مقالات

رحمانيّات ربانية 2- إطلالة على نور الإيمان- المنتصر بالله حلمي

بسم الله الرحمن الرحيم 


رحمانيّات ربانية للآمة المحمدية
(2)إطلالة على نور الإيمان
بقلم : المنتصر بالله حلمي الآغا

الحمد لله والصلاة وأتم التسليم على سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ، ونحمده تعالى أن جعلنا من أمة الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

جاء في الحديث الشريف ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:‘‘ الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلاّ الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ’’ .

والحديث عن الإيمان لا يمكن إيجازه في حدود المساحة المتاحة في هذا الموقع النبيل ، ولكننا سنحاول بعون الله تغطية ما أمكن من المعرفة الإيمانية . والإيمان لا يحتاج إلى مقدمات لمعرفته ، فطريقه بيّن وظاهرٌ ، وموجود بين أيدينا في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة ، فمن قرأ قراءة متدبّر فاعمل عقله وعقد نيّته ، فسيجد طريق الإيمان والخير والجنّة آخره ، أمّا الطريق الآخر ففيه من مغريات الدنيا الكثير ونهايته _ والعياذ بالله _ جهنم .

ومن المفترض أن ندرك ونفرق بين المسلم والمؤمن ، فقد جاء في صحيح مسلم عن عامر بن سعدٍ عن أبيه قال:[ قَسَمَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَسْمَاً ، فقلت: يا رسول الله أعْطِ فلاناً فإنه مؤمن ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أو مسلم ، ثم قال: إنّي لأعطي الرجل وغيرهُ أحبُّ إليَّ منه مخافةَ أن يكبهُ الله في النار ’’] . والله تعالى يقول في القرآن الكريم في سورة الحجرات:‘‘ قَالَت الأعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ…’’ (آية 14).

كما قال تعالى في سورة الحجرات:‘‘ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)’’. والإيمان هو النعمة الكبرى التي يجب على المسلم أن يتمسك بها ويشكر الله تعالى عليها .

والله تعالى يوجه الخطاب القرآني للمؤمنين بقوله سبحانه وتعالى:‘‘ يا أيها الذين آمنوا ..’’ ، ولم نلحظ في القرآن الكريم قول لله تعالى ( يا أيّها الذين أسلموا). من أجل هذا على المسلم أن يرتقي سلّم ودرجات الإيمان ليكون من الزمرة التي يخاطبهم الله تعالى ، وكلما اكتسب المسلم خصلة إيمانية ارتقي في إيمانه .
وقد تكلم العلماء والناس في الإيمان ، فقال بعضهم: أن الإيمان هو المعرفة بالقلب ، وقال البعض آخر : أن الإيمان قول وفعل ، إقرار باللسان ، وتصديق بالقلب وتأكيد بالعمل ، وهذا ما يُؤخذ به عند الكثير من الناس . فالإيمان : ما وقر في القلب ، وقاله اللسان ، وصدّقه العمل .

ونور الإيمان يُسْكِنْهُ الله جلَّ شـأنه في قلب ونفس المسلم ، والترجمة الحقيقية لذلك هو صِدْق النيّة والتسليم والإقرار والعمل المطلق بما أتى به سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وما بلّغ عن الله سبحانه وتعالى من قول أو فعل . ويدرك ذلك من ذاق الطَعْمَ وتلَمَّس بشغاف قلبه ، فعرفَ وَلَزِمَ وَسَلّم الأمر كله لله ربّ العالمين ، فيرى الدنيا من خلال ذلك النور ، ويتكلم من خلاله ويسير به في الدنيا ويفسّر الأشياء من حوله بنور الله ، فتكون حياته ‘‘ نُورٌ عَلَى نُور ’’ بإذن الله تعالى . والله تعالى يخاطب رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم في سورة الشورى فقال جلَّ شأنه : ‘‘ وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إلَيْكَ روُحَاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاًَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورَاً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)’’ .

وجاء في سنن بن ماجة عن عليّ بن أبي يطالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسـلّم :‘‘ لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربع : بالله وحده لا شريك له ، وأني رسول الله ، وبالبعث بعد الموت ، والقدر ’’ .

وقال العلماء أن الإيمان يزيد وينقص ، وقال البعض لا يزيد ولا ينقص ، أما حجة الذين قالوا أن الإيمان يزيد وينقص فهو قول الله تعالى في سورة الفتح:‘‘ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لِيَزْدّادُواْ إيمَانَاً مَعْ إيمَانِهِمْ … ( 4)’’.

ومن الأنوار الإيمانية الإخلاص لله تعالى في العبادة من صلاة وصـوم وزكاة وحج بيته الحرام ، وحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآل بيته الكرام ، والتوبة النصوحة والاعتقاد باليوم الآخر ، وأن الجنة حقٌ والنار حقٌ ، والتوكل على الله تعالى حق توكله ، والإعانة على البرّ والتقوى ، وعدم الغفلة عن ذكر الله تعالى واجتناب اللهو واللعب ، والرضا بالقضـاء والقدر وما قدّره الله تعالى لعباده ، والصبر على الابتلاء وعدم التذمر منه ، وترك اليأس والقنوط ، والشكر لله على النعمة وعلى كل حال ، وترك الحسد والحقد والغضب ، والبغض والحب في الله تعالى ، وبرّ الوالدين وبرّ الأبناء وتربيتهم تربية طيبةً حسنة وصلة الرحم ، وإكرام الجار والضيف ، والبدء بالسلام وأن نسلّم على من نعرف ومن لا نعرف ، ورد السلام إذا سُلِّم علينا ، وهداية الضَّال ، والنظافة بأنواعها المادية والمعنوية ، ومنها نظافة اللسان والبدن ، ونظافة البيت والطريق ، وإماطة الأذى عن الطريق وطاعة أولي الأمر إلاّ فيما يغضب الله تعالى ، والحياء ، والصدق ، والشهادة بالحق ولا يشهد زوراً ، وترك الغش والبعد عنه ، وكف الضرر في التعامل مع جميع الخَلْقِ والناس ، وأداء الأمانة ، وحُسْن الخُلُق والمعاملة الطيبة مع الآخرين ، والتواضع للمؤمنين وأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه . والمؤمن لا يحمل ضغينة ولا يتجّبر ولا يَكيد لغيره ولا يبغِي على أحد ولا يَلعَن ولا يُرَابِي ولا يظن السوء بغيره ، ولا يكذب ولا يزني ولا يخدع ولا يغدر ولا يدلّس ولا يسرق ولا ينافق ولا يُرائي ولا يُمَنِّن غيره بعطاء أو خلافه ولا يحتقر غيره ولا يًظهر الشماتة بالآخرين ولا يَظلم ولا يؤذي أحداً قولاً وفعلاً ، ولا يُخلف الوعد ولا يستغيب ولا يبخل ولا يأكل حراماً ولا يُسرف ولا يمنع حقُ من حقوق الله تعالى .. وعلامات وإشارات الإيمان كثيرة .

ويكره بعض الناس أن يقول عن نفسه : أنه مؤمن إلاّ أن يستثني فيه فيقول : (أنا إن شاء الله تعالى مؤمن) ، لأن المؤمن يخشى أن يزّكي نفسه لأن لفظ (أنا مؤمن) بدون الاسـتثناء قد يكون مدحاً ، ولا يجوز أن يمدح الإنسان نفسه أو يزكّيها ، لأنه يعلم أن الله تعالى يعلم من اتقى وهو يعلم السر وما أخفى . كما لا يجوز القطع بإيمان أحدٍ من غير دليل قاطع وعلامات وصفات تعكس وتثبت إيمانه .

والمؤمن يدرك أن الإيمان الصادق لا مراءاة ولا رياء فيه ، فأي عمل من قول أو فعل شابهُ شيءٌ من ذاك خرج عن إطاره الإيماني الصحيح يصبح مراءاة أمام للناس ليقولوا أن فلاناً عمل كذا أو قال كذا ! ، وهنا بدلاً من أن يُثاب الإنسان على عمله خيراً فإنه يكسب إثماً . والمؤمن يسعى للصدق وارتقاء درجات الإيمان طمعاً في رحمة وكرم الله سبحانه وتعالى لئلا يُحاسب يوم القيامة ، وأن يكون من الفئة القليلة التي ذكرهم الله تعالى في سورة سبأ فقال جلَّ شأنه:‘‘ اعْمَلُوا آلَ دَاووُدَ شُكْرَاً وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَّ الشَّكُورُ(13)’’ . وجاء في الحديث الشريف عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:‘‘ من حوسب يوم القيامة عُذِّب ’’ ، قالت السيدة عائشة: فقلتُ يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى:‘‘ فَأمَّـا مَنْ أُوتِيَّ كِتَابَهُ بِيَمِينِه(7)فسوف يُحَاسَـبُ حِسَابَاً يَسِيراً(8)‘‘(سورة الانشقاق)،فقال:‘‘ ليس ذلك الحساب ، إنما ذلك العَرْضُ ، ولكن : من نُوقِشَ الحسابَ يوم القيامة عُذِّب ’’ ، من أجل هذا فإن المؤمن يحاسب نفسه لأنه يخشى ويخاف الله تعالى راجياً رحمته وبأن لا يُنَاقَش الحساب يوم القيامة . وسنتحدث في مقام آخر إن شاء الله تعالى إن بقي في العمر بقية عن( الخوف والخشية والرجاء عند المؤمن ).

جاء في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:‘‘ إن الله يدني العبد يوم القيامة حتى يضع كنفهُ عليه ، فيقول له: فعلت كذا وكذا _ ويعدد عليه ذنوبه _ ثمَّ يقول له : سترتها عليكَ في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ’’ ، وهذا هو المراد بالحساب اليسير .

نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل والصراط المستقيم في الدنيا والآخرة وأن يرحمنا يوم القيامة فيحاسبنا حساباً يسيراً . ونسأله أن نُحشر مع سيدنا محمد ونفوز بشفاعته في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم . ونسأل الله تعالى أن يغفر للمسلمين والمؤمنين وموتاهم وأصحاب الحقوق علينا ، اللهمَّ آمين . وإلى لقاء آخر على الخير والهدى ، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

يمكنك تلقي أحدث الأخبار أول بأول بانضمامك لإحدى مجموعات الواتساب الخاصة بالعائلة من خلال الضغط هنـا

اظهر المزيد