مقالات

رحمانيّات ربانية 4 -أين تذهَبُون- المنتصر بالله

بسم الله الرحمن الرحيم

 رحمانيّات ربانية للآمة المحمدية ( 4 )

أين تذهَبُون – ( 1 )  ؟‍‍!

 

الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات ونستغفره ونتوب إليه من ذنوبنا وسيّئات أعمالنا ، ونلجأ إليه بضعفنا ونسأله بقدرته أن نكون ممن اصطفاهم برضاه وتوفيقه ، والصلاة والسلام على سيّد الكائنات سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم .

كان في نيّتي أن يكون موضوع هذه الحلقة من الرحمانيّات الربانيّة عن‘‘الإحسان’’ ، ولكن ثلاثة وفيات خلال الفترة القريبة الماضية ، جعلتني أفكر كثيراً في الموت الذي اختطف ثلاثة من الأحبة وهم المرحوم ابن أخي الحبيب شادي المعتصم ، والوالدة رحمها الله تعالى ، والمرحوم مأمون سعيد الذي كان على علاقة وطيدة مع أخي الحبيب أبو حلمي ( المعتصم ) حيث عاشا سوياً سنين الدراسة الجامعية في الإسكندرية ، ثم تبعهم في الأسبوع الماضي إلى رحمة الله تعالى المرحوم تيسير أحمد .

كنت ترافقت مع المرحوم مأمون وعشنا سوياً أكثر قليلاً من سنة في عمّان قبل واحد وأربعون عاماً 68/69... وكان بصحبتنا من أبناء العمومة الأعزاء نائل خليل ، وماهر جعفر ، ونزيه خالد صديق الطفولة والشباب الذي ترافقت معه في البلد من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية العامة في عمّان حتى غادر إلى القاهرة ثم قطر ، ولم التق به منذ ذلك الزمن إلاّ منذ أيام قليلة أثناء زيارته لسوريا ، والتحق بنا آنذاك ياسين طاهر لفترة وجيزة قبل أن يغادرنا إلى السعودية . ثم فرقتنا الأيام ليصبح كل في بلد كما هي سنّة الله تعالى في أهل فلسطين . وخلال تلك الفترة - كما ذكرني أخي نائل عندما اتصلت به معزيا بالمرحوم مأمون - كنا ننام ونأكل ونقضي كل وقتنا سوياً مع بعضنا البعض بكل مودة ومحبة وكان يزيد من أواصر المحبة والألفة بين الجميع الزيارات الخاطفة لكثير من أبناء العائلة إلى عمّان . وبالرغم من صعوبة تلك الأيام فما زالت في الذاكرة ، وكان فيها خليط من مرارة الغربة وعذاباتها وحلو اللقاء مع أبناء العمومة والأقارب القادمين والمسافرين حيث كنا في فندق نهر الأردن آنذاك محطة لجميع أبناء العائلة الكريمة القادمين من خان يونس أو الدول الأخرى ، ويمكن أن نستذكر ونكتب عن تلك الأيام الكثير ، ولكني استذكرت بعض منها بوفاة المرحوم مأمون سعيد الرجل الطيب الذي كان رحمه الله تعالى على درجة عالية من دماثة الخلق والكرم والنبل والتسامح . وكان من الذين التحقوا بنا لفترات قصيرة أو زيارات صيفية كثيرون منهم أخي الحبيب المعتصم أبو حلمي ، وأبو خلدون نبيل خالد ، وأبو عاهد إبراهيم مصطفى ، ويوسف ويعقوب طاهر ، أطال الله أعمارهم جميعاً بالصحة والعافية وأبعد عنهم شرور الدنيا ، ومنهم المرحومِين مجيد سفيان عبد الله وإبراهيم عبد ويوسف الخوالدة ، وكثيرون قد لا تسعفني الذاكرة بهم الآن . وتلك الأيام وقد تداولناها وكنا يافعين ، وبالرغم من مرور كل تلك السنين ، فقد نستذكرها وكأنها بالأمس ، وهكذا غادر البعض هذه الدنيا إلى رحمة الله تعالى وقضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ، ومن بقي يناضل في هذه الحياة المريرة لأنفسهم وعوائلهم ، ومعظم حياتهم هموماً وقهراً ووحدةً وتشتتاً وأمراضاً وعذابات غربةً لا ندري كيف تنتهي !؟ ... ولا راحة لمؤمن إلاّ بلقاء ربه .

من أجل هذا اخترت لحلقة اليوم عنواناً ‘‘ أين تذهبون ؟!’’ ، وهو سؤال رباني لعباده يجدر التفكر فيه في قوله تعالى في سورة التكوير:‘‘ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذهَبُونَ (26) إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ (29) ’’ .

والذهاب أو السفر أو الانتقال له طرق وخيارات كثيرة وعديدة ، وجميع البشر خيرهم وشرهم لهم في نهاية المطاف والركض في هذه الدنيا الفانية طريق واحد لابد من السير فيه وهو طريق الموت ، فكلنا ميّتون وراجعون وذاهبون إلى ربنا .. من أجل هذا يعقل المؤمن طريقه ويختار سلوكه ، فالعمر مهما طال فإنه قصير ، وها نحن هنا نستذكر أحداثاً منذ أكثر من أربعين عاماً وكأنها قبل أيام قليلة !! ، ومن كان بيننا ومعنا ونحدثه بالأمس ذهب في سفر طويل ولن يعود ، فنسأل الله تعالى لهم جميعاً الرحمة ، وهو الكريم .

أما الموت فيذهب بمن غادر الدنيا إلى دار أخرى وأهل غير أهله . لذلك فإن المؤمن يتفكّر في الموت بوجدانه وعقله ويتفكّر في مرارته وسكراته ويدرك انه آت بلا ريب ولا إذن ولا موعد فيفَرِّق الجماعات والأحباب والأخ والصديق بعد رغد العيش وأُنس العشرة إلى وحشة الوحدة ، ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل ، وينقلنا من سعة دورنا إلى ضيق قبورنا . والموت قاهر الكِبر والتعالي وقاصم رقاب الجبابرة وهاذم اللَّذات ومقصّر آمال الملوك ، ومقرِّح القلوب ومُبْكِ العيون ومُيَّتِم البنات والبنين بعد عزِّهم بوالديهم ، فيأخذ الأرواح من المال والجاه والزوجة والولد ويترك الأجساد بلا حِراك ، وتبقى الأموال والملذات والجاه والولد في الدنيا ، فلم ولن يأخذ أحدُ معه جاهاً أو أموالاً وقصوراً وبيوتاً ، وهناك إما سعادة أبدية وإما ندامة .. وآنذاك لا تنفع ندامة .. ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:‘‘الناس نيام فإن ماتوا انتبهوا’’ .

والموت هاذم اللّذات كما وصفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:‘‘ أكثروا من ذكر هاذم اللّذات ’’ ، وهو المحطة الأولى للآخرة ، والقبر محطته الثانية حيث حياة البرزخ ، ومن هنا يتفكّر المؤمن في ذهابه ، وسؤال حاضر بين عينيه : أين تذهبون ؟! .

يقول تعالى في سورة ق آية(19):‘‘ وَجَاءَت سَكرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ’’. وكلنا بلا شك لا يحب الموت ويتمنى لو يعمر ألف سنة ، ولكن قضاء الله تعالى وحُكْمِه سبق كل قدرات البشر والرغبة في البقاء في الحياة .

يقول سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما:( ما من يومٍ إلاّ وملَك الموت يتصفّح وجوه الناس خمس مرات فمن رآه على لهوٍ ولعبٍ أو معصية أو ضاحكاً حرّك رأسه وقال له : مسكين هذا العبد غافل عمّا يُراد به ثم يقول له : اعمل ما شئت فإن لي فيك غمزة اقطع بها وتينك).

والموت حقيقة قاسية رهيبة تواجه كل حيّ وكل من له روح ، ولا يملك لها رداَ ولا يستطيع لها ممن حوله دفعاً ، والموت أجل محتوم يحدث أمامنا كل لحظة وكل يوم ، ويواجهه الكبار والصغار والأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء ، ويستسلم الجميع أمامه ، لا حيلة ولا وسيلة ولا قوة ولا شفاعة ولا دفع ولا تأجيل ، فالموت يأتي من صاحب القوة العليا التي لا يملكها بشر ولا جماعة ، والله وحده سبحانه وتعالي يهب الحياة ويأخذها في موعد لا يعلمه إلاّ هو جلَّ شأنه ، فلا يعرف أحدٌ متى تأتي ساعته وأين وبأي تاريخ أو أيِّ أرضٍ يموت !؟ .

والله جلَّ شأنه يُذَّكرنا في القرآن الكريم كثيراً بالموت ، ومنها الآية الكريمة من سورة الجمعة آية(8)في قوله تعالى:’’ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَّدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‘‘ ، ويقول جلَّ شأنه في سورة العنكبوت آية (57) : ’’ كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنَا تُرْجَعٌونَ‘‘ ، وفي سورة الأنبياء آية (35) يقول جلَّ شأنه : ’’ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ وَنَبْلُوَكمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرجَعُونَ ‘‘ ، ويقول تعالى في سورة آل عمران آية(185):’’ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّمَا تُوَّفُونَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَّامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ‘‘ ، فلا مهرب ولا منجا من الموت ، وهو مُدركنا وملاقينا ليأخذنا في سفر طويل إلى العالم الآخر ولن يفلت منه أحدٌ مهما كبُرَ أو صَغُرَ شأنه مصداقاً لقول الله تعالى في كتابه الكريم :’’ أيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَّيَّدَةٍ ...‘‘ وبعد الموت فإنه الحساب ،  فإمّا ثواباً على خيرٍ قدمناه أو عقاب على سوءٍ فعلناه ، ولا ينفع المرء إلاّ إيماناً بوحدانية الله تعالى وشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعملاً صالحاً يلاقي به ربّه ينجيه من عذاب أليم .

جاء في الأثر أن مَلَك الموت دخل على سيدنا داوود عليه السلام فقال له:[ من أنتَ ؟ قال : أنا الذي لا يهاب الملوك ولا تُمنع منه القصور ، ولا يقبل الرشا ، فقال : إذن أنت مَلَك الموت وإنِّي لم استعد بعد ، فقال له : يا داوود أين فلان جارك ؟ وأين فلان قريبك ؟ قال: ماتا ، قال : أما كان لك في موت هؤلاء عبرةً لتستعد بها ] ، ثمَّ قبضه عليه السلام .

والموت موعظةً للمؤمن ويَعْتَبِر من موت أهله وأقربائه وأصدقائه وجيرانه والناس أجمعين ، والفطِن من اتَّعظ ، ومن لم يعِظُهُ الموت فلا واعظ له ، وأبلغ إنذار للمرء هو موت الأهل والأقارب وغيرهم من الأحباب والأصحاب . وقيل أن القلب القاسي يَلِين بثلاثة أشياء : زيارة القبور ، وحضور مجالس الوعظ من العلماء والصالحين ، وسماع سيرة من مضي من العبّاد والزّهاد .

وأمّا القبر فهو ذلك المكان الضيّق الذي يضم بين جوانبه جثث الموتى وموطن العظماء والحقراء والحكماء والسفهاء ومنزل الصالحين السعداء ، وهو إمّا روضة من رياض الجنّة ودار كرامة وسعادة أو حفرة من حفر النار ودار إهانة وشقاء .

وفي خطبه تفطّرت منها القلوب يُحذِّر الناس ذكر سيدنا علي رضي الله عنه الموت والقبر وقد سماه بيت الوحشة والظُلْمَةُ و الديدان فقال : (عباد الله الموت ليس منه فوت إن أقمتم أخذكم وإن فررتم منه أدرككم ، الموت معقود بنواصيكم فالنجا النجا والوحا الوحا ، فإن وراءكم طالباً حثيثاً وهو القبر ، ألا وإن القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث كلمات فيقول : أنا بيت الظلمة أنا بيت الوحشة أنا بيت الديدان ، ألا وإن وراء ذلك اليوم يوماً أشدَّ منه ، يوماً يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير’’ وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ‘‘، ألا وإن وراء ذلك اليوم يوماً أشد منه ، فيه نار تتسعر ، حرّها شديد وقعرها بعيد وحليّها حديد وماؤها صديد ليس لله فيها رحمة ) . فبكى المسلمون بكاءاً شديداً ثم قال:( ألا وإن وراء ذلك اليوم:’’ جنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين ‘‘ أدخلنا الله وإياكم دار النعيم وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم ) .

ولمّا رجع سيدنا علي رضي الله عنه من صفين وأشرف على القبور قال:’’ يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة والقبور المظلمة يا أهل التربة يا أهل الغربة يا أهل الوحشة أنتم لنا فرطٌ سابق ونحن لكم تبعٌ لا حق ، أمّا الدور فقد سُكِنَت ، وأمّا الأزواج فقد نُكِحَتْ وأمّا الأموال فقد قُسِّمَتْ ، هذا خبرها عندنا ، فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: ’’ أما لو اُذِنَ لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى‘‘ .

إن سفر كل إنسان على وجه الأرض سفراً طويلاً إلى الله تعالى هو آت لا ريب فيه ، وهو سفراً مؤكداً ، من أجل هذا فإن المؤمن يتفكر في الموت دائماً لإدراكه أنه ملاقيه ، وإن بعض من الإجابة على ذلك السؤال الرباني : أين تذهبون ؟ّ! في ذاكرته وقلبه وبين عينيه . 

والحديث في هذا الموضوع قد يكون طويلاً ، وسنكمله في مقال قادم إن شاء الله تعالى ، ونسأل الله تعالى السلامة من سوء المنقلب ونسأله أن يهدينا سواء السبيل ، وأن يرحم موتانا وموتي المسلمين والمؤمنين وأن يتجاوز عن سيئاتهم ويزيد في إحسانهم ، ويغسلهم بالثلج والماء والبرد ، اللهم آمين .

وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

يمكنك تلقي أحدث الأخبار أول بأول بانضمامك لإحدى مجموعات الواتساب الخاصة بالعائلة من خلال الضغط هنـا

اظهر المزيد