النخلة  |  عائلة الأغا


الرئيسة / متفرقات / أرطغرل، والمزاج العربي العام- كتب أ. محمد عودة الأغا

أرطغرل، والمزاج العربي العام- كتب أ. محمد عودة الأغا

يهتم الجمهور العربي مؤخراً بالمسلسل التركي "قيامة أرطغرل" الذي يروي قصة الغازي أرطغرل ابن سليمان شاه، وهو والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، إذ تدور معظم أحداث المسلسل بين حلب وأنطاليا في القرن الثالث عشر الميلادي، في زمن تنازع شديد بين عدة قوى على المنطقة منها المغول والروم وحتى المسلمين داخلياً أثناء الخلافة العباسية.

ورغم القصة التاريخية الحقيقية التي يرويها المسلسل في معظم جوانبها، إلا أنه لا يوثق لتلك المرحلة التاريخية المهمة من حياة الأمة الإسلامية، فهو عبارة عن دراما تستحضر التاريخ فقط، بمعنى أنه لا يُؤخذ عليه تلك السقطات التاريخية التي ذهب البعض ليجرح بها القيمة المعنوية والتاريخية لذلك المسلسل، وعموماً ليس هدفي نقد ذلك العمل الدرامي.

ما يلفت الانتباه، ذلك الاهتمام العربي الشعبي الكبير للمسلسل، الذي قارب مستوى الاهتمام بالمسلسل التركي الشهير "وادي الذئاب" الذي شد الاهتمام له من خلال بعض المواقف التي أظهر فيها معاداة أبطاله لكيان الاحتلال الصهيوني والوقوف بوجه مؤامراته، فكلا العَمَلَين يعرضان الصراع مع الخيانة والجواسيس من خلال المحاربين الأشداء، في رحلة حياة محفوفة بالمخاطر والأزمات، والخديعة والألم، ويرصدان من جهة أخرى معاني الصداقة والتضحية والإيثار والشجاعة والجرأة والحب.

هذا الاهتمام العربي الذي ظهر -رغم عدم تطرق المسلسل للعرب، يشير إلى حاجة الوجدان العربي للانتصارات التي تستحضر أمجاد القدامى من المسلمين كانوا عرباً أم أتراكاً أم أكراداً أم غيرهم من القوميات.

هذه الحاجة نابعة من مستوى الألم الذي يعانيه المواطن العربي نتيجة ذلك التردي والتشظي في الحالة العربية والإسلامية على المستوى السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي، فتلك المكونات القومية التي كانت يوما من الأيام تُشَكِّل أمةً عظمى، أصبحت تتصارع فيما بينها على الأرض والسيادة، وهي على علم بمستوى المؤامرة العالمية التي تحاك من أجل تفتيت ما بقي من هذه الأمة إلى شظايا ضعيفة غير قادرة على إدارة ذاتها، وتعتمد على قوى خارجية كي تدفع الأخطار المحتملة من جيرانها.

ينظر الشارع العربي المتابع لأرطغرل باهتمام بالغ لتفاصيل الخيانة التي تحاك ضد أبطال المسلسل، وتقيس ذلك على واقعها، فتجد الحالة ربما في كثير من تفاصيلها مشابهة تمام، فالخيانة تبدأ دائما من الدائرة الصغرى للحكم، وتكون دائما بعيداً كل البعد عن الشبهات، ويرى المتابعون كيف أن القائد الفذ هو الذي يختار البطانة الصالحة وكيف يضحون سوياً لأجل رؤيتهم لمستقبل شعبهم.

ويربط المتابعون لأرطغرل بين قصص المؤامرات التي حيكت لهدم الكيانات السياسية للمسلمين في السابق، وبين المؤامرات التي بدأت تتكشف في واقعنا الحالي، ويجدون الشبه الكبير، لتترك الحيرة أثراً في نفوسهم، فكيف أن تاريخنا المليء بالانتصارات، وأعداء تلك الانتصارات يُكتب في سيناريو درامي كي يصل للشارع، والأَوْلى أن تُدرَّس تلك المفاهيم في المؤسسات التعليمية، بل أن توضع على طاولة المطابخ السياسية التي تحولت لمطابخ حقيقية تعج بالدهون التي سببت تخمة الكروش لأصحاب العروش.

هناك الكثير من النقاط التي يمكن رصدها من خلال متابعة تفاصيل العمل الدرامي التركي "قيامة أرطغرل" والتي ترتبط بواقعنا، إلا أن اللافت هو قدرة الأعمال الفنية على الربط بين شعوب المنطقة في وقت شتت السياسيات الخانعة الروابط التاريخية.

محمد عوده الأغا – باحث في الشأن الإقليمي
y2k_agha@hotmail.com

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك