مقالات

التجربة الأردوغانية- أمجد نعيم الأغا



لم يعد بالإمكان المرور على تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان دون الوقوف والتأمل في الأسباب التي أدت إلى تصاعد نجم هذا الحزب والقدرة على حصد الأغلبية البرلمانية للسنة الثالثة على التوالي بجدارة واستحقاق رغم الأمواج المتلاطمة التي تعرض لها ورغم تنافر مبادئه مع المزاج العلماني السائد في تركيا .
لعل المتابع للمشهد التركي بتأني سيلحظ أن كلمة السر في هذا الإنجاز هي (رجب طيب أردوغان) زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة التركية، (مع عدم التقليل من دور الفريق المساعد لأردوغان) .

ويبقى التساؤل الملح: كيف إستطاع أردوغان أن يحافظ على هذا النجاح ويحقق الشعبية الساحقة بخطى ثابتة بسنوات قليلة ؟
وبالتالي هل يمكن أن نستلهم من التجربة الأردوغانية ما يفيد واقعنا الفلسطيني؟

بقراءة سريعة للمشهد التركي وإستطلاع الكتابات التي تناولت هذا الموضوع فضلا عن الإستماع لمن عايش مرحلة حكم حزب العدالة والتنمية وشهد نموها يمكن نستخلص طائفة من الإستنتاجات:

1- المنهج العلمي: إستطاع حزب العدالة والتنمية أن يشّخص بشكل علمي ومنهجي (قبل أن يصل إلى الحكم) إحتياجات الناخب التركي والوقوف على المشاكل الأساسية التي يعاني منها المجتمع التركي بإختلاف شرائحه وطوائفه الفكرية وذلك من خلال دراسات مسحية علمية تحليلية ، ثم الإستفادة من مخرجات هذا المسح في وضع الخطط والبرامج وتهيئة أدوات التنفيذ.

2- المؤسسة العسكرية: إستوعب الحزب المعادلة التركية المُعقدة وتجّنب الإصطدام مع المؤسسة العسكرية المستأثرة بمفاصل الحياة التركية وإستفاد أردوغان من التجارب السابقة (تجربة نجم الدين أربكان الذين نقل الصدام مع الجيش إلى الشارع وكان مآل ذلك حل حزبه ومحاكمته) ، وبالتالي نجح حزب العدالة والتنمية بشكل سلس وبذكاء في تحييد الجيش وكل تم من خلال القنوات القانونية لاسيما من خلال تعديل قانون القضاء العالي بحيث يتيح للقضاء المدني محاكمة العسكريين فضلاً عن المؤسسة القضائية التي نجحت في تقليم أظافر القيادات العسكرية المتآمرة على أردوغان وحكومته عبر إسناد لوائح إتهام لهم وبالتالي إدانتهم.

3- التنمية: أيقن الحزب أن المدخل الرئيس لأي تنمية حقيقة يتحقق من خلال المرور عبر بابين: الإقتصاد والتعليم، وقد أعاد أردوغان ترتيب وظيفة الدولة بإعتبارها خدمة للمواطن.
وبالتالي عكف الحزب على إعداد برامج إغاثية عاجلة للفئات المهمشة (الفقراء،المعاقين، الشيخوخة، البطالة... ) والتركيز على الخطط الخدماتية التي تمس الجمهور (تعبيد الطرقات، تحسين مستوى التأمينات الإجتماعية، تحسين المرافق الصحية، رفع الرواتب، صيانة شبكات الكهرباء....)، والأهم من ذلك أصرّ أردوغان على شن حملة ضارية وبلا هوادة على الفساد في المؤسسات الحكومية وقطع الطريق على الإحتكار ويوفر مبالغ كبيرة في الموازنة السنوية للدولة وبالتالي إستطاع إن يحوز على شعبية كبيرة.

4- الشباب: أيقن أردوغان وحزبه أن الشباب هم نبض الأمة ، حيث يبلغ عدد الشباب المنتسبين لحزب العدالة والتنمية (2 مليون شاب) من مجموع خمسة ملايين وهم قوام الحزب، أما الحكومة فقد حرصت على تخصيص النسبة الأكبر من المراكز المفصلية في مختلف إدارات الدولة لشريحة الشباب (18- 35 سنة).

5- القوانين: تعتبر القوانين مرآة المجتمع والأداة لتنظيم شتى مرافق الحياة، وعندما استلم الحزب دفة قيادة البلاد ورث تركة ثقيلة من التشريعات العلمانية الأتاتوركية الماسة بالإسلام والتي تشكل حجر عثرة أما تنفيذ برامج الحزب، وبالتالي عقد الحزب العزم على إجراء تعديلات تشريعية هادئة ومتأنية حيث عمد إلى تعديل قانون علماني مع حزمة من القوانين الإقتصادية دون إثارة جلبة أو معارضة من العلمانيين ودون إستفزاز المؤسسة العسكرية.
وبالتالي نجح في وقت وجيز بتعديل قانون البلديات وقانون القضاء العالي ليسمح بمقاضاة العسكريين وقانون تنظيم التجارة وإدخال تعديلات دستورية هامة حررت البلاد من الفساد والبيروقراطية.

6- المرونة: إتسم أداء حزب العدالة والتنمية بالبراغماتية والقدرة على التأقلم مع مختلف المتغيرات وإستيعاب الغير، حيث تجلى ذلك بوضوح عندما عجز الحزب في تعديل أو إلغاء القوانين التي تحظر الحجاب في الجامعات التركية فعمد إلى إستبعاد وإقالة رؤساء الجامعات والإيعاز للرؤساء الجدد بتهميش القانون الذي يحظر الحجاب وبالتالي القدرة الفائقة للحزب على الإلتفاف على التشريعات التي تمس الشريعة الإسلامية أو تتناقض مع برامج الحزب.

7- السياسية الخارجية:حققت السياسة الخارجية في عهد أردوغان نجاحات كبيرة من خلال تبني شعار (تصفير المشاكل) الذي رفعه زعيم الديبلوماسية التركية المتألق وزير الخارجية/ أحمد داوود أوغلو والذي يستهدف تصفية النزاعات المحلية والإقليمية والدولية وقد لاح ذلك من خلال الإنفتاح غير المسبوق على الأكراد في تركيا ومنحهم هامش كبير من الحرية والحقوق، وتصحيح العلاقات الإقليمية مع العديد من دول الجوار على مبدأ السيادة والتعامل بالمثل، وبات لتركيا دور إيجابي في الوساطة وفض النزاعات دون الإخلال بثوابت تركيا الأساسية، وقد إستطاع أوغلو أن يفي بكافة الشروط التي وضعها الإتحاد الأوروبي لإستيعاب تركيا في الإتحاد الأوروبي لكن مع تأكيد أردوغان وقيادة الحزب على أن إنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي لن يكون على حساب الثوابت والثقافة التركية في إشارة قوية إلى أن الكرامة التركية فوق كل الإمتيازات الإقتصادية أو المكاسب السياسية، ولعل الموقف الشهير في دافوس مع الرئيس الإسرائيلي بيريس يعد دلالة واضحة على أولوية الكرامة على المكاسب الأخرى.

أما بعد ...
يمكن أن نخلص مما تقدم ما يلي:
1- أن النجاح لا يأت وليد الصدفة ولكن لكل نتيجة مقدمات، والسبيل لذلك المنهج العلمي القائم على التخطيط.
2- لعل من أبرز ما لفت نظري في التجربة التركية (البراغماتية) أي القدرة على مواكبة الظروف والتأقلم معها وتجنب الاصطدام إنما العمل على تطيع الواقع بطريقة ذكية وبهدوء وتوأده وصولاً للهدف المنشود.
3- أردوغان لم يخجل من توجهاته الإسلامية ولم يسع لمداراة ذلك أو التنكر لمبادئه بل على العكس نجح في إبتكار معادلة جديدة تستطيع دمج الفكر الإسلامي الحديث والمستنير في بيئة متجذرة في الفكر العلماني.
4- ونحن على أعتاب تشكيل حكومة فلسطينية جديدة أتمنى على هذه الحكومة أن تنأى بنفسها عن التنظير السياسي وتتبنى برامج خدماتية واقعية من خلال التركيز على الحد من البطالة ورفع الرواتب وإصلاح المرافق الصحية ودعم التعليم وتعديل قوانين الخدمة المدنية والتأمين والمعاشات، أي الإنحياز للمواطن والإبتعاد عن التنظير والضجيج.

قد تكون هناك الكثير الاستنتاجات الأخرى والأسس التي أستطاع أردوغان أن يحقق من خلالها هذا الإنجاز الثوري ، ولكن كيف يمكن لنا من خلال ما تقدم أن نستوحي وأن نستلهم من التجربة الأردوغانية ما يتواءم مع واقعنا الفلسطيني ؟

أمجد نعيم يوسف الأغا
محاضر في الجامعة الإسلامية

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ أمجد نعيم يوسف حمدان الأغا

يمكنك تلقي أحدث الأخبار أول بأول بانضمامك لإحدى مجموعات الواتساب الخاصة بالعائلة من خلال الضغط هنـا

اظهر المزيد