مقالات

بين الحنين والحنان ... شوق إلى الجنان- خواطر مع الخالة الحاجة خيرية حافظ طيّب الله ثراها- عصام مهدي

بسم الله الرحمن الرحيم

 



عبارات المواساة التي أود تقديمها تتطلب مفردات غير مبعثرة... فهي ليست كباقي المناسبات
هي أحجار كريمة... تعانقت لتكون قلادة نفيسة... مغايرة لما تتزين به الحسان لتزيد الترائب فتنة...

قلادة تمثل حروفاً متلألئة في صفحة ناصعة البياض من تاريخ العائلة...

الخالة الحاجة خيرية حافظ رحمها الله ... تزوجت من ابن عمها كامل عبد الرحمن... سعادة غامرة في البيت... بين المشاعر والعواطف والأحلام والطموح والأمل وبعدعامين ونصف أصيب الزوج الوسيم في مقتبل العمر بالمرض والحمى فانتقل كامل الشباب إلى رحمة الله... وانطفأت كل الشموع المضيئة في جنبات البيت وتبددت كل الأحلام والآمال ... فأمر الله نافذ ولا راد لقضائه.

وهكذا برحيل كامل... كتب لزوجته الحامل الترمل الكامل... الجنين قابع في ظلمات ثلاث... فتشعر الأم المصابة ببقايا شمعة... وبصيص أمل في الحياة بل فيه ذكرى رحلة زواج لم تدم... وفرحة عمر لم تكتمل.

(قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)

فيا قلب إن جزعت فربما ... جرت سنحا طير الحوادث باليمن
فقد تورق الأغصان بعد ذبولها ... ويبدو ضياء البدر في ظلمة الوهن.

اكتملت رحلة الحمل وقدم محمد كامل ليبصر النور بعينيه ويبدأ رحلته في هذه الدنيا...
رحلة اليتم الكامل... لِمَ لا والراحل كامل.

الأم تحتضن وليدها لتبدأ رحلة الحياة من جديد... تمزج فيها بين فقدان الزوج وكفالة الوليد... سلاحها الإيمان بالله والصبر والاحتساب... ويقينها أن ما عند الله خير وأبقى...

وهكذا اكتملت فرائد القلادة... تمر الأيام وينمو الوليد اسمه محمد والأب كامل والجد عبد الرحمن... الأم خيرية والجد حافظ... الخال خيري بل أبو الخير... الجدة أم سلامة بل أم السلامة...
ورعاية الرحمن تتجلى على عباده... فتنزل عليهم رحماته... والله أسأل أن يشملنا برعايته جميعاً.

الطفل يترعرع في البيت الذي يقابل بيتنا تماماً... في شارع العائلة في ربوع مدينتنا الفاضلة...

الجدة أم سلامة تحل بركتها في أركان البيت فمن الصلاة إلى الدعاء... إلى التسبيح والحمد والتكبير والتهليل إلى الاستغفار... عيادتها الدائمة يتردد عليها الأطفال والأمهات وأدواتها في العلاج التخريجة والفرك بالزيت والدعاء... والابتسامة والكلمة الطيبة... ويحظى بالشفاء جل من وَفِدَ إليها... جعل الله ما قدمت في ميزان حسناتها.

وهبت الأم رحمها الله كل حياتها لأجل ولدها الوحيد... فكان كل شيء في حياتها... لا تملّ النظر إليه في كل لحظة... تراه يكبر كل يوم... ويقترب من الأمل الذي ترجوه له... يخرج لأي مكان حاملاً معه قلب أمه التي ترقب عودته وترجو سلامته داعية أن يحفظه الله في كل خطوة يخطوها
وأن يوفقه في كل عمل صغر أم كبر... فلا شيء يشغل قلبها ويملؤه سوى حب فلذة كبدها.

كنا نلعب مع محمد في معاقل طفولتنا نفرح ونمرح في ألعابنا ولم يكن محمد كامل يغتنم وقت اللعب مثلنا... فكان يكتفي بالقليل اليسير ثم يعود إلى البيت... وكأنه يقول لنا: أنا لست مثلكم... لدي أمور أهم من اللعب.

ومن أطرف ما حدث بيني وبينه في طفولتنا الابتدائية وأنا أكبره بسنين.. وذات يوم من أعياد الأضحى... ألقى الأخ محمد كامل حصاة صغيرة تجاهي ومرت بجواري فلحقت به فولّى هارباً تجاه منزل خالته أم محمد "لبيبة" (طيب الله ثراها ورحمها)، ودخل من الباب الخارجي ثم من الباب الداخلي وصرخ مستغيثاً خالتي عصام بدو يضربني!!! وتوقفت على درجات بين البابين اعتقاداً بل ثقة مني أني على حق في هذا الخلاف الطفولي العبثي وفجأة اندفعت من الباب نحوي خالته أم يزيد رحمها الله... وقالت بلهجة سريعة: ليش بدك تضرب محمد؟؟؟ وقبل أن أتلفظ بحرف بادرت برفع يدها وصفعتني بشدة على الخد الأيسر... وكأن حال سبيلها يقول إنت مش عارف مين محمد!!! فاستدرت إلى الخلف عائداً بعيدية قيّمة نفيسة لم أعهد سواها في حياتي.

وكان لهذه العيدية بعدان الأول: أن الخالة تتمتع بصحة جيدة أصابت الفك السفلي بانحراف مع سلامة الأسنان، أما البعد الثاني: فقد كانت الخالة منشغلة بالعمل في لحم الأضحية وأحشائها وعند استجابتها السريعة لإغاثة العزيز ابن الأخت العزيزة أصابني من يدها نصيب وافر من النكهة الطبيعية لأحشاء الأضاحي (السقط).

منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا أكره تناولها فإذا ما تعرضت لمثل هذه النكهة أعود بالذكرى 50 حولاً إلى الوراء... أتحسس خدي وأترحم على الخالة أم يزيد وجميع أمواتنا من العائلة الكريمة.

وفي فترة الشباب المبكر استطاع الشاب محمد كامل أن يشق طريقاً صعباً بالعمل والاجتهاد...
عمل شاق يصعب على أقرانه القيام به... واقتضت المروءة أن يقف الأخ الفاضل الدكتور أبو أسامة حفظه الله بجوار شقيقته للحد من مرارة فراق زوجها... وأن يساندها في تنشئة وحيدها بكل ما تمليه الظروف من نصح وإرشاد وتوجيه ورعاية...
فكان نعم الأب المربي... ونعم الخال الحاني ... ونعم المعلم الناصح...

الفتى يصغي.. يستجيب ويقوى عوده ويشتد ساعده فيزداد حنكة وتجربة.
(أشار الرسول عليه الصلاة والسلام إلى سعد بن أبي وقاص "مفاخراً" قائلاً:
هذا خالي فليريني أحدكم خاله).

أكرم الله الأخ أبوكامل ففتح أبواباً من العمل والتجارة فرزقه الله رزقاً وافراً مباركاً..
ففتح أبواباً من الكرم والعطاء والمساعدات فكان سنداً لكل محتاج وعوناً لكل فقير...
وأبقى أبوابه مشرعة للقريب والبعيد...

تزوج الشاب محمد كامل ورزق بكامل ليستمر ترحمه على أبيه... وبره بأمه وأبيه.

الأم رحمها الله ترقب بعين راضية... وتبارك كل عمل يقدم عليه ولدها النجيب...
فكانت له نعم المدرسة في مناحي حياته... ينهل من آدابها وأخلاقها... لِمَ لا فكل القيم في فصولها.

أكرم الله الأخ أبوكامل و يسر أمره في إقامة صدقات جارية في مسقط رأسه... تعود بالنفع والفائدة على أبناء بلدته كباراً وصغاراً... بلدته التي نمت في أحضانها وعلى ترابها أحلام طفولته البريئة... حيث خط على ترابها أولى صفحات ذكرياته... وعلى ترابها يعيش الأهل والأقارب والجيران ... وفي ثراها توارى كل عزيز رحل... فيكون له الثواب العظيم مع أبويه وجده... تصديقاً لقوله صلوات الله وسلامه عليه (ما نقص مال من صدقة).

نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتكم ودمت ابنا باراً يا "أبو كامل"

رحم الله الخالة الحاجة أم محمد ورحم جميع أمواتنا وحفظنا الله وإياكم جميعاً ويسّر لنا السبيل في دروب الخير.

كل الشكر والتقدير على عطاء القائمين على واحة النخيل وجزاكم الله كل الخير على جهودكم وحرصكم على تسهيل التواصل وتوفير الراحة لكل زائر.

 

فالتمر في النخلة ... والقهوة في الدلة ... والماء في الماصية... فهنيئاً.

ودودكم
عصام مهدي
 

اضغط هنا للتعرف على المرحوم أ. عصام مهدي نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد