النخلة  |  عائلة الأغا



الرئيسة / مقالات / ديما...طفلة من غزة الصمود- بقلم- نائلة عزمي السقا

ديما...طفلة من غزة الصمود- بقلم- نائلة عزمي السقا

 

ديما ... طفلة من غزة الصمود!!!.
 بقلم- نائلة عزمي السقا

لقد وقع الاختيار على ديما للسفر الى احدى الدول العربية والى دولة اوربية ضمن مجموعة من الاطفال كانت قد اخذت على عاتقها إحدى المؤسسات الإنسانية هنا فى غزة حمل مسؤلياتهم في برنامج قد أعد من أجل ترفيههم ومعالجتهم نفسيا برحلة علاج واستشفاء لهم من آثار العدوان الصهيوني الأخير على غزة.

ديما هذه طفلة من أطفال غزة، كانت شعلة من ذكاء قل نظيره ذكاء جبل واختلط بالحرمان فصار إصراراً وتصميم ، طفلة تم حرمانها من أبسط حقوق الأطفال جراء حصار دولي غاشم !!.

كانت المرة الأولى التي تبتعد الطفلة الوديعة ديما عن أهلها فتركت فراغاً كبيراً لذويها وإخوتها ، كانت عيناها تشعان ذكاءاً فلا تفوتها شاردة أو واردة إلا وحاولت أن تعرفها ، وسافرت عبر معبر رفح الحدودي ولاقت من الصعاب والتضييق ما لاقاه غيرها ممن سافر عبر هذا المعبر الذي كان بحق يمثل بوابة لسجن كبير ومعتقل واسع فرضته قوى الاستكبار والجور على أبناء قطاع غزة!!.

كانت الدولة العربية المحطة الأولى لبرنامج الرحلة هذه ، وكان باستقبال الوفد على أرض مطار العاصمة العربية عدد من أطفال تلك المدينة الذين اصطحبتهم المؤسسة المضيفة مع طاقم صحفي لعدد من وكالات الأنباء المحلية والدولية لتغطية اللقاء ، لقاء حميمي رائع أبداه أطفال الدولة العربية المضيفة لوفد أطفال غزة ، عناق وهتاف وأناشيد وطنية تحيي صمود أبناء غزة مع باقات الورد في أكف هؤلاء الأطفال الصغار.

لم تجد ديما أي صعوبة في الحديث مع هؤلاء الأطفال لاسيما وأنها كانت تجيد التحدث بالفرنسية التي تعلمتها في مدرستها الخاصة فكانت تتجاوب بعفوية الأطفال مع الصحفيين والمرشدين وتجيب على كل سؤال يوجه لها باعتبارها ( المتحدثة باسم الأطفال ) ، ولم تكتف بالاجابة وتلقي الأسئلة ، فراحت توجه استفسارات لمن حولها عن أسباب ما جرى لهم في غزة دون أطفال العالم ... هكذا كانت في غزة تبحث عن إجابات لاستفساراتها ... وهكذا هي أيضاً في هذة الدولة العربية الشقيقة !!.

وحسب جدول الرحلة ، فقد انتقل وفد أطفال غزة إلى احدى الدول الاوروبية بعد انقضاء اسبوعين في الدولة العربية التي ودعوا منها بحفاوة بالغة كما استقبلوا عند مقدمهم ، وما أن حطت أقدام وفد أطفال غزة أرض الدولة الاوربية حتى أحسوا بالفرق الشاسع بين ما عايشوه في غزة وما رأوه في هذا البلد الأوربي ، لم يلاقوا عناءاً في البحث عما حرموا منه في غزة بل وجدوه أمامهم مبذولاً ميسرا، ألعاباً شتى ، بنايات جميلة نظيفة لا أثر للرصاصات على جدرانها ، مدينة الملاهي واسعة مترامية الأطراف تملأها وتحيط بها أرض خضراء من كل جانب ، فيما كانت مشاهد الحجارة المتهدمة بفعل القصف الصهيوني لغزة مازال راسخاً في أذهانهم .

وقفت ديما بين حشد الصحفيين االاوروبين تتحدث إليهم ببراءة متناهية وبلهجة فلسطينية طغى عليها الإصرار والتصميم المصقول بالبراءة فراحت توضح لهم معاناة أبناء غزة وما كابدوه وما عانوا منه طيلة فترة الحصار المستمر وما مروا به أثناء محاولة الصهاينة الخائبة في اجتياح مدينتها وما اقترفوا بها من مجازر وحشية بحق الانسانية ، كانت قد حملت معها عدداً من صور العدوان والمكابدة قامت بتوزيعها عليهم أثناء حديثها وإياهم ، اغرورقت عيناها بالدموع وهي تحكي للحشد عن الطفلة جميلة الذي قطعت اطرافها شظية من صاروخ صهيوني أطلق من طائرة مقاتلة على حيهم السكني ، بكت فأبكت من حولها ، حدثتهم طويلاً كيف استشهدت فاطمة ذات السنوات الستة جراء نقص الدواء والعلاج ، وكيف توفي الشيخ محمود وهو ينتظر السماح له للخروج من أجل استكمال علاجه الذي ابتدأه في مصر، حدثتهم عن العم اسماعيل الذي فقد عقد عمله في الامارات لمنعه من مغادرة غزة بعد انقضاء إجازته التي قضاها لحضور جنازة والدته التي توفيت هناك ، حدثتهم عن ابن خالتها فراس الطالب الجامعي الذي أمضى قرابة أسبوعين عند باب المعبر بانتظار السماح له كي يلتحق بجامعته التي كان يدرس فيها ، حدثتهم بألم وحسرة عن معاناة فقدان الكهرباء خاصة في الليل البهيم ... وحدثتهم طويلاً عما كان يجري على أرض غزة. تحدثت ديما بطلاقة دون خوف او توتر بكل جرءة وبراءة.

وانتهت الزيارة الى البلد الاوروبى ، وحان موعد السفر والعودة مجدداً الى غزة الحبيبة ، كان الشوق قد أخذ مأخذه من ديما وكل رفاقها في وفد طفولة غزة ، وكان من المؤمل أن تحط الطائرة في القاهرة لتمضية يومين يصار بعدها لتأمين سفرهم براً نحو معبر رفح الحدودي ، كان لديما خالة في عمان لم ترها مذ كانت طفلة رضيعة ، منت النفس في أن تستثمر وجودها في القاهرة ليومين فتلقاها في القاهرة قبل عودتها الى غزة ، فقررت الخالة جيهان ان تقوم باستقبال ديما والمكوث معها ليومين قبل العودة ، وكانت المفاجأة غير السارة أن وفد الطفولة قد أجبر على البقاء في مطار القاهرة لتأمين حافلة لهم لإيصالهم إلى معبر رفح دون أن يسمح لهم بالمكوث ليومين حسب الاتفاق(ترحيل) ، حاول الوفد المرافق الحصول على إذن البقاء ليومين اثنين للراحة دونما طائل ، فعلا الوجوم واليأس وجوه الأطفال وانتابتهم موجه من حزن وألم وحسرة لاسيما ديما التي كانت تحن بشوق للقاء خالتها جيهان التي كانت في المطار لاستقبالها ولقائها.

حاولت خالة ديما جاهدة من الوصول اليها في قاعة استقبال المطار الا ان الجندى منعها، لم تجد خالتها وسيلة سوى ان تشترى لها ولبعض زملائها بعض الحلوى والعصير والبسكويت وارسلتهم عن طريق الجندى المصرى ولكن للاسف لم يصلوا لهم، كادت خالة ديما ان تفقد عقلها ، كيف يمنعونها من رؤيتها وقد باتت قاب قوسين او أدنى منها لاسيما وقد تجشمت عناء السفر من عمان للقائها، هى لم ترها منذ ولادتها فيما أصبح عمرها الآن 12 سنة !!، شاءت الصدف أن تعلم خالة ديما ساعة سفر الوفد ، فقررت أن تلاقيها في الطريق خارج المطار للسلام عليها ، فما كان منها الا ان استقلت سيارة فىصباح اليوم الثانى وانتظرت طويلا عند منتصف الطريق وعندما شاهدت الحافلة من بعيد وقفت فى منتصف الطريق رافعة يديها الاثنتين ملوحة للسائق بان يقف ، صرخ عليها الجندى بان تبتعد عن طريقهم لكنها رفضت ، أخبرته بأن ابنة اختها في الحافلة وتريد رؤياها :

- ارجوك ايها الجندي الشهم ابنة اختي معكم فى الحافلة ولا اريد الا ان احضنها واعطيها هدية بسيطة ، هى لا تعرفنى كذلك ولكنى اريد ان اراها ، أرجوك واستحلفك بالله!!.

بداية تململ الجندى ورفض طلبها ، ولكن إزاء اصرار خالتها فقد أجبر على الموافقة بأن ترى ديما بشرط عدم إطالة اللقاء لأنه عبدالمأمور .

تم اللقاء أخيراً ، و صعدت جيهان خالة ديماإلى الحافلة وما ان رأتها حتى صرخت جيهان بأعلى صوتها وهي تبكي :
- حبيبتى ديماا.. كم انا مشتاقة لك ، يا الله ... كم كبرت يا ديما وكم انت جميلة. ....
تعانقتا وسط بكائهما وبكاء من كان في الحافلة ، حتى الجندي المصري أشاح بوجهه بعيداً كي لا ترى الدموع في عينيه.
- ديماا حبيبتي ... هذه اللعبة لك حبيبتى وهذه لاختك رزان وارجوك ان تقبلى جدو وماما وتيتا وان تقولى لهما بان جيهان وان لم تكن فى غزة الا ان فلسطين تسكن فيها.

دقائق مشحونة باللهفة والشوق والعواطف الجياشة ، تقدم الجندي المصري بأدب جم نحو جيهان طالباً منها مغادرة الحافلة كي يكملوا رحلتهم ، شكرته جيهان على حسن صنيعه وغادرت الحافلة وعيناها ملتصقة بعيني ديماا التي ظلت تبكي هي ورفاقها وهم يلوحون باياديهم الصغيرة البريئة عبر نافذة الحافلة الخلفية على امل ان يلتقوا ثانية على تراب وطننا الحبيب.

[email protected]

[4] تعليقات الزوار

[1] م.حمدان موسى حمدان الأغا | سفيرة فوق العادة | 11-10-2009

[1] م.حمدان موسى حمدان الأغا

شكرا لك سيدتي على قلمك الذي انار شرفات النخلة، ديما هي سفيرة فوق العادة خرجت من بين آثار العدوان، ديما ولدت كبيرة لأن حبها لوطنها كبير، خالتها هي رمز من رموز المعاناة والتشرد والغربة بين أبناء الوطن الواحد، سيدتي.. مرة أخرى شكرا لقلمك ونتمنى أن نراه مجددا في النخلة، مع تحياتنا الى ديما

[2] علي تكريم حافظ البطة | قصة ترقى الى الرواية الادبية | 12-10-2009

[2] علي تكريم حافظ البطة

انها قصة رائعة يمكن البناء عليها وتحويلها الى رواية أدبية أو فيلم تلفزيوني ، فالفكرة واضحة ، عبرت عنها الكاتبة تعبيراً فصيحاً ، وافكار القصة متسلسلة مترابطة لا قفز فيها .

[3] نضال حسين رزق الشوربجى | والله قصه بتحرك مشاعر الحجر | 14-10-2009

[3] نضال حسين رزق الشوربجى

والله يسلموة ايدين كل من شارك فى كتابتها وخاصه الصفيه نائله بجد اشى مرتب

[4] آيـــــة سمير جميل الأغــا | قـصــة رائــعــــــة | 17-10-2009

[4] آيـــــة سمير جميل الأغــا

سلمت أناملك علي ما قدمت اتمني لك دوام التقدم

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك
Website Security Test