النخلة  |  عائلة الأغا


الرئيسة / مقالات / الإعلام الالكتروني ومسرح الثورات- منار يوسف الأغا

الإعلام الالكتروني ومسرح الثورات- منار يوسف الأغا

الاعلام الالكتروني ومسرح الثورات

مع شيوع ظاهرة حالة ( أفاتار )’ وهي الشخصية الافتراضية غير الواقعية التي يختارها شخص لنفسه كهوية افتراضية بديلة لشخصيته الواقعية ’ وفي أغلب حالات تلك الهويات الافتراضية لوحظ أنها تحمل نوازع ثورية ما ’ سواء بالنقد العنيف للمجتمع والتقاليد الشائعة المتناقضة ’  أو بالنبرة الساخرة اللاذعة والقاسية أحيانا ’ والمتخلصة من أخلاقيات البرجوازية والطبقات الوسطى، أو بالتعبير المستمر عن الصادم وغير المألوف من الأفكار لكل ما هو مستقر وسائد في مجتمعاتنا العربية . واليوم بعد اندلاع الانتفاضات والثورات العربية يبدو أن هذه الظاهرة تحتاج إلى المزيد من التأمل في الكيفية التي انطلقت بها الروح الثورية في الفضاء الافتراضي قبل انتقالها إلى أرض الواقع .

الانترنت  للتعبير عن المسكوت عنه
أتاحت الانترنت مساحة واسعة للتعبير عن الذات’بكل ما يقتضيه ذلك من تناول لكل الأفكار المسكوت عنها التي  غالبا لا يمكن للفرد أن يعبر عنها في المجتمع عبر القنوات الرسمية المتاحة ’ خصوصا في حالة امتلاك الشخص لهوية افتراضية لا يعرفه بها أحد وتشجعه على أن يعبر عن كل ما يجب أن يقول بلا كوابح أو قيود .

لذا شاعت في مواقع المنتديات والمجموعات المغلقة على أعضاء محددين مناقشات صاخبة في السياسة وفي نقد السلطات القائمة ’ وانتقلت المناقشات إلى تابوهات عدة من مثل الجنس والدين ’ واتخذ الموضوع بعدا أكثر حرية ’ في المدونات حيث يصبح لكل من يمتلك مدونة خاصة أن يعبر عما يتراءى له بموضوعية أو بتطرف ’ بنبرة خافتة أو بصوت عال أو حتى بالصراخ . كما أصبحت هذه الأفكار موثقة ومنشورة وقابلة للقراءة لجمهور واسع من مستخدمي فضاء الإنترنت وقابلة للجدل والنقاش أو حتى النقد والسب أحيانا .

وهكذا أصبح من الممكن أن نجد على الشبكة مساحة  كبيرة من الآراء التي تعبر عن وتناقش موضوعات مثل المثلية الجنسية ’ والكتابات الإيروتيكية ’ أو الأفكار الفلسفية ’ أو الكتابات النسوية التي تقدم نقدا عنيفا وقاسيا للظواهر الاجتماعية الراسخة في المجتماعات الذكورية من مثل  اضطهاد المرأة أو الافتئات على حقوقها ’ أو إثارة النقاش حول نصوص ممنوعة في التراث العربي أو الغربي .

وصحيح أن الإنترنت مثل أي مسرح آخر للتعبير قد أظهر على الفور جانبا من سلبيات الثقافة السائدة في مجتمعات تربت على تراث من الواحدية وعدم قبول الاختلاف ’ حيث ظهرت ’ ولا تزال تعليقات من المترددين وقراء مثل هذه الموضوعات الإشكالية والجدلية ’ التي تشجب ما تختلف معه وتنتقده مرة بموضوعية ومرات بالصراخ والسباب والتشكيك في كاتب الموضوع ووصفه بأحط الأوصاف الأخلاقية .

الانترنت والواقع
من جهة ثانية ساهمت الانترنت في تأكيد فكرة الاختلاف ’ من حيث اجتذاب أصحاب الأفكار المختلفة نظراءهم حيث تبين لهم أنهم مجتمع كبير ’ لم يكن متاحا له أن يتعرف على مدى اتساع نطاقه ’ لولا هذه المساحة  الافتراضية ’ وهكذا فإن الكثير من المختلفين فكرا عن الشائع ’ وأيا كان ما يطرحونه بدأوا يتخذون سمة القوة في طرح ما يؤمنون به ’ والرد بعنف على المنتقدين ’ أو الدخول في سجالات صاخبة لو كانت الأطراف المنتقدة لديها خلفية فكرية واستعداد للجدل  والنقاش  وتقبل الآخر .

أيقونات ثورية
على مدى السنوات القليلة الماضية ’ وبعد دخول ال(فيس بوك ) ووسائط الاتصال الاجتماعي انتشرت أيقونات وصور شخصيات من رموز الحركات الثورية في العالم ’ يعبر بها الشخص عن هويته أو حتى يتم الكتابة عنها  والترويج لها ’ عن معرفة بهذا الشخص وتاريخه ’ وأحيانا بلا وعي حقيقي بالمعنى الكامن لهذه الأيقونة ’فقد شاعت مثلا أيقونة مطرب ( موسيقى الريجي ) الجامايكي الراحل الشهير (بوب مارلي ) ’حيث كانت موسيقى بوب مارلي صرعة مهمة في الستينيات والسبعينيات ’ وكانت أغنياته تجسد تعبيرا حقيقيا عن رفض السلطة والتمييز العنصري بين السود والبيض في العالم ورفض مظاهر العنف البدني الذي تقوم به قوات الأمن تجاه الأفراد في المجتمعات النامية والشمولية وحتى في المجتمع الأمريكي في نطاق التمييز العنصري .

كما سادت وانتشرت أيقونة الثائر الأيقونة (جيفارا) الذي كان رمزا من رموز الثورة الشيوعية في كوبا مع رفيقه كاسترو في الستينيات’والذي اعتبر ملهما للحركات الثورية اللاحقة في أرجاء واسعة من العالم في خلال فترة انتشار حركات التمرد الشبابية والثورية في الستينياتى في أوربا والعالم وبينه العالم العربي أيضا.

وكما كل الحركات الثورية في العالم فقد أسفرت الكثير من النقاشات والأفكار المتداولة على الإنترنت عن إظهار الطابع المثالي للأفكار الثورية من حيث تحيزها للحق والعدل وقيم المساواة ’ وما يقتضيه ذلك من وضوح كامل في الطرح ’ وعدم التردد في توجيه النقد العنيف للمظاهر السلبية التي تتنافى مع المنطق الإنساني ومع العدل والحق حتى لو كانت تلك المظاهر تتغطى بأي غطاء ديني أو غير ديني .

لكن الظاهرة التي كان يمكن تجليها هو رفض الغالبية من هؤلاء الشباب من المدونين ومستخدمي الشبكة في المنطقة العربية والعالم للأفكار السلطوية ’ والميل إلى نقد أي رمز سياسي أو ثقافي أو ديني ’ وعدم الميل لاحترام التراتب الطبقي او العمري او الكهنوتي المعروف في المجتمعات الأبوية السلطوية .

هكذا يبدو جليا تشكل مناخ عام لجيل يرفض ما يعيشه من حياة يفتقد فيها الكثير من حقوقه ’ لكنه وجد الفرصة ليعبر عن غضبه ورفضه لما يعيشه تحت  وطأة أنظمة فاسدة ’ وديكتاتورية ’ وأوضاع اقتصادية لا توفر الحقوق للفقراء ’ بل وتزيد باستمرار من حجم الفجوة بين الأغنياء والفقراء ’ لم يرفضها هي فقط بل يرفض الكثير من تواطؤ الأجيال الأسبق له مع تلك الأوضاع وقبولهم للقهر والتعايش معه وإنشاء أخرى مستقرة في مجالات قد تبدو بعيدة عن السياسة في حقول اجتماعية أخرى وفي مجالات أخرى ثقافية وفنية .

إلا أن أبرز ما يلفت الانتباه هنا هو اختلاف هذا الجيل عما سبقه من أجيال في تحليه باليقين في ضرورة التغيير ’ ولعل هذا يعودة في جانب من جوانبه إلى ما تمنحه الوسائط الافتراضية من ضغط للزمن .

ومن بين خصائص الفضاء الإلكتروني هو ضغطه للزمن ’ ليس فقط لخصائص سرعة استدعاء المعلومة ’ وتوفير مناخ للاتصال الاجتماعي متخطيا حدود الجغرافيا والزمن ’ بل وأيصا لقدرته على التحفيز .

وأظن أن هذه السمة التي اختصت بها  التقنيات الحديثة هذا الجيل وحركت حماسه للتغيير من حدود الأمنيات الطيبة والآمال المؤجلة إلى حيز آخر الرغبة الحقيقية والإرادة’ ولذلك ربما وجدت الدعوات الأولى للانتفاضة الشعبية في تونس صدى واسعا على كل من " فيس بوك "" وتويتر" وكذلك في مصر لاحقا وما تلاها من دول المنطقة التي شهدت انتفاضات وثورات مثل اليمن والبحرين وسورية وليبيا.

مع تحيات
منار الأغا                   

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك