، وعندما حوصر الجيش المصري في الفالوجة: (إنَّ الذين قاتلوا منكم معي قاتلوا بشرف، والذين ماتوا منكم أمامي ماتوا بشرف، كذلك عرفت أهل فلسطين بنفسي ورايتهم بعيني، وليس ذنبهم أنه لم يكن في أيديهم سلاح).

وقد انضم إلى قافلة شهداء عائلة فيصل، الشاب بدر نجيب فيصل. حفيد صبحي فيصل، ولد بدر في غزة بتاريخ 21 آذار/ مارس 1982م، وكان قائداً للوحدة الصاروخية الخاصة في كتيبة المرابطين بكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وقام بدر بإطلاق عدد من قذائف "آر بي جي" باتجاه الدبابات التي حاولت التوغل في منطقة العطاطرة شمال قطاع غزة، تساندها الطائرات والمدفعية، واشتبك بدر وأقرانه مع القوة الصهيونية المعادية، ودارت معركة تكبد الاحتلال الإسرائيلي فيها خسائر كبيرة، وفي هذا الاشتباك استشهد البطل بدر فيصل ورفيقه البطل أسامة الهبيل إثر قصف من طائرة استطلاع، وكان استشهادهما في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006م، وقد شيّع البطل بدر فيصل في جنازة مهيبة، ودفن في مقبرة الشيخ رضوان، وقد أقامت كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح حفلاً تأبينياً تخليداً لذكراه العطرة في صالة الشهيد سعد صايل في 18 كانون الثاني/ يناير 2007م حضره قادة الفصائل الفلسطينية ولفيف كبير من المواطنين، وألقى السيد ماهر مقداد القيادي في حركة فتح كلمة أشاد فيها بمناقب الشهيد بدر فيصل مثمناً أعماله الفدائية وشجاعة هذا القائد، رحمه الله رحمة واسعة على قدر حبه لوطنه وإخلاصه وجهاده، وستبقى ذكراه خالدة في نفوسنا، وسوف يسجل التاريخ له هذه التضحية بأحرف من نضار.

وفي أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، غادر بعض أفراد عائلة فيصل غزة إلى مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية للعمل، وأقاموا هناك، ونالوا الجنسية السعودية، ومنهم نذكر حلمي بن خلف فيصل، الذي ولد في غزة عام 1928م، وأقام مستشفى دار الشفاء بجدة على نفقته الخاصة عام 1966م، كما ربطته علاقة وطيدة مع بعض أمراء آل سعود بالمملكة السعودية، وعمل على دعم مكاتب اللجان الشعبية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبقي حلمي على سيرته إلى أن توفاه الله في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1999م، وخلّف حلمي فيصل خمسة أولاد هم: الدكتور فاروق، الدكتور جميل، الدكتور فريد، الأستاذ فهد، والأستاذ جلال. تخرج فاروق طبيباً، وتخصص في جراحة العظام، وعمل مديراً لعيادات مستشفى الملك فهد بجدة، وتخرج جميل طبيباً، ومارس الجراحة العامة، وبقي على سيرته إلى أن توفاه الله في 24 تموز/ يوليو 2007م، وعمل فريد أيضاً طبيبا استشارياً في الأنف والحنجرة في المستشفى التخصصي بالرياض، أما فهد فقد درس التجارة في جامعة الملك عبد العزيز، وتوفي في 1 حزيران/ يونيه 2009م، وتخصص جلال في إدارة الأعمال والتسويق.

ومن أفراد عائلة فيصل في السعودية نذكر أيضاً كامل فيصل (شقيق حلمي)، وكان كامل من أوائل من شيّدوا مصانع الحديد والألمنيوم في المملكة العربية السعودية، وتملك أراضي في جدة أوقفها على ذريته، وطبقاً لوصيته أُعيد تشييد وبناء مسجد عمر بن عبد العزيز، الواقع في حي التفاح بمدينة غزة، والمعروف سابقاً بمسجد المحطة، حيث أوصى بتخصيص مبلغ مليون ريـال سعودي لهذا الغرض، وقد أشرف الشيخ شحادة السويركي من غزة على بناء المسجد طبقاً لوصيته، وله من الذرية ثمانية أولاد، ظهر منهم الدكتور زكريا فيصل، حصل على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة الأزهر بالقاهرة عام 1978م، ثم دبلوم طب وجراحة العين من جامعة فيينا بالنمسا عام 1984م، ونال الزمالة (الدكتوراه) في جامعة الملك سعود بمستشفى الملك خالد التخصصي عام 1994م، وتقلد عدة مناصب إدارية في مجاله آخرها كاستشاري أمراض وجراحة العيون بمركز الدكتور سليمان الحبيب، وقد أثرى الدكتور زكريا المكتبة العربية بعدة مؤلفات دوَّن فيها حصيلة خبرته طيلة عمله في مجال الطب، وهي: (الفيصل بين الأطباء والمرضى: حكايات من الواقع، طبيب عيون: ذكريات وحكايات، المواد اللزجة، اللدنة واستعمالاتها في طب وجراحة العيون "بالإنجليزية"، جداوي: رواية، عائلة سعودية في غياهب بريطانيا، شرم الشيخ ومراكش)، وله ديوان في الشعر، وله مشاركات في الزجل الغنائي، ونشرت له كتابات في الصحف والمجلات السعودية.

ومن عائلة فيصل نذكر أيضاً الطيّار عدنان عبد الرحمن فيصل، وعمل كابتن طيار بوينج 400-747 في الخطوط الجوية السعودية منذ عام 1975م، وكان أخوه الدكتور كنعان فيصل مدرس أول برتبة (بروفسور) في علم الحاسوب في جامعة الملك فهد للبترول في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، وشقيقتهما المربية يسرى فيصل خريجة الدفعة الأولى للبنات من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وحصلت على المرتبة الأولى على مستوى المملكة السعودية.
ومن عائلة فيصل نذكر محمد إبراهيم فيصل، الذي ولد في غزة عام 1935م، وكانت لديه نزعة دينية قوية، وله أيادٍ جليلة في عمل الخير، حيث أوقف أرضاً بشارع النصر في غزة لبناء مسجد لله تعالى بمعرفة وزارة الأوقاف الفلسطينية وهو (مسجد الشهيد أيمن جودة سابقاً، مسجد شهداء النصر حالياً)، وكفل بعض الأسر الفقيرة، وتبرع بجزء كبير من أمواله للجان الزكاة، ولإعمار بعض المساجد القديمة في غزة، توفي في 18 صفر 1428هـ الموافق 8 آذار 2007م، ودفن في مقبرة الشيخ رضوان.

ومن هذه العائلة نذكر أيضاً، أحمد إبراهيم فيصل الذي عمل مديراً لمكتب وزير المالية والبترول في دولة قطر، وشقيقته المربية بديعة فيصل، التي عملت مدرسة، حيث عُرفت بنشاطها واهتمامها بعملها في مدرسة مصطفى حافظ الأساسية بغزة، وقد اختيرت فيما بعد لتكون مديرة مدرسة الناصرة الأساسية للبنات، ثم مديرة لمدرسة الرملة الثانوية، وقد ساعدتها شخصيتها القوية ونشاطها على النجاح في عملها الإداري، وحازت على محبة تلميذاتها وتقدير زملائها وثقة رؤسائها، حتى نالت لقب المدير المتميز على مستوى مدارس قطاع غزة بوزارة التربية والتعليم. والجدير بالذكر أن وزارة التربية والتعليم في قطاع غزة أقامت لها حفل تكريم يوم الثلاثاء الموافق 5 أيار/ مايو 2015م وفاءً لجهودها المثمرة بمناسبة بلوغها السن القانونية للتقاعد، شارك فيه العديد من الشخصيات الوطنية والتعليمية، والذين أشادوا بدورها الناجح والمتميز بعد مسيرة حافلة في تربية الأجيال.

وظهر من عائلة فيصل أيضاً الأستاذ نعمان عبد الهادي فيصل الذي ولد في حي الشجاعية بمدينة غزة في السادس من آب/ أغسطس عام 1976، وأنهى الثانوية العامة عام 1994 في مدرسة الشجاعية الثانوية، وفور حصوله على شهادتها التحق بكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة الأزهر بغزة، وحاز على شهادتها عام 1998 بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف، ونال درجة الماجستير في العلوم السياسية عام 2012 من نفس الجامعة، وحصل على تقدير جيد جداً، وكان الأول على دفعته، وعين مفتشاً في هيئة الرقابة العامة، التي آلت أخيراً إلى ديوان الرقابة المالية والإدارية.

وشغل الأستاذ نعمان بمطالعة الأدب والشعر والتاريخ زمناً ليس بالقليل، لإيمانه الراسخ بقيمة تلك العلوم ومكانتها بين سائر العلوم، ولا يزال يجد في مطالعة الكتب والوثائق والمخطوطات مصدراً لا ينضب للمعرفة، وله أربعة مؤلفات هي: أعلام من جيل الرواد من غزة هاشم: منذ أواخر العهد العثماني وحتى القرن العشرين، صدر عام 2010، وصفحات منسية في تاريخ الصحة الفلسطينية: حوار مع الدكتور رياض الزعنون أول وزير صحة فلسطيني، صدر عام 2011، والانقسام الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني وفي ظل السلطة الوطنية الفلسطينية (دراسة مقارنة)، صدر عام 2012، ظلال السنين في غزة هاشم، صدر عام 2016.


بقلم/ نعمان فيصل

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك