في ذمة الله

أَحسَن والدي سَريرَتهُ .. فأحسَن اللهُ خاتمته بقلم م. أمين سليمان

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي كتب العزة لمن أطاعه واتبع هداه،

وكتب الذلة والشقاء لمن أعرض عن سبيل الهدى واتبع هواه،

أحمده سبحانه وأشكره لما تفضل به علينا من النعم وأسداه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يخيب من رجاه ، ولا يسأم من ناجاه،

وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله اختاره ربه من بين البرية واصطفاه وطهره من الرجس والآثام ونقاه .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه.


أما بعد : فيقول ربنا جل في علاه مبشراً العباد المتقين {لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} .

 

إن من حُسن الخاتمة أن يموت الإنسان على عمل من أعمال الخير،يدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((..إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ قَالَ يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ))

جعلني الله وإياكم ووالدي الحبيب ممن أراد بهم الخير فأحسن خاتمتهم، أحبابي الكرام إن من كَتَب الله له السعادة وفاز بحسن الخاتمة كان من أول البشرى له في ساعة الاحتضار بشرى من الملائكة الكرام حيث أخبر عن ذلك قيوم السموات والأرض بقوله {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}

بشرى لما بعد الموت، وطمأنينة لما خَلَف من أهل وأولاد.

ولقد منّ اللهُ عليَّ بأن أكون بجوار والدي في آخر أيامه من هذه الدنيا الفانية ؛ بل وزاد كرم ربي أن أكون على رأسه وخدمته في آخر يومين إلى آخر نفس،

وفي ذلك كان الفضل والحكمة من الله بأن أرى علامات حُسن الخاتمة للغالي ليرتاح قلبي وقلب أحبابه ...

 

ولا يسعني الآن إلا أن أذكر تلك العلامات:

ملاحظة ... كل ما سأذكره هو مباشر وليس نقلاً عن أحد فقد كنت معه قبل وبعد وأثناء التغسيل وأثناء الدفن ..

 

1- أبدأُ تلك العلامات بآخر مرة اصطحبته فيها إلى صالون حلاقه.

حيث نظر لي وابتسم ثم قال لي ما رأيك لو تركت لحيتي مثلك،

فتبسمت وقلت له ليست عادتك فهل ستتركها فعلا ؟

فقال وما المانع ! فشجعته وقلت له إذاً احتسبها اقتداءاً بالسنة

فقال وهي كذلك إن شاء الله.

وبالفعل أطلق والدي لحيته لأول مرة وكانت آخر مرة يهذب فيها شعره

وقد أكرمه الله وقبض روحه بعد تطبيقه لسنة الحبيب.

2- عندما دخل والدي في غيبوبة كان يتكلم كثيراً وبصوت منخفض

فبقيت جالساً عند رأسه لأسمع ما يريد ؛ فرفع يده وبدأ يعُد لي :

عنب ، خوخ ، وسكت قليلاً ثم قال برقوق،  قلت له أتريدهم ؟؟ قال لا بل عندي ..

 

3- أذن فجر يوم وفاته وعندما فرغت من الصلاة..

قلت له وكنت معتقداً ألا يرُد لأنه في غيبوبة..

سأحضر لك صندوق التيمم لتصلي الفجر ما رأيك ؟

هز لي رأسه بلهفة بالقبول ..فتيمم تيمماً صحيحاً بصعوبة في رفع يده

ثم بدأ يصلي وما أن انتهى بدأ وبصوت لا يكاد يُسمع .. يذكر الله ويقول

" لا إله إلا الله .. استغفر الله .. يا رب ارحمني .. يا الله .. أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله "...

ثم مكث قليلاً ينظر للأعلى وكأن أحداً يكلمه ثم عاود ليكبر ويصلي فتركته حتى سلم وقلت له لقد صليت قبل قليل!!

فهز لي برأسه وكأنه يقول لي أعرف جيداً ، وعاود ليصلي حتى قضت ساعتين وهو كذلك

يكبر ويصلي ويسلم ويذكر الله .. ما أجمله من ختام يا والدي الغالي فقد استعملك الله ووفقك لعمل صالح يقبضك عليه.

 

4-وجه والدي مع المرض كان كاتما وبالأخص عند الجبهة والأنف ولكنه بعد صلاة الفجر بدأ يتفتح ويتدرج في التفتح حتى بات ملحوظاً عليه نور الوجه حينها أيقنت أن والدي في حضرة الملائكة الكرام بإذن الله .

 

5-ظل والدي بدون عمليات إخراج لمدة ثلاث أيام بسبب المرض وانقطاع الدواء المصري المساعد على ذلك وفي آخر دقائق لوالدي من حياته تم إدخال محلول يعمل على إفراغ ما في بطنه نهائيا وبجُرعة مضاعفة ..

الشاهد هنا أن والدي لم يخرج منه شيئا وعندما وصلنا البيت لنغسله بدأ المغسل يضغط على بطنه ليفرغها كما يفعلون

فلم يخرج شيئا على الإطلاق وكأن الله يريد أن يُكرم والدي الحبيب .

 

6-أما بخصوص النَّفَس الأخير عند طلوع الروح فوالله وكأنه نسمة حانية ..

فقد كنت ممسكاً برأسه متطلعا لنفسه حتى أني ما اقتنعت بأنها شهقة الموت فانتظرت التأكيد من الأطباء.

7-توفى والدي بعد صلاة الظهر في مستشفى الأوروبي فقلت للطبيب أرجو إنجاز الإجراءات بأقصى سرعة أريد أن أُكرِم والدي وتتم الدفنة صلاة العصر ..؛

فقال لي هو والأقارب من الصعب جداً أن تدرك العصر فالوقت للعصر كان قريبا ...

فقلت ما عليكم أنجزوا معاملاتكم واتركوا الأمر لله وسندرك العصر بإذنه تعالى

وبالفعل رغم كل المعوقات وسوء الأحوال الجوية أنهينا الإجراءات وخرجنا من المستشفى وذهبنا للمنزل وغسّلناه وذهبنا للمسجد فدخل جثمان والدي المسجد قبل أذان العصر ب10 دقائق

8-غير ذلك الكثير .... منها راحة وجهه وهو متوفى،  صبره الرائع الغير مسبوق على الألم في آخر ليلة، رائحة والدي كانت في آخر ليلة جميلة وكأنه مغتسل لصلاة الجمعة رغم تواجده في المستشفى لفترة 3 أيام .

والأهم من ذلك كله عدم ذكره لأي شئ يخص الدنيا الفانية .. لا مال ولا أرض ولا أكل بل كان همه فقط سداد الدين وله ذلك بإذن الله .

9- ومن الروائع أن الله عز وجل كتب لوالدي أجر الموت في أرض الرباط ولم يشأ له بدخول بلد يحكمها الآن أنجس خلقه رغم أن والدي وصل المعبر المصري وانتظر حتى المغرب وتم إرجاعه بحمد الله ومن ثم أصبح اسمه مدرجاً ضمن أول باص سيدخل مصر إن فُتِح هذا المنفذ وبحمد الله لم يتم فتحه ولم يتمكن من السفر بفضل الله ودعاءنا ودعاؤه بألا يُسافر فقد دعا والدي ثلاث مرات بألّا يفتح المعبر في ذاك الأسبوع وفي يوم الخميس خصوصاً.

ختاماً والخاتمة مسك بإذن الله ... روى البخاري (2829) ومسلم (1914) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرِق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله ).

وروى أحمد (23804) وأبو داود (3111) والنسائي(1846) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما تعدون الشهادة ؟ قالوا: القتل في سبيل الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد ، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد ، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة) والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ورد في الحديث أن المبطون شهيد ، ما معنى كلمة مبطون ، وهل يدخل في معناها من توفي من تليّف في الكبد ؟

فأجاب : "المبطون: من مات بداء البطن ، والظاهر أن من جنسه من مات بالزائدة لأنها من أدواء البطن التي تميت ، ولعل من ذلك أيضاً من مات بتليف الكبد لأنها داء في البطن مميت " من فتاوى الشيخ ابن عثيمين لمجلة الدعوة .

....

العلامات أكثر بكثير لا يسعني المقام لشرحها جميعا ًولكن ما سبق ذكره يكفي ...

رحم الله أوسط أبواب الجنَّة ، وأسأل الله أن نكون قد نلنا رضاه وأصبنا ذلك الباب ...

ابنك المخلص الداعي لك على الدوام وحتى آخر نفس ..

 أمين بن سُليمان الأغا

 


المرحوم بإذن الله وأبناؤه وأحفاده


في منزل المرحوم بإذن الله أ. كمال حسين الأغا رفح- سيناء





في الجامعة الإسلامية


في الجامعة الإسلامية


في أرضه بالإسماعيلية


في الجامعة الإسلامية


في بحر العريش


في مسجد النور


مع أبناؤه وأحفاده


مع إبنه م. أمين في العريش


في معبر رفح 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على المهندس الزراعي أمين سليمان رواي علي رواي الأغا

اظهر المزيد