في ذمة الله

كلمة رثاء ووفاء- كتب أ. حسام عثمان الأغا

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً، الحمدلله الذي قال في محكم التنزيل في فضل الصبر على المرض والمصائب: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [155] الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [156] أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [157]} [البقرة:155- 157]. وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا محمدبن عبدالله عليه أفضل الصلاة والتسليم القائل: "أكثروا من ذكر هادم اللذات"، الموت، إنه مفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات، ومؤيم الأزواج والزوجات، وقاطع الأعمال الصالحات، المجرع للحسرات، الناقل من البيوت والقصور إلى القبور الموحشات، المفجع للأهل والقرابات.

أحبتي في الله لست أدري كيف ومتى ومن أين سأبدأ.. لكنها سنة الحياة، فمن العجيب الغريب أن كثيراً من الناس لا يذكرون الموت ولا يحبون أن يذكَّروا به، ومنهم مَن يتشاءم بمجرد ذكره، كأنما كتب الموت على غيرهم، ونسوا أو تناسوا أن الأحياء جميعاً هم أبناء الموتى.. فالموت لا يميز بين صغير وكبير، ولا صحيح وسقيم، ولا غني وفقير، ولا أمير ووزير وغفير، ولا عالم ولا جاهل، ولا بر ولا فاجر: "إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون". ها نحن اليوم معكم وبكم نتوجه إلى المقبرة لنواري الثرى الأخ الحبيب الصابر الحامد الشاكر محمد مهدي (أبوعبدالله).. صبر على مرضه ولم يصبر على فراق أخيه وأخينا.. المرحوم بإذن الله تعالى عصام (أبومهدي)..

فأنتما مدرستان بكل ما للكلمة من معنى.. لم يختلف عليكما اثنان.. ابتسامة حنونة.. وجه مشرق وضاء.. ترحيب وترحاب الكرام.. لحق بأخيه مباشرة.. لم يستطع عصام رحمه الله في بداية مرض أخيه أن يمكث في المستشفى لاستقبال وتوديع الأهل والأحبة والأصدقاء الذين توافدوا للمستشفى لعيادة شقيقه محمد "رحمهما الله"..

حينها تساءلت أو أو استغربت أو عتبت ثم تحدثت مع أبي مهدي رحمه الله عن ذلك فقد كانت علاقاتنا مميزة علاقة حب وود بين الأسرة المهدية والأسرة العثمانية كما كان يحب تسميتها.. لكن الذي بينهما أكبر من فهمي وإدراكي وقتئذ.. الآن اتضحت الصورة.. وفسر ما عجزنا عن تفسيره وبان.. محمد رحمه الله كان كل مَن في الدنيا كوم وعصام يعدلها أو يزيد في الكفة الأخرى..

لم يطلق عليه أي لقب لا اسمه ولا كنيته بل "يا سيدي" والله كأني أسمعها الآن من القائل وأرى أثرها على المتلقي.. أخوة صادقة مميزة جمعت بينهما.. ولم يحرمهما الله من اللحاق ببعضهما بعضاً.. تعلق أخوي خالص لوجه الله تعالى.. أحبا الناس فألقى الله محبته عليهما فأحبهما كل الناس.. لا رياء ولا مداهنه.. لا غيبة ولا نميمة.. الغاية هي وجه الله الكريم..

أخوتي حال الناس عند المصائب أربعة أحوال: أولها السخط، وهو محرم. ثانيها الصبر وهو واجب. ثالثها الرضا وهو مستحب. ثم رابعها الشكر وهو أعلاها وأكملها.. فوالله مذ عرفناك أخي قبل مرضك وبعده لم تسخط بل كنت صابراً راضياً شاكراً.. مؤمناً بقضاء الله وقدره..

ضاحكاً مستبشراً بما أعد الله لك.. حدد الأطباء 6 أشهر لحياتك كحد أقصى.. وها أنت تقضي ما يقارب الخمس أو الست سنوات مسبحاً وحامداً ومكبراً ومحوقلاً.. فكله في ميزان حسناتك‪،‬ وزرع زرعته في قصورك في الجنة.. كان رحمه الله يخاف إبرة الإقامة كل ثلاث سنوات.. وإذا شاءت الأقدار وتمت بسلامة الله.. يبدأ بالعد التنازلي للإبرة القادمة بعد ثلاث سنوات.. كان حريصاً في أكله وشربه.. لكن إرادة الله قضت بأن يصاب بما أصيب به..

وأحب ما كره وبدل الإبرة إبر ومحاليل وأكسجين واستئصال وشق أو فتحة في البطن وكيماوي.. فوالله ما تذمر وما تعكر سمو ولا صفاء روحه.. أي سمات وأي صفات تحمل بين جنبيك يا رحمك الله.. محمد كان بين الخوف والرجاء يخاف عقاب الله، ويرجو رحمة ربه.. فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» قَالَ: وَالله يَا رَسُولَ الله إنِّي أَرْجُو اللهَ وَإِنِّي أَخَافُ ذنُوبي. فَقَالَ رَسُولُ الله عليه الصلاة والسلام: «لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْب عَبْدٍ فِي مِثلِ هَذا المَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ». أخرجه الترمذي وابن ماجه. فيا الله اعط محمداً ما أراد فإنه يخاف عقابك ويرجو رحمتك..

يجب على المسلم أن يتذكر الموت دائماً، لا على أن فيه فراق الأهل والأحباب ولذات الدنيا فحسب، فهذه نظرة قاصرة. بل يتذكر الموت على أن فيه فراق الأعمال الصالحة، والحرث للآخرة. وبهذا يُقبل على ربه، ويزيد في الأعمال الصالحة، ويسارع إليها. فكان رحمه الله كثير الخبايا لله عز وجل.. فقد جعل بينه وبين الله أسراراً من الصدقات ما لا يعلمها إلا الله عز وجل.. ولا يذكرها لأحد.. علمت ربما أحدها قدراً.. وأذكرها هنا لنجعل لنا من الأسرار والخبايا ما ينفعنا يوم لا ينفع مال ولا بنون.. فكلنا أمرنا بين الكاف والنون.. أخي محمد سنفتقدك أخاً وحبيباً وجاراً وصديقاً صدوقاً في كل مناسباتنا..

أسمى وأصدق التعازي نرفعها إلى الأخت الفاضلة رهام يونس طاهر حرم المرحوم التي كانت خير زوجة ورفيقة رحلة طويلة حبلى بالذكريات الأليمة.. فقد كانت كما كان.. كلها إيمان وعزيمة وتسليم كامل بقضاء الله وقدره.. لازمته في كل صغيرة وكبيرة فكانت نعم الزوجة ونعم الأم.. فقد كانت الزوجة وكانت الطبيبة وكانت الممرضة التي لا تكل ولا تمل ليل نهار.. تأخذ على عاتقها توفير ما يلزم لعلاج طال أمده.. رحم الله والدك وحفظ لك والدتك وأخوتك وأخواتك.. فكما كنت خير زوجة ستكونين خير أم لعبدالله وأحمد وخير أم وأخت لأسماء وشيماء الذين نقاسمهم ونشاركهم العزاء..

تعازينا خالصة للأخوة الأفاضل نظام وعزام وأسامة ومحمود ولعائلاتهم ولشقيقتي المرحوم أم حاتم وأم بلال.. أعانكم الله على ما ابتلاكم وخصكم به فالمصاب جلل والخطب عظيم.. عليكم بالصبر والدعاء لعصام ومحمد رحمات ربي تتنزل عليهما وعلى أموات المسلمين أجمعين..

عائلتي عائلة الأغا لم يكن شتاؤنا أقل سخونة من صيفنا.. فالحرب في الصيف أحرقت ودمرت وقتلت وهجرت.. وكنا غاية في الحزن والأسى على ما ألمّ بقطاعنا الحبيب.. ها نحن في الشتاء نعاني ألم الفراق على الأحبة الذين فجعنا بما ألم بهم وهم عدد غير بسيط فمن الأخ عصام إلى ابن العم فخري إلى الأخت نجوى الشوربجي إلى الحاجة زبيدة (أم عماد الخزندار) إلى محمد مهدي ثم الدكتورة رهاف رياض فهمي.. عظم الله أجركم جميعاً فيما أصابنا فلله ما أعطى ولله ما أخذ وإنا لله وإنا إليه راجعون.. لا تنسونا من صالح دعائكم.. وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين

وفاء للمرحوم فإن العنوان مقتبس مما كتب في حق والدي رحمة الله عليهما وعلى أموات المسلمين أجمعين تحت:-

كلمة وفاء ورثاء للعم "أبو هشام" رحمه الله- كتبها أ. محمد مهدي


محبكم/ أ. حسام الأغا

اضغط هنا للتعرف على المرحوم أ. محمد مهدي نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد