مقالات

في محراب الوفاء ،، الدكتور خيري حافظ الأغا .. الجامع بين الفضيلتين- نبيل خالد الأغا- الدوحة


 



نبيل خالد الأغا ــ الدوحة

لقد تأجل موعد ولادة هذا المقال مرات عديدة، والظروف في أحايين كثيرة تتملكنا ولا نتملكها، ولكن المشيئة الإلهية تعلو فوق أي اعتبار زماني أو مكاني.
أخي وأستاذي وصديقي الدكتور خيري حافظ عثمان الأغا «أبو أسامة» يتبوأ مكانة سامقة وسامية في نفسي، لذلك كنت متهيبا في الكتابة عنه مخافة ألا أوفيه قدره فأغمطه، أو مخا فة أن تنطلق عاطفتي نحوه فلا أستطيع كبح جماحها وهذا ما لا يرضيه ولا يرضيني، فاستخرت الله تعالى وتوكلت عليه، وهآنذا أضع بضعة من مشاعرى  في الدواة التي أغمس فيها قلمي كما يقول الكاتب المعروف تولستوي.

فمن واجب «أبي الخير» (وهذه كنيته) ان أخصص له هذا المقال لأترجم فيه على الملأ نبضات قلب أحبه جارا وأستاذا وصديقا .. ثم أخا معوانا وقت الشدة، قبل أن يكون قريبا، فالقرابة تحتاج الى مودة ولا تحتاج المودة الى قرابة كما قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .. وفي كل خير.
وآمل أن يدرك كرام القراء أنني لا أكتب سيرته الذاتية، بل ــ كما أسلفت ــ مجرد ترجمة صادقة لنبضات قلب صادق في وداده لا يزيغ ولا يحيد اضافة الى معلومات رسخت فى الذاكرة واخرى اضيفت اليها حديثا .
حسب التقويم الميلادي فأستاذي يكبرني بعشر سنوات وحفنة من شهور، لكنه في المقام يكبرني  بكثير من السنين والشهور. تجاورنا في بداية عقد الخمسينيات من القرن الماضي في حي الأغوات خلف المسجد الكبير.

بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة أضحى معلما بمدرسة خان يونس الإعدادية الثانوية «عز الدين القسام حاليا»، فتتلمذت عليه مع العديد من الطلاب متوسطي الأعمار، وما برحت أتذكر مثالا أورده لنا ليغرس في أذهاننا حب الدراسة والتضحية في سبيل العلم كي يجد المرء لنفسه مكانا ظليلا يستظل به من لهيب الحياة وصهد العيش.
 والمثال الذي أورده أستمده من وحي بيئتنا قال: انظروا إلى بائع الترمس .. انه يحمل «لقّانه»: «إناء كبير من الفخار» المليئ بالترمس على رأسه أو على أحد جنبيه ثم يدور في الشوارع والحارات ليبيع ما شاء الله له أن يبيع مقابل حفنة متواضعة من القروش لا تعادل أبدا الجهد الجهيد الذي يبذله في تحصيلها. ثم يعود الى بيته آخر النهار منهكا من التعب ثم يعاود الكرة في اليوم التالي وهكذا دواليك! ولو كان متعلما لكانت حاله أفضل.

ومن حقل الترمس ينتقل أستاذنا الى حقول الدين والوطن والحياة ويزودنا بنصائحه ومعلوماته التي كان يبهرنا في طريقة عرضه الجذابة لتصل الى قلوبنا وعقولنا بيسر وسهولة، وما زال هذا ديدنه حتى اللحظة بعد أن ازداد علما وثقافة وموسوعية بما لا يقاس .
ربما كانت شخصية بائع الترمس كامنة في وعي استاذنا عندما كان غلاما فقد كان مقررا ان يكون راعيا للغنم مثل اترابه وزملائه ولا داعي للتعليم هكذا كان رأي اهله وهو امر طبيعي في ذلك الوقت.
الحق تبارك وتعالى اراد له ان يكون راعيا حقا ولكن للعلم وللفضائل والمكرمات.
شقيقته الكبرى الحاجة لبيبة «أم محمد» رحمها الله رأت بحدسها الفطري نجابة خيري الواضحة التى لا بد من استثمارها في العلم فقالت له وهو يومئذ في العاشرة من عمره والتعليم الرسمي في خان يونس ما انفك وليدا سمعت ان عبدالجواد السقا «احد الشخصيات المتعلمة في خان يونس» يسجل اسماء الطلاب الراغبين في التعليم فاذهب اليه وسجل اسمك لديه فذهب اليه سرا واعطاه المعلومات الاساسية وابلغه السقا ان يحضر للمقابلة الشخصية التي سيجريها معه احد المعلمين وحدد له موعدا معينا في بداية العام الدراسي 1941 - 1942م.

وعندما حان الموعد ذهب الغلام بمفرده دون علم احد من أهله باستثناء أخته «اللبيبة» ففوجئ بأن كل طالب قد ذهب للمقابلة الشخصية بصحبة احد من اقربائه بإستثنائه لكنه لم يعبأ بذلك جلس بين يدي احد المعلمين وطلب منه ان يقرأ من كتاب «القراءة الرشيدة» المقرر على السنة الأولى الابتدائية هذه العبارة «سماء يافا زرقاء» وطلب منه ان يقرأ عبارة اخرى واخرى فقرأ وقرأ فأبدى المعلم اعجابه به وقال:" من الممكن أن أدخلك في الصف الثاني الابتدائي لكن أنا في حاجة اليك لتكون «عريفا» للصف الاول وهذا ما تم فعلا.
وتتالى تفوقه الدراسي بالمدرسة معتمدا على قدراته الذاتية فحصل على شهادة الثانوية العامة وعمل مدرسا بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا » بداية الخمسينيات براتب قدره أربعة وعشرون جنيها مصريا، وبعدئذ انتقل الى ادارة المعارف الحكومية براتب ثمانية وعشرين جنيها!

من خانيونس إلى جدة.. رحلة مورقة بالخير
كان الاستاذ خيري يدرك ان مستقبله الواعد الذي يطمح إلى تحقيقه ليس مرهونا بهذه الوظيفة المتواضعة التي عادة لا تسمن ولكنها تغني من جوع، استقال من عمله وسافر الى المملكة العربية السعودية أرض الطهارة وموئل القداسة ومهوى الافئدة وفتح الله عليه فعمل واجتهد وثابر وتزوج وانجب  بنين وبنات وحصل على الجنسية السعودية وفي سن متأخرة حصل على الدكتوراه في إدارة الأعمال من اميركا.
وعندما هاتفته مهنئا بذلك الانجاز الباهر قال: أحمد الله الذي أكرمني بنيل هذه الدرجة حتى أثبت للجميع بأن أبواب النجاح لن تغلق أمام الطامحين مهما امتدت أعمارهم اذا توافرت الإرادة» وعمل الدكتور خيري في بعض الجامعات السعودية اضافة الى اشرافه العام ومتابعته لسير المؤسسات والشركات التي يمتلكها ويديرها ابناه الناجحان أسامة وأبي عبيدة اللذين شابها والدهما ونالا شهادتي الدكتوراه ويتمتعان بصفات كاريزمية فاعلة.

ومشهود للدكتور خيري مساهماته ونشاطاته المقدرة في المجالات «الخيرية» والوطنية والدعوية الإسلامية، فهو أحد مؤسسي الجامعة

الإسلامية بغزة (تأسست عام 1978)، ويشاركه في هذه المناقب ابن العم الدكتور المخضرم أمين سليم الأغا المقيم حاليا بجدة
 وبالمناسبة فقد عثرت على معلومة أوردتها الشبكة العنكبوتية على لسان المرحوم الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي القيادي في حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وأحد سكان مدينة خان يونس قال فيها متأسيا بالدكتور أمين: « كان والدي منذ نعومة أظفاري يلقبنى بالدكتور أمين حيث كان الأطباء في خان يونس يعدون على الأصابع، وكان الدكتور أمين الأغا أبرز وأشهر هؤلاء الأطباء وكان يطلق علي هذا اللقب تيمنا به، فوطنت نفسي على هذا اللقب وأصبحت أتعامل وكأنني طبيب وكأن الأمر حسم نهائيا».

 

 

وورد في موقع الجامعة الإسلامية بتاريخ 2/8/2006 أن الجامعة: «أبرقت على لسان كل من: معالي المهندس جمال ناجي الخضري -

وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ورئيس مجلس أمناء الجامعة الإسلامية بغزة، والدكتور كمالين كامل شعث رئيس الجامعة بخالص شكرها وعظيم امتنانها لهيئة المشرفين على الجامعة الإسلامية وعلى رأسهم الدكتور خيري حافظ الأغا - رئيس هيئة المشرفين - وأثنت على الجهود العظام التي تقوم بها الهيئة لخدمة الجامعة الإسلامية».

كما أوردت «شبكة فلسطين للحوار» في بتاريخ 11/2/2007 الخبر التالي من مدينة جدة:
أقيم حفل عشاء على شرف السيدين إسماعيل هنية وخالد مشعل في قاعة ألف ليلة وليلة، وقام بالإنابة عن الجالية الفلسطينية في السعودية الدكتور خيري الأغا بشكر الحكومة السعودية والفلسطينية، وطرح مشاكل الفلسطينيين».

وعرّفت «الشبكة» الدكتور خيري بأنه: «أحد مؤسسي الجامعة الإسلامية بغزة، ومدير هيئة الإغاثة الإسلامية، ورئيس هيئة المشرفين في الجامعة الإسلامية، وهو أحد أبرز رجال الأعمال في المملكة العربية السعودية».
وهناك جوانب أخرى من نشاطاته على مستويات مختلفة فهو عميد عائلتنا خارج فلسطين المحتلة، وكثيرا ما يتم التشاور معه والإستنارة برأية في أي موضوع يهم العائلة داخل فلسطين المحتلة وخارجها، وحسبي أن أشير إلى بعض ما أعرفه من نشاطاته الاجتماعية:
أ - تفقده لأبناء العائلة في بعض الدول العربية، والاطمئنان على أوضاعهم وتقديم المساعدة - ما أمكن - لمن يحتاجها منهم.
ب - قيامه بواجب العزاء بالحضور شخصيا كلما توافرت الظروف عند رحيل أحد أبناء العائلة، فعندما توفي أخي المرحوم أحمد خالد (أبو خالد) في العام 1989م حضر شخصيا إلى الدوحة.
وعندما لا تسمح ظروفه بذلك فسرعان ما يوفد أحد أبنائه إنابة عنه كما حدث حين وفاة عمنا الفاضل المرحوم كامل الشوربجي (أبو عدنان) عام 2004 حيث أوفد نجله أبي عبيدة إلى قطر ليقوم بالمهمة.

وربما يتجاوز الأمر إلى فتح بيته لتقبل العزاء في أحد المقربين كما حدث حين وفاة ابن العم المرحوم إبراهيم عبد (أبو العبد) في الرياض عام 2005.
وبهذه المناسبة فإنني أشيد بالتكافل الاجتماعي القائم بين أبناء العائلة سواء  داخل الوطن او خارجه فكثيرا ما يقام بيت العزاء في اكثر من مكان تقديرا للمتوفي وتضامنا اخلاقيا مع ذويه ولعل ابرز مثال للتدليل على هذه الحقيقة اقامة عشرة امكنة للعزاء في عدة مدن ابان رحيل حبيبنا المناضل المرحوم سفيان الأغا (مجيد) عام 2006.
ج- دأب العم ابو الخير منذ سنوات عديدة على قضاء فصل الصيف او جانب منه في الاستراحة التي يمتلكها على شاطئ الابيض المتوسط بمدينة العريش المصرية ويستقبل فيها الاقرباء والاصدقاء الذين يفدون لزيارته من مواقع مختلفة وبخاصة من خان يونس والقاهرة وتجرى خلال تلك الزيارات مناقشات ومحادثات في شتى المسارات.
د- سمعت كثيرا عن الزكوات والمعونات والصدقات التي يقدمها المحسن ابو اسامة لمستحقيها داخل فلسطين وخارجها.
هـ - سنة حميدة استنها العميد باستضافته سنويا في بيته العامر بجدة ابناء العائلة الوافدين الى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج واقامة مآدب الغذاء او العشاء تكريما لقدومهم.

مروءة نادرة
ذات صباح من صباحات عام 1950 دخلت امرأة عمي فزعة الى بيتنا وصاحت بصوت مرتفع طافح بالحزن والالم قائلة لأمي: لقد مات

 
 

عمك الحاج حافظ يا «حزينة» اي وتاالله بهذا اللفظ! ولم اتذكر ما حدث بعد ذلك وكانت المرة الاولى التي سمعت فيها باسم الحاج حافظ عثمان الاغا كنت يومها في الثامنة او التاسعة من عمري وبعدئذ تعاقبت مرات سماعي لصاحب هذا الاسم مقرونا بالفروسية والشهامة والكرم والمرءوة ليس من ابناء العائلة او ابناء خان يونس فحسب بل من شخصيات فلسطينية متعددة المدائن والاعمار والانتماءات وصرت اتباهى بانتمائي لهذه العائلة الى انجبت الحاج حافظ وامثاله من الشخصيات البارزة.
لعل هذه الديباجة مناسبة لألج من خلالها الى بوابة الفضائل الحميدة التي ورثها الدكتور خيري من ابيه الراحل اضافة الى بوابته الخاصة التي شيدها بنفسه بعيدا عن جلباب ابيه.
وسأتحدث عن موقف صنعه معي شخصيا وقدم لي معروفا لم ولن انساه ماحييت ولن ينساه ابنائي من بعدي.
لقد بقيت مدة ست سنوات صامتا لم اتحدث الا نادرا عن ماهية ذلك المعروف لقناعاتي بأن صاحبه يفضل عدم الخوض في ذلك الفضل لكن صبري نفد الآن ولابد من البوح به واستميح اخي ابي الخير عذرا لأنني سأطرح ذلك على قراء نخلتنا الباسقة دون استشارته.

 

اصالة المعدن
خلال شهر اغسطس من عا م 2003 هيأ لي الحق تبارك وتعالى فرصة لشراء سلعة ضرورية لنا بنحو نصف مليون ريال قطري ولما لم اكن امتلك الا نحو نصف المبلغ تقريبا فقد اضطررت للبحث عن ممولين كرماء يقرضونني النصف الآخر من الاقرباء والاصدقاء الذين اثق في قدراتهم المالية واثق في ثقتهم بي وبأمانتي وقدرتي على السداد اضافة الى توافر الرغبة القلبية في المساعدة وتجاوب البعض واعتذر البعض الآخر لسبب أو لاخر لكن في المحصلة النهائية نقص علي مبلغ معين وكدت استسلم لليأس فألغي الامر برمته ايثارا للسلامة وكادت فرصة الشراء تذروها الرياح لولا لطف الله وكرمه وعقدت اسرتنا المتواضعة جلسة «طارئة» لدراسة الوضع واتخاذ القرار المناسب وبعد المناقشات المستفيضة تم الاتفاق على الاتصال باستاذي وصديقي الدكتور خيري تليفونيا عساه يتكرم باقراضنا المبلغ المتبقي.
وبقلب وجيف وبيد مرتعشة طلبته على الهاتف وبعد تبادل التحيات والاشواق فهمت انه مقيم في استراحته بمدينة العريش عاصمة شمال سيناء سألته متى ترجع الى جدة؟ قال بعد ثلاثة اسابيع قلت له اذن سأطلبك حينما تعود الى جدة لكنه بفراسته وذكائه طلب ان اخبره بما اريد فأخبرته وانا اتصبب حياء وخجلا فقال ا بشر يا ابا خلدون وطلب مني ان اتصل بابنه السيد اسامة في جدة واعطيه رقم حسابي بالبنك وسيقوم الاب بدوره بتكليف ابنه بتحويل المبلغ فورا الى الدوحة!

فأثنيت عليه ودعوت له بالخيروالبركة ففاجأني بقوله انا لن انسى معروف ابيك الذي صنعه معي يا نبيل!
ومن شدة فرحي وخجلي لم اسأله عن ما هية ذلك المعروف الذي اداه الوالد المتوفي قبل اكثر من اربعين عاما! لكنني تساءلت بيني وبين نفسي: لابد ان يكون معروفا عظيما يوازي عظمة معروف ابي اسامة والا لما ذكره بعد مرور هذه العقود الاربعة!

ولم اتصل بالاخ اسامة على الفور بل تمهلت حتى تنتهي الاجراءات الرسمية لدى صاحب السلعة واثناء دوامي بصحيفة الوطن في احدى الامسيات رن جرس الهاتف وكم كانت دهشتي عميقة حين سمعت صوت ابي الخير يعاتبني لعدم اتصالي به ولا بابنه وقد عجبت للكيفية التي استدل بها على هاتف عملي لانني كنت حديث العمل في الجريدة وحديث الاقامة في سكن جديد وهاتف ارضي جديد ولم اكن قد تعاملت يومئذ مع الهاتف المحمول ولما سألته عن كيفية استدلاله على عنواني اخبرني بانه اتصل بثلاث جهات «اغوية» في الدوحة حتى استطاع الاتصال بي.

وطلب ان املي عليه  رقم حسابي بالمصرف فقلت له سأمليه عليك لاحقا لكن ارجوك ان تصغى لي ان كافة افراد الاسرة على دراية بالموضوع ثم انني على استعداد تام لتلبية كل الشروط والضمانات التي تريدها لتضمن حقك في السداد فأجابني بهدوء لي ثلاثة مطالب الاول لا اريد اية ضمانات وثانيا لا توجد مدة زمنية محددة للسداد اما الشرط الذي هز كياني فهو قوله اذا استطعت السداد كان بها واذا لم تستطع فأنا مسامحك يا نبيل!
لله درك يا ابا اسامة اية شهامة هاته التي اسمعها ويتردد صداها في اعمق اعماقي لقد اجتمعت جينات الحاج حافظ مع جينات الحاج خيري فتكونت هذه المعادلة الصعبة التي تكاد لا تصدق في هذا الزمن الموغل في ماديته وانانيته.

واختلطت في كياني مشاعر الفرح والذهول وصرت اغالب دموعي وتغالبني.
اعتذرت لزميلي في المكتب والذي سمع جانبا من المحادثة وقلت له: برغم دناءة الدنيا التي لا تساوي عند الحق تبارك وتعالى جناح بعوضة، الا انها مازالت بألف  وخير مادام فيها أمثال أبي الخير.

وبعد نحو ثلاثة أيام اتصل بي أحد موظفي المصرف، وأخبرني بوصول حوالة باسمي من جدة، استلمت المبلغ وقضى الأمر، بفضل الله تعالى واتصلت بأبي اسامة أطمئنة واشكر له صنيعة، فقلت له: والله ما وجدت بلاغة أعظم من بلاغة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «إذا قلت لأخيك جزاك الله خيرا فقد أوفيته» وهأنذا أقول لك من أعمق أعماق قلبي: جزاك الله خيرا أيها الحبيب.
وأقسمت له أنني سأدعو له ولأحبابه بالخير والبركة كلما دعوت لوالدي وأحبابي بالخير والبركة، فرد قائلا: وهذا ما أريده منك ومن كل أحبابي:
لكن، ما طبيعة المعروف الذي صنعه والدي رحمه الله مع الدكتور خيري، وظل حافظا له حتى الآن؟
هذا السؤال طرحته مباشرة على أبي أسامة عندما حضر لزيارتنا في الدوحة فأجاب بعد أن سرح بخياله وذكرياته بعيدا.

كنت قد وعدت والدتي رحمها الله بأنني سأتكفل بسداد مصاريف حجها لبيت الله الحرام عندما يتم تعييني مدرسا .. ولما أكرمني الله تعالى بالتعيين توجهت إلى والدك رحمه الله الذي كان يمتلك مكتبا للسياحة وشؤون الحج، وطلبت منه أن يقسط لي المبلغ المستحق عدة أقساط لأنني لا أمتلك المبلغ كاملا فعاملني بهشاشة وبشاشة وقال لي بصدر رحيب، ابشر يا استاذ خيري فوالدتك هي في مقام والدتنا ولا تثريب عليك وقد أوفى بوعده، وبدوري أوفيت بوعدي وبقيت حافظا له ذلك المعروف.
فقلت له: وإني وأسرتي كذلك لن ننسى لك معروفك ما حيينا. وندعو الله أن يقدرنا على سداد معروفك، كما نسأله الله تعالى أن يثيبك عنا خير الثواب، وأن يجلل حياتك بأبهي حلل السعادة وطول العمر وهدأة البال وحسن الخاتمة.


اضاءات

إضاءة أولى:
قال عروة بن الزبير رضي الله عنه: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم ان لها عنده أخوات، وإذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم ان لها عنده اخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها.

إضاءة ثانية:
جاء في الأثر: اطلبوا الحاجات بعزة نفس، فإن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم للخير، وحبب الخير إليهم، إنهم لامنون من عذاب الله يوم القيامة.

اضاءة ثالثة:
والدي الحبيب: سلام الله عليك في الصالحين، لقد بررت أصدقاءك خلال عمرك القصير (45 عاما)، وها نحن نجني بعض ثمار غراسك ممن هم أهل له، ولعل المؤهلين لفعل الخير يعملون كعملك المتواضع، ويعملون كعمل أبي الخير غير المتواضع، ولكل عمل قيمته في ميزان الله تعالى، وفي موازين الناس وذلك مصداقا لقول جدنا الحطيئة جرول بن أوس:
مَنْ يفعل الخير لا يعدم جوازيه      لا يذهب العرف بين الله والناس

أضاءة أخيرة:
أخي الدكتور خيري، أقول لك ما قاله شاعر في أحد الأجواد أمثالك:
يا سيدي والقولُ فيك رواية
كتبت عظيم فصولها الأفعال
إن كنت أخفيتَ المكارم زاهدا
فلها لسان فاضح ومقال
أبو خلدون - الدوحة - مايو 2009

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد