النخلة  |  عائلة الأغا



الرئيسة / مقالات / ومضــة وفــــاء إحسان خليل الأغا

ومضــة وفــــاء إحسان خليل الأغا


ومضة وفاء
إحسان خليل الأغا ..
وداعا
 نبيل خالد الأغا الدوحة

 
لم تكن آصرة الدم وحدها التي جمعتنا، فهناك أواصر عدة تداخلت فيما بينها لتشكل في مجملها محور الصداقة والمحبة مع الغائب الحاضر المرحوم الدكتور احسان خليل الأغا.


لقد شاءت إرادة الحق تبارك وتعالى أن تشهد خان يونس الغالية مسقط رأسينا في أربعينات القرن العشرين، وأظلّتنا سقوف المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، والارادة الإلهية عينها  شاءت ان تكون القاهرة قِبلة دراستنا الجامعية منتصف الستينات، وجاء الاغتراب كعادته ليفرق الشمل ويشتت الجمع، فاتجهت بوصلتي الحياتية الى ليبيا فمكثت فيها تسع سنوات مدرسا  ومسؤولا في حركة فتح، ومن ثم اتجه مؤشر البوصلة الى «دوحة ــ قطر» لأمكث فيها ــ حتى اللحظة ــ نحو ثلاثين عاما موظفا وكاتبا وصحفيا، حيث رست بي سفينة الحياة عند  هذا الحد من الطموح قانعا شاكرا بما قسمه لي مقسم الأرزاق، بينما مخرت سفينة احسان عباب المحيط للحصول على الدكتوراه بمجهود شخصي بعيدا عن أولاده وعن زوجته الوفية السيدة حياة زكريا الأغا التي وفدت حينئذ إلى قطر بصورة مؤقتة في بيت أخيها وأخينا الدكتور يحيى الذي كان يعمل مدرسا في ذلك الحين، ولأن لكل مجتهد نصيب من  النجاح، فقد حقق احسان امنيته وحصل على شهادة الدكتوراه في التربية وعلم النفس من جامعة كانساس عام 1984م.


وجاء يومئذ الى الدوحة، فكان موضع ترحيب وتقدير من كافة أبناء العائلة، وجمعتنا عدة مجالس استعدنا خلالها ذكريات جميلة سلفت مع نخبة من أبناء العائلة منهم أخي الحبيب المرحوم أحمد خالد «أبو خالد» وزوجه المربية السيدة عبلة كامل وخالنا الأكبر «القاضي الفاضل» رضوان محمد وزوجه السيدة ليلى مصطفى إحدى أبرز الرائدات  التربويات في قطاع غزة، إضافة إلى الاخوة جاسر عبد «أبو العبد» ويونس عبد «جسورة» والمرحوم عمر خليل ووائل ونائل خليل، ويحيى زكريا ونزيه وناهض خالد وحافظ عبد ومأمون  وفيصل الشوربجي وغيرهم.
 

اعتراف متأخر
ضمن جملة الذكريات التي تداولتها أمام احسان يومئذ اعترافي له وللمرة الأولى انني كنت أغار منه غيرة إيجابية في فترة شبابنا الباكر، وذلك لأن اسمه «احسان»  ورد في القرآن الكريم عدة مرات بينما لم يرد اسمي «نبيل» بتاتا فيه، وكنت أتمنى ان يكون اسمي مذكورا حتى أشعر بالزهو والافتخار والشرف! ومن بين تلك المواقع  قوله تعالى «.. وبالوالدين احسانا». وكذلك قوله جل جلاله: «ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ..» وأيضا قوله سبحانه «وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان» إضافة الى ان كلمة الإحسان ذاتها تعني فقهيا ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.


سعد احسان بما سمعه مني، وأضاف قائلا وكأنه يضيف لي غيظا جديدا: ليس هذا فحسب بل ان اسمي يقبل القسمة على اثنين بمعنى ان اسم «إحسان» يصح اطلاقه على الذكر  والأنثى معا، اما اسم «نبيل» فلا يطلق إلا على الذكر دون الأنثى!
وهكذا كانت علاقة الود قائمة بيننا، غير أنني لعميق الأسف لم أر إحسان منذ آخر زيارة لي لخان يونس الغالية عام 1996، زرته في بيته وأهداني مجموعة من كتبه  التربوية «وأهداني فيما بعد كتاب خان يونس وشهداؤها» بينما أهديته ثلاثة من كتبي: الشهيد الحي عبدالقادر الحسيني، مدائن فلسطيثن دراسات ومشاهدات، وجوه  فلسطينية خالدة.


شغل إحسان عدة مواقع تربوية بارزة آخرها أستاذ بروفيسور الجامعة الإسلامية بغزة، بينما كانت زوجه السيدة حياة تعد العدة للحصول على الدكتوراه في طرق  التدريس وتحقق لها ذلك عام 2005 من تربية عين شمس برغم مسؤولياتها الأسرية والتعليمية والاجتماعية وهي تشغل حاليا مديرة لمدرسة حيفا الثانوية للبنات في خان يونس.


وللفقيد الغالي سبعة أبناء هم: نجله الأكبر خليل وكريماته: غادة، وسهى، وسمر، وعلياء، ونور، ودينا، وله شقيقان الأكبر الدكتور مروان والأصغر الدكتور غسان.


إحسان أيها الحبيب:
عندما بلغني نبأ غيابك الأبدي في السابع والعشرين من شهر يونيو الماضي اعترتني قشعريرة المفاجأة، برغم انك مكثت عدة شهور تعاني من المرض صابرا محتسبا، وكلنا  يدرك ان الموت حق لكنه الحق المكروه الذي تأباه الطبيعة البشرية لكن الفراق الأشق والأصعب وخاصة عندما يكون فراقا سرمديا لا لقاء بعده، وقد برزت على الفور  امامي حكمة الشاعر لبيد بن ربيعة التي أشاد بصدقها حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم والقائلة في بيتيها:

ألا كُلَّ شيء ما خَلا اللَّه باطلُ
وكل نعيم لا محالةَ زائلُ
وكل ابن أنثى لو تَطاول عُمْرُه
إلى الغاية القصوى إلى القبر آيلُ


سلام الله عليك يا أبا خليل أخاً وصديقا ومربيا، وقد سبقتنا الى الرحاب الإلهية الخالدة حيث العدالة المطلقة، والحق المبين، بعيدا.. بعيدا عن عالم الظلم والاستبداد والقهر والطغيان الذي  يغلف حياتنا الآنية.


ربّاه.. يا من وسعتْ رحمتك كل شيء، نستغيث بك ونتوسل إليك أن تشمل موتانا - كل موتانا- بعفوك اللامحدود، ومغفرتك اللامتناهية. وان تسكنهم الفردوس الأعلى من  جنتك، وأن تشملنا برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه فأنت - يا ربنا - نعم المولى وأنت نِعْم المجيب.
هنيئا لك يا ابن العم حياتك الأبدية مع المعصومين والاتقياء والانقياء والشهداء فأنتم السابقون ونحن اللاحقون، ولن نقول إلا ما يرضي خالقنا «إنا لله وإنا إليه راجعون».
 

أبوخلدون

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك