مقالات

التطور التاريخي لتسوية الأراضــي وتسجيلها في فلسطـين

إعـداد: أمجـد نعيم الأغا
مدير عام الإدارة القانونية– المجلس التشريعي
تمهيد:
تتسم التشريعات الناظمة للأراضي في فلسطين بالتشتت والتعقيد، بسبب تعاقب العديد من الإدارات منذ الخلافة العثمانية (1516- 1917) مرورا بالانتداب البريطاني (1918-1948) ثم الإدارة المصرية لقطاع غزة والضفة الغربية (1948-1967) والاحتلال الإسرائيلي(1967- 1994) والسلطة الفلسطينية (1994 إلى يومنا هذا)، ولعل من أبرز المحطات اللافتة في السياق التشريعي لتنظيم الأراضي ما يتعلق بمشاريع تسوية الأراضي وتسجيلها؛ حيث أُحيطت هذه المشاريع بجُملة من الحيثيات التاريخية المُلتبسة التي شكلت مثار جدل حول الأهداف الحقيقة لمشاريع التسوية لا سيما فترة الانتداب البريطاني؛ حيث عمد المستعمر البريطاني إلى تقنين تشريعات تُمهد لولوج المشروع الصهيوني وتمكينه، والتي ترّتب عن هذه التشريعات عدم تسجيل العديد من الأراضي بسبب الإجراءات المعقدة وفرض رسوم مرتفعة للتسجيل؛ علاوة على تقرير ضرائب باهظة على الفلاحين، حيث أفضت هذه التوجهات في مُجملها إلى بقاء العديد من الأراضي تحت حيازة السكان بشكل هادئ ومستقر ومتواتر لكن دون أن تكون مشمولة بالتسجيل بسبب يقينهم بأن الحيازة هي سند الملكية.
كما بقيت العديد من الأراضي غير مشمولة بالتسوية؛ إما لأن مشروع التسوية لم يأتِ عليها بسبب الاحتلال للأراضي الفلسطينية سنة 1948 أو لأن الانتداب كان يعمد بقصد إلى ترك أراضي بمواقع معينة بمنأى عن التسوية لغايات تسهيل وضع اليد عليها من المحتل الصهيوني.    
 وقد حاولت الإدارات المتعاقبة على فلسطين بذل جهود لإحياء مشاريع تسوية الأراضي تُتوج بتسجيلها في دائرة الطابو من خلال إعلانات أو مشاريع أو قرارات تُنشر في الجريدة الرسمية؛ خاصة فترة الإدارة المصرية لقطاع غزة؛ إلا أن هذه المشاريع لم تفلح بشكل كلي في حل معضلة الأراضي غير المسجلة.
وإزاء ما تقدم، فإنني سأجتهد في استعراض السياقات التاريخية التي واكبت مشاريع تسوية الأراضي والوقوف على غاياتها الحقيقة؛ وتسليط الضوء على الظروف والحيثيات التي حالت دون تسجيل العديد من الأراضي بأسماء واضعي اليد عليها إلى يومنا هذا؛ وكل ذلك استنادا إلى التشريعات ذات العلاقة والمراجع التاريخية العلمية والموثوقة؛ منها قانون تسوية حقوق الملكية لسنة 1928 وكتاب ملكية الأراضي في فلسطين (1918-1948) للدكتور محمد حزماوي لسنة 1993، كتاب أحكام الأراضي المتبعة في البلاد المنفصلة عن الدولة العثمانية للأستاذ دعيبس المر لسنة 1923، كتاب أحكام الأراضي والأموال غير المنقولة للدكتور شاكر ناصر حيدر لسنة 1947، كتاب شرح قوانين الأراضي (جزئين) للدكتور درويش الوحيدي، وكتاب الأراضي للقاضي سامي حنا سابا، علاوة على (أطلس فلسطين) للدكتور سلمان أبو ستة والعديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية.
مفهوم التسوية للأراضي وأهميتها: 
يُقصد بعبارة (تسوية الأراضي) عملية قانونية إجرائية فنية تقوم بها الدولة وتهدف لمسح الأراضي غير المسجلة لإدخالها إلى نظام التسجيل العقاري، والحصول على شهادة تسجيل فيها وإجراء مواءمة وملائمة بين وضاعة اليد والتسجيل.
ومهما تعددت التعريفات؛ فإن الهدف الحقيقي من عملية تسوية الأراضي هو تثبيت الملكية أو حق التصرف بها، ودرء كافة الخلافات التي قد تتعرض لها من خلال إصدار شهادة تسجيل بها، تُوضح كل ما يتعلق بها من المالك أو المتصرف، أو المساحة، وغير ذلك من البيانات.
وتتميز مشاريع تسوية الأراضي غير المسجلة التي تنهض بها الدولة عن التسويات الفردية (التسجيل المجدد) الذي يعتمد على مبادرة ونفقة المالك أو المتصرف؛ حيث يُقدم طلباً خاصاً لدائرة التسجيل لتسجيل الأرض، ولا يتطلب إنفاقاً من قبل الحكومة، ولا يحتاج إلى موارد بشرية كما في عملية التسوية الحكومية الشاملة.

أهمية تسوية الأراضي ومنافعها:
    تحقق تسوية الأراضي العديد من المنافع والإيجابيات على المستويات القضائية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، أما الأهمية القضائية لعملية التسوية فتتمثل بالآتي: 
1)الحد من نظر المحاكم للعديد من النزاعات، التي تتعلق أغلبها بالادعاء بحق ملكية والخلاف حولها، فصدور شهادة تسجيل للأرض من قِبل دائرة التسجيل يُصبح حُجة قطعية على الكافة، لا يقبل الطعن به إلا بالتزوير. 
2)إن تسجيل الأرض بعد تسويتها سيُقلل من فرص الاحتيال والنصب في تناقل ملكية الأموال غير المنقولة. 
3)على المستوى الهندسي والتطويري فإن لتسوية الأراضي دور مهم في تعيين موقع العقار رسمياً، وضبط حدوده، ومساحته ومشتملاته والإسراع في التنظيم الهيكلي والتخطيط الحضري للمكان.
وتتمثل الأهمية الاقتصادية لتسوية الأراضي: 
1.بأنها تجني للخزينة إيراداً جيداً، وذلك من خلال تحصيل بدل عمليات انتقال الملكية على الأراضي التي تمت تسويتها، والرسوم التي تستوفيها الحكومة عن مشروع التسوية.
2.ارتفاع أسعار الأراضي وإعادة الاعتبار لقيمتها الحقيقية. 
3.زيادة المشاريع الاستثمارية بإقامة البنايات والمنشآت وتشجيع المستثمرين على الاستثمار في الأراضي المسوية بشكل يبعث على الاطمئنان. 
4.زيادة الرهن ومن ثم زيادة نشاط البنوك وزيادة الائتمان العيني العقاري، فتسوية الأرض وتسجيلها تعطي الأرض الإمكانية القانونية لأن تصبح محلاً للرهن العقاري خاصة الرهن التأميني وهو ما يؤمن القرض من البنوك.
  وعلى المستوى الاجتماعي: تُسهم تسوية الأراضي في تقليص النزاعات بشأن العقار، لما توفره من وضوح وأمان من مستوى الملكية العقارية بين العائلات وخلق حالة من الحيازة الآمنة. 
أما من الناحية السياسية فتمثل أهمية وفائدة تسوية الأراضي بأنها محاولة جادة لعرقلة السيطرة والمصادرة للأراضي من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم يكون رادعاً للزحف الاستيطاني الذي ينتشر يوماً بعد يوماً، ومن خلال استغلال الشركات والجمعيات الإسرائيلية للتشريعات النافذة، وخاصة وضع اليد على الأراضي غير المسجلة وكذلك الأراضي المحلولة وكان لعدم تسجيل الأراضي الأثر السلبي على الوضع القانوني للأراضي الفلسطيني، فكثير من الأراضي الفلسطيني تمت السيطرة عليها عن طريق وضع اليد عليها من قبل المستوطنين، وما زال هذا الوضع مستمراً حتى الآن، كما أن عدم خضوع الأراضي لنظام التسجيل زاد من حدة استغلال لدى ضعفاء النفوس في تسريب الأراضي للاحتلال الإسرائيلي، عن طريق بيعها بوكالات دورية. 
نطاق تسويـــة الأراضي: 
تُقسم الأراضي التي يمكن تسويتها إلى ما يلي: 
1.الأراضي التي لم تشملها عملية التسوية؛ وهي الأراضي التي لم تدخل ضمن مشروع التسوية البريطاني لسنة 1928؛ أو لم تسرِ عليها أي من مشاريع التسوية من قِبل الإدارات التي تعاقبت على حكم قطاع غزة والضفة الغربية. 
2.الأراضي المُسجلة ضمن الأملاك الحكومية؛ إلا أن الحيازة ووضاعة اليد عليها للسكان منذ عقود طويلة تمتد لمرحلة الخلافة العثمانية والانتداب البريطاني بشكلٍ مستقر وهادئ وتوارثها السكان بينهم؛ مثال الأراضي المندوب والمحلول والحبال...  
3.الأبنية والأشجار، وما على الأرض من حقوق عينية أصلية كحقوق الانتفاع، والسكنى والمساطحة، أو تبعية الرهن.
إذن فنطاق تسوية الأراضي هو الأراضي غير المسجلة التي لم تجرِ فيها التسوية أو التي سُجلت بأنها أملاك حكومية لكن وضاعة اليد عليها طويلة ومستقرة وهادئة. 

أولاً: مشاريع تسوية الأراضي فترة الخلافة العثمانية (1516- 1917)
 لم تشهد فترة الخلافة العثمانية الاهتمام اللافت بمشاريع تسوية الأراضي، حيث كان السكان يتصرفون بالأراضي بناءً على حُجج صادرة عن المحاكم الشرعية (براءات الأوقاف)، وعلى الرغم من أن قانون الأراضي العثماني لسنة 1858م نص على وجوب حصول المتصرف بالأراضي الأميرية على سند الطابو المُوشح بالطغرة السلطانية؛ إلا أن قانون الأراضي لم يوضح الإجراءات السابقة لمنح المتصرف هذا السند.
 وبدأت جهود تسوية الأراضي في العهد العثماني مع الرغبة في توثيق الحيازة على الأراضي وتصنيف واضعي اليد ضمن حدود واضحة؛ وتمييز الأراضي المتروكة عن الأراضي الأميرية المُفوضة للغير للإنتفاع بها مقابل بدل الطابو والأراضي الأميرية الصرفة، وكان الهدف الرئيس من هذه التسوية حصر الأراضي بهدف تحصيل الضرائب عنها من المنتفعين بها وتحقيق إيرادات مُجزية للباب العالي تُساعده في تمويل حروب الدولة العثمانية.     حيث قامت الدولة العثمانية لإنفاذ هذه الغاية باستحداث (الدفتر الخاقاني) التابع لدائرة الطابو في مدينة القدس؛ وعُهد لهذه الدائرة بأعمال المسح للأراضي الفضاء غير المشغولة بالبناء سنة 1868م؛ وقد شُكلت لجان للمساحة لمرافقة مندوبي دوائر الطابو للشروع في تسوية الأراضي، ولُوحظ أن وسائل المسح كانت بدائية تعتمد على التخمين والمعاينة وشهادة أصحاب الأراضي وأهل القرية من الثقاة والمخاتير وشيوخ القبائل، حيث كان يقوم المساح  بإعتماد نقطة إرتكاز عشوائية للإنطلاق منها في عملية المسح ويتم وضع علامات بارزة لترسيم الحدود وفصل القطع عن بعضها وكان يتم الإعتماد على الأشجار الكبيرة والأنهار أو المجرى الوادي والجبال وغيرها من العلامات الطبيعية التي تتسم بالثبات، ويُصار إلى تسجيل هذه المساحة الممسوحة في سجلات للإعتراض من الغير؛ وتمييز الأراضي الأميرية المفوضة للغير عن الأراضي غير المفوضة والأراضي المحلولة و الأراضي المتروكة وأراضي الوقف؛ وبناء عليه يتم التسجيل للأرض بعد البت في الإعتراضات كآخر مرحلة ضمن دفاتر الطابو (دفتر اليوقلمة) مقابل رسوم تسجيل تُحصلها نظارة الدفتر الخاقاني؛ وتعتمد هذه التسجيلات بشكل نهائي في إسطنبول وتكون ممهورة بشعار الدولة العثمانية (الطغراي السلطاني) ويكون لها حجة رسمية وفقا للمادة (1737) من مجلة الأحكام العدلية. 
   وكان من أهم نتائج التسوية للأراضي في العهد العثماني إحكام السيطرة على الأراضي الأميرية وضبط عملية تحصيل الضرائب وجبايتها؛ وإعادة استغلال الأراضي الأميرية المعطلة بعرضها للعامة للمزاد العلني (مثال الأراضي المحلولة)، كما تُشير العديد من المراجع التاريخية إلى أن عملية التسوية في العهد العثماني إصطدمت بعزوف العديد من السكان عن التعاون مع مأموري التسوية، وعمد السكان إلى الإمتناع عن الإفصاح عن البيانات الحقيقة للأرض وذلك كان يُعزى لعدة أسباب:
1-الإدلاء بمعلومات غير حقيقية عن مساحة الأرض وحدودها لتجنب فرض ضرائب مرتفعة عليها.
2-غرق العديد من الفلاحين في الديون وعجزهم عن سداد رسوم التسجيل.
3-كانت تعتبر مساحة الأرض معيار لتجنيد السكان في الجيش العثماني وبالتالي أفصح السكان عن مساحات غير حقيقة للتهرب من الخدمة العسكرية.
4-لجأ العديد من الفلاحين إلى تسجيل أراضيهم باسم الوقف للتهرب من الضرائب، مما زاد عدد الأملاك الوقفية في فلسطين وهي زيادة وهمية على السجلات فقط.
5-قيام العديد من الفلاحين بتسجيل الأراضي بأسماء وجهاء ومتنفذين لدى الدولة العثمانية للتستر وراء أسمائهم والإستفادة من تخفيض للضرائب.
6-شيوع ظاهرة الرشاوي والمحسوبيات في تسوية الأراضي وتسجيلها خاصة مع الوجهاء وشيوخ العشائر المتعاونين مع الدولة العثمانية كإمتياز لهم؛ وهو ما أدى إلى تسجيل مساحات كبيرة بأسمائهم دون وجه حق. 

ثانياً: مشاريع تسوية الأراضي فترة الانتداب البريطاني (1918-1948). 
 كانت معظم أراضي فلسطين في أواخر العهد العثماني مملوكة عن طريق المشاع (غير مقسمة)، وقلّما كان هناك أملاك خاصة بأسماء أصحابها، وأخذ هذا النوع من الملكية يتقلص تدريجياً حتى بلغت نسبته عام 1923 حوالي 56% من مجموع أراضي فلسطين، وفي عام 1923 شكلت الحكومة لجنة للبحث في الأراضي المشاع، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن هناك رغبة لدى الفلاحين بالتمسك بهذا النمط من الملكية اذ يجدوا فيها تعبيرات عميقة عن أحاسيسهم ورغبتهم في العمل الجماعي المشترك، وحيث أن نظام المشاع كان يُشكّل عائقاً أمام اليهود في شراء الأراضي نظراً لعدم إفرازها وتسجليها بأسماء أصحابها من ناحية ومن ناحية أخرى في حالة رغبة اليهود في شراء الأراضي المشاع كانت عملية البيع تتطلب موافقة من جميع الأشخاص المشتركين في الأرض، وهذا ما كان يصعب تحقيقه بل يستحيل في بعض الأحيان؛ وحتى يتم افراز الأراضي المشاع وتقسيمها وتسجيلها بأسماء أصحابها.
1-قانون تسوية حقوق ملكية الأراضي رقم (9) لسنة 1928 والمصالح المتضاربة:
   أصدرت الحكومة البريطانية في 30 أيار 1928 قانون تسوية حقوق ملكية الأراضي، وبرّرت الحكومة إصدار هذا القانون بهدف تنظيم سجل مضبوط تُسجل فيه حقوق جميع ملاك الأراضي الزراعية ومراجعة قيود الأملاك والتثبت من حقوق الملاكين فيها وانتزاع ما لا تثبت ملكيته عليها، بالإضافة إلى تنظيم الضرائب من خلال انشاء سجلات لها وإيجاد أساس لفرضها على الأراضي، إلا أن الهدف الأساسي لهذه العملية كان تفتيت الأراضي المشاع للحد من هذا النمط من الملكية ومن ثمّ تسهيل انتقال الأراضي إلى اليهود وفصل الأراضي الخاصة عن أراضي الدولة (الأميرية)، الموات والمتروكة، كان لا بد من تسوية الأراضي لمعرفة موقعها بدقة، ومالكيها الحقيقيين وتسجيلهم بصفة رسمية في سجل الطابو، وكل قطعة أرض لا يوجد ادعاء ملكية لها تسجل على اسم الدولة، خاصة أن الانتداب البريطاني كان "الوريث" للخلافة العثمانية التي سادت على البلاد حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، لأجل ذلك أقرت السلطة الانتدابية أمر تسوية الأراضي وتسجيلها لعام 1928، بموجبه بدأ عملية مسح الأراضي وتسويتها من خلال طرح جداول ادعاءات وحقوق.
   وحسب قانون التسوية لسنة 1928 فإن الوحدة الثابتة للمساحة والتسجيل هي (القطعة) (بلوك) وتعنى جزءً من أراضي القرية يحتوي على قسيمة واحدة من الأراضي أو أكثر، والقسيمة هي وحدة متصلة من الأرض واقعة ضمن قطعة من الأرض يملكها شخص، أو مجموعة من الناس وتشتمل الأرض على كل حقوق ناجمة عن الأرض والأبنية والأشياء الثابتة في الأرض بصورة دائمة، وكل حصة في أرض غير مفرزة وكل حق في أرض يقتضي أو يجوز تسجيله حسب المادة 2 من قانون التسوية. 
   وكانت تتم عمليات التسوية للأراضي في مناطق معينة تُعرف (بمناطق التسوية) حيث كان يُعلن عنها المندوب السامي في أوقات معينة من خلال (أمر التسوية) الذي يُنشر في جريدة الوقائع الرسمية ويبين في هذا الأمر موقع وحدود تلك المنطقة التي يجري فيها التسوية وتسجيل الحقوق في الأراضي الواقعة فيها (مادة3 من قانون التسوية)
ثم يعين المندوب السامي مأمور تسوية ومساعد له للبدء في عمليات التسوية المعنية (مادة 4) فيتخذ مأمور التسوية الإجراءات لنشر اعلان تمهيدي حول الحقوق التي ينوي فحصها وتسويتها وتسجيلها في أية قرية تقع ضمن منطقة التسوية، وترسل نسخة من هذا الإعلان إلى محكمة الأراضي وأخرى إلى مدير الأراضي (مادة 5) وبعد ذلك لا تقبل دعوى أمام محكمة أراضي أو محكمة نظامية بشأن الحقوق في الأراضي الواقعة في أية قرية نشر فيها إعلان بالشروع في التسوية، ويُنظر في كل دعوى أقيمت قبل نشر الإعلان، ويُفصل فيها إن أمكن قبل الشروع بالتسوية في القرية أو يجوز سحبها بإذن المحكمة، ولكن لا يمنع ذلك محكمة الأراضي أو أية محكمة نظامية من إتمام رؤية دعوى لم يبت فيها في تاريخ نشر اعلان الشروع في التسوية (مادة6).
وطلب القانون من مأمور التسوية أن ينشر في القرية التي نشر فيها الإعلان التمهيدي اعلاناً يُعرف بإعلان التسوية، يبين فيه التفاصيل التي قد تلزم، كما عليه أثناء عمليات التسوية أن ينشر من حين إلى آخر اعلاناً يبين فيه سير التسوية والترتيب المنوي اتباعه لأجل إتمام التسوية (المادتان 7، 8) ونص القانون على تعيين المجلس الإسلامي الأعلى بناء على طلب من مندوب الأراضي قاضي محكمة شرعية أو شخصاً آخر توافق عليه الحكومية للقيام بمهام قاضي محكمة شرعية ابتدائية في منطقة التسوية وإصدار شهادات حصر الإرث للمسلمين للفصل في الخلافات المتعلقة بالإرث والأحوال الشخصية للمسلمين، كما تعين محكمة أية طائفة ذات اختصاص بمقتضى قانون الوراثة أحد أعضاء محكمة الطائفة الدينية لإصدار شهادات حصر الإرث والنظر في الأحوال الشخصية ضمن اختصاص تلك المحكمة، ويجوز لمأمور التسوية لدى النظر في أي ادعاء بوقفية أرض أن يدعو القاضي أو الشخص المعين للاستنارة برأيه بشأن أحكام قانون الوقف المتعلق بذلك الادعاء (مادة 11).
ونص القانون أيضاً على أن يُشكل في كل قرية (لجنة التسوية في القرية) ويختار حكام اللواء أعضاء هذه اللجنة من بين الأشخاص الذين يرشحهم سكان القرية المالكون المعروفون فيها (مادة13) وتمثل هذه اللجنة جميع الشؤون العامة في القرية، ويحق لها أن ترفع وتدافع باسمها، كما يكون من واجباتها المحافظة على حقوق الغائبين والقاصرين، أو فاقدي الأهلية القانونية (المادتان 14، 15).
  وكانت تُسجل الأراضي المتروكة المستعملة للغايات العمومية باسم الحكومة، أما الأراضي المتروكة المستعملة لمنفعة القرية العمومية فتُسوّى وتسجل باسم القرية؛ كما يُسجل أيضاً باسم الحكومة جميع الحقوق في الأراضي الواقعة في أية منطقة تسوية لم يثبت ادعاء أحد فيها، ولم تُسّجل بمقتضى التسوية (مادة29) وفيما يتعلق بعملية التسجيل، فبعد انتهاء مدة عرض جداول الحقوق والتحقيق في الادعاءات ينظم مأمور التسوية جدولاً بالحقوق مع خارجة القسائم الأرض في سجل الأراضي كل منها في صفحة خاصة من السجل (مادة36) وتحفظ السجلات والخرائط لدى مدير الأراضي ومدير المساحة ولا يجوز إخراج النسخ الأصلية منها من الدائرة بأي حال من الأحوال (مادة46).
2-سعي الانتداب البريطاني لتفتيت الملكيات الشائعة:
أجاز القانون لمأمور التسوية إفراز أية قسيمة في منطقة التسوية مملوكة بالاشتراك بعد تعيين حقوق المالكين، وذلك حسب قرار من المندوب السامي بحجة أن ذلك يعود للمصلحة العامة، كما يجوز له افراز حصة أي شخص مسجلة الأرض باسمه كمالك لحصته في أرض غير مفرزة من بقية الاض غير المفرزة، بناء على طلبه، وله الحق أيضاً في إفراز أراضي القرية المشاع بناء على طلب الذين يملكون مالا يقل عن ثلثي الحصص فيها المدرجة حصصهم على النحو المذكور (المواد 56 ، 57، 58). 
ويمكن إفراز الأراضي المشاع بإحدى طريقتين، الأولى من خلال الترخيص بين أصحاب الأرض وتنظيم صك بالإفراز الذي يجرونه، أما الطريقة الثانية فتتم بواسطة المحاكم بناء على طلب أحد الشركاء، وتعتبر هذه الطريقة أفضل من الطريقة الثانية ففيها تسهل المعاملة وتقل التكاليف، كما يجب على مأمور التكلفة قبل الموافقة على الافراز أن يعمل على اقناع الأهالي بعدم إفراز الحصص على وجه لا تكفل فيه المنفعة الاقتصادية، ولكن ذلك وفقاً لما ذكره سمبسون ليس من الأمور السهلة (فقد عالجها أحد المأمورين وعاني مشقة اقناع الفلاحين بأراضيهم قطعاً تكفل فيا لهم المنفعة الاقتصادية، وفي رأي هذا المأمور أن هذا الافراز استغرق من الوقت ثلاث أضعاف ما يلزم للإفراز العادي).
أما طريقة الافراز عن طريق المحاكم فإنها تتطلب تكاليف ونفقات كثيرة نظراً لأن اثبات الملكية من الأمور الأساسية لعملية الافراز وأغلب أصحاب الأراضي لم يسجلوا أراضيهم بأسمائهم، بل بقيت مسجلة باسم الوالد أو الجد أو شخص قريب ووفق المعلومات التي أوردتها لجنة المشاع إلى لجنة جونسون كروسبي فإن من يملك حصة في أرض مشاع يكلف عند الافراز بدفع الرسوم التالية: - 
1)رسم شهادة حصر ارث.
2)5% من قيمة أرضه في السوق إما عند تسجيلها أو فراغها للغير بالبيع.
3)رسوم المساحة البالغة بضعة جنيهات.
4)رسم تسجيل الافراز وقيمته نصف بالمائة من قيمة أرضه حسب قيود الويركو.
5)زيادة 100% في المستقبل على رسم الويركو الذي يدفعه.
وتتابع اللجنة قولها بأنه (ليس من المستغرب والحالة هذه لا يتقدم إفراز الأراضي في البلاد).
وأجاز قانون تسوية الأراضي استئناف القرار الذي يصدره مأمور التسوية بشأن أي حق في أرض باذن المأمور أو رئيس محكمة، إذا شعر صاحب القضية بأنه قد أصابه حيف بسبب قرار مأمور التسوية، وإذا رفض المأمور طلب الاستئناف فيجوز لمقدم الطلب إحالة طلبه إلى رئيس محكمة الأراضي مبيناً أسباب الاستئناف (مادة63)، ويكتسب الحق المسجل بعد التسوية صفة عدم الإلغاء مع بعض التحفظات، فإن تسجيل أية أرض في السجل الجديد يبكل أي حقوق أخرى تتعارض مع ذلك السجل (مادة43) وهذه القوة المعطاة للسجل الجديد تظهر في أحكام المادة 66 التي حددت مدى التصحيح الذي يمكن لمحكمة الأراضي أن تأمر بإدخاله في السجل الجديد كما يلي:-
(يجوز لمحكمة الأراضي بعد إتمام التسوية أن تأمر بتصحيح السجل إما بإلغاء التسجيل أو بأية طريقة أخرى تستصوبها مع مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتحديد مدة إقامة الدعاوى، إذا اقتنعت بأن تسجيل حق في باسم أي شخص قد وقع بطريق الاحتيال، أو بأن حقاً مسجلاً في السجلات الحالية قد حذف أو شطب خطأ من السجل ويشترط في ذلك أن لا تأمر المحكمة بتصحيح السجل إذا كانت تلك الأرض قد انتقلت بعد التسوية إلى شخص آخر بنية حسنة وبشرائها بقيمتها من مالكها المسجلة باسمه).
لم يهمل القانون حل مشكلة الشخص الذي أهمل إدراج حقوقه في قيود التسجيل عن طريق الاحتيال والتي لا يمكن تصحيحها إلا أن هذا الحل لم يكن فعالا ومرضياً لذلك الشخص وهذا ما نصت عليه المادة 67 فجاء فيها (إذا كان قد ادرج او استحصل على ادراج قيد في السجل بطريق الاحتيال ولم يكن في الإمكان صحيحة بمقتضى هذا القانون، فيجوز لمن أصابه حيف أن يطالب الشخص المسؤول عن ذلك الاحتيال بالتعويض ويُشترط في ذلك انه ليس في هذه المادة ما يلقي على الحكومة او أي موظف من موظفيها أية تبعة من جراء فعل أو شيء عمل أو أهمل القيام به بنية حسنة أثناء مباشرة السلطات المخولة بهذا القانون أو السلطات التي يفترض بأنها مخولة به). 
وفرض القانون عقوبات مختلفة تتراوح ما بين السجن ودفع الغرامة، بحق كل من يخالف أوامر وتعليمات وفرز التسوية أو لجنة التسوية في القرية، وكل من أزال أو شوه أية علامة من علامات التخطيط أو المساحة، وكل من تسبب في ادراج قيد أو تسجيل في جدول الادعاءات أو جدول الحقوق أو جدول الافراز سواء كان ذلك، أو باسم غيره ( المادة 74).
3-التشكيلة الملتبسة للفريق المكلف بتسوية الأراضي:
  قبل أن تبدأ الحكومة بأعمال التسوية شكلت فريقاً من الموظفين في دائرة التسوية، ويظهر من خلال هؤلاء الموظفين أن غالبيتهم يهود، وذلك حتى يتم تنفيذ أهداف اليهود في تسوية الأراضي ضمن المناطق المركزون شراء الأراضي فيها وأعضاء دائرة التسوية هم:
1)فرديك سلمون: رئيس الدائرة (يهودي)
2)مستر بنت: عضو (انجليزي)
3)إسحاق كمث: مأمور التسوية (يهودي)
4)جفري شلومان: مساعد مراقب (يهودي)
5)تريفوز ليز: مساعد مراقب (يهودي)
6)هارولد منر: عضو (انجليزي)
7)بيونري سيسل: عضو (يهودي)
8)فرونكن اسحق: عضو (يهودي)
9)روفين هاروني: كاتب (يهودي)
10)موشي كوهين: عضو (يهودي)
11)شكري صالح: كاتب (عربي) 
12)اسعد سالم: كاتب (عربي)
13)توفيق ناصر: مساح (عربي)
14)غالب النشاشيبي: مساعد مأمور التسوية (عربي)
15)أمين درويش: مساعد مأمور التسوية (عربي)
وبعد اصدار القانون بدأت اعمال التسوية وكانت أولى المناطق التي تم تسويتها هي قرى يازور وسلمة ورحوبوت وزرنوفا في قضائي يافا والرملة، وكانت عملية التسوية عندما تتم في القرية حيث يخيم موظفو التسوية فيها ثم يقوموا بمسح الأراضي، وذلك بتقييد أراضي الزيتون واعمدة التلغراف وبعد ذلك تفرز الأراضي لأجل تحديد الملكيات وتقديم الاعتراضات؛ واتخذت دائرة التسوية كافة الإجراءات والتدابير اللازمة للإسراع بمسح السهول الساحلية ثم السهول الداخلية.
 وركزت حكومة الانتداب في عمليات التسوية على المناطق التي يكتظ فيها اليهود ويزداد نشاطهم لشراء الأراضي فيها، وفي المناطق التي تكثير فيها الأراضي المشاع فقد انحصرت في الغالب في مناطق السهول الساحلية والخصبة والأراضي المروية أو القابلة للري وذلك بهدف تحقيق المصالح الصهيونية بمقياس واسع وانتزاع أكبر مساحة ممكن ضمن هذه المناطق من ملاكها العرب بحجة انها معطلة أو لا تدخل ضمن سندات الملاكين العرب وتسجيلها باسم أملاك الدولة ثم تسهيل انتقالها الي اليهود وقد اتضح فيما بعد ان هذه الأراضي تقع ضمن المناطق التي اقترحتها الحكومة البريطانية لإقامة الدولة اليهودية حسب اقتراح اللجنة الملكية عام 1937 او حسب قرار التقسيم 1947.
 ويُظهر التقرير السنوي لحكومة الانتداب لعام 1934 كيف أعطت الحكومة الأولوية للتسوية في المناطق الساحلية، بينما يلاحظ قلتها في المناطق الجبلية والتي تقل فيها ملكية المشاع وبين الجدول التالي مراحل التسوية في 161 قرية في مختلف الاقضية اخضعت لعمليات التسوية. 
4-ارتفاع رسوم تسوية الأراضي:
 كانت تكاليف رسوم تسجيل الأراضي العالية من العوامل التي افقدت الأهمية لعملية التسوية وعلى ما يبدو أن الحكومة كانت معنية في رفع هذه الرسوم، حتى لا يقدم الفلاحون على تسجيل أراضيهم فتحسب تلك الأرض من فئة الأراضي المتروكة التي لا أصحاب لها فيكون ذلك مبررا للحكومة للسيطرة على هذه الأراضي باعتبارها أراضي دولة.
 وانتقد سمبسون (الخبير المكلف من الحكومة البريطانية بإعداد تقرير عن السكان والعمران في فلسطين) ارتفاع تكاليف تسجيل الأراضي، وطالب بضرورة تعديلها، فإذا لم تعدل الرسوم الحالية المفروضة على تسجيل الأرضي عند فراغها وانتقالها، تصبح الفائدة المتوخاة من اجراء التسوية مؤقتة وذلك لأن نفقات التسجيل الطائلة قد كانت من اهم الأسباب التي حالت فيما مضى دون تسجيل الأرض عن فراغها او انتقالها. 
 وقد بلغت مساحة الأراضي التي تمت تسويتها خلال الفترة ما بين 1928 و15 أيار 1948 خمسة ملايين دونم من مجموع ثلاثة عشر مليون دونم وهي مساحة فلسطين باستثناء بئر السبع التي كان منها 4.5 مليون دونم في منطقة الجليل وهي المنطقة التي ركز عليها اليهود واهتموا بشراء الأراضي فيها.
5-الآثار المترتبة على إجراءات تسوية حقوق ملكية الأراضي:
 كان من النتائج المباشرة لتسوية الأراضي المشاع من 56% عام 1923 إلى 46% عام 1929 ثم الى 40% عام 1940 وبالإضافة إلى ذلك ساهمت التسوية في تسهيل وازدياد انتقال الأراضي إلى اليهود وكان الشخص عندم يتملك قطع معينة من الأراضي، يأخذ بالتفكير ببيع جزء منها لتطوير الجزء الباقي كأن ينتقل من زراعة الترمس أو القمح إلى زراعة الفواكه والحمضيات وأجمل شالوم رايخمان أهمية تسوية الأراضي بالنسبة للاستيطان بقوله: (ان تعيين حدود قطع الأراضي وملكيته والحقوق المرتبطة بها بشكل قانوني سهل إلى حد كبير نقل هذه الحقوق من يد الى اخر). 
    صفوة القول مما تقدم بيانه، إن مخطط تسوية الأراضي الذي نفذه الانتداب البريطاني من خلال قانون التسوية لسنة 1928 كان ظاهره الخير وباطنه الشر، حيث حاول إقناع السكان بأن تسوية الأراضي الواقعة تحت أيديهم تهدف إلى تسجيل الحقوق بأسماء واضعي اليد وتحقيق الاستقرار القانوني، بينما الغاية الحقيقية كانت ترمي بالأساس إلى تمرير المشروع الصهيوني الاستيطاني وفقاً لوعد بلفور من خلال تعقيد إجراءات التسجيل وبالتالي الحد تسجيل الأراضي بأسماء واضعي اليد وبالتالي يتم تصنيفها متروكة باسم الدولة، وتجلى المخطط الانتدابي في العمل على تفتيت الملكيات الشائعة للاستفراد بكل مالك على حدة وكذلك فرض رسوم مرتفعة على الفلاحين لإجبارهم على الاقتراض ورهن أراضيهم للبنوك وللأثرياء ثم الاضطرار لبيعها لهم.
   لذلك فإن عزوف الشريحة الأكبر من الفلاحين عن التعاطي مع المخطط الانتدابي لم يكن وليد الصدفة إنما جاء من منطلق وطني ووعي بالغايات الحقيقية لتمكين اليهود من أراضيهم، يضاف إلى ذلك حالة الفقر والعوز وعدم القدرة على دفع رسوم التسجيل المرتفعة ناهيك عن شيوع حالة من استقرار الحيازة وبالتالي عدم الاكتراث للتسجيل للأرض لاقتناعهم بأن الحيازة هي سند الملكية. 
   كما أن نظام المشاع شكل عائقاً أمام بيع الأراضي المشاع للأجانب وخاصة للحركة الصهيونية. لذا ليس من قبيل الصدفة أن عملية تسوية الأراضي وتسجيل الملكية وإلغاء نظام المشاع ركزت في المناطق السهلية في فلسطين ولاحقاً شكلت الأساس لتقسيم فلسطين بعد إقرار وعد بلفور وإنجازه خلال فترة الانتداب، خاصة من خلال تسوية الأراضي وتسجيل الملكية وتمكين الأجانب من تملك الأراضي.
   وللأسف فإن هناك من لا يزال يُصر على أن ملكية الأرض (في العصور القديمة) تتحدد فقط بثبوت التسجيل (سند الملكية الطابو) إلا أن هذه النظرة المحدودة لوحدها لا تكفي لفهم إسقاطات وتبعات كيفية انتقال الأرض من اليد العربية الفلسطينية إلى اليد الصهيونية، وبالتالي لا مناص من إلقاء نظرة شاملة واستحضار السياقات التاريخية التي تؤكد بأن مقاطعة مشروع التسوية كان يشكل في فترة من الزمان فرض عين وواجب وطني للحؤول دون نزع وانتقال ملكية وحيازة الأرض من السكان والسيطرة عليها لصالح المشروع الصهيوني.
ثانياً: مشاريع تسوية الأراضي فترة الإدارة المصرية لقطاع غزة(1948-1967)
 تميزت فترة الإدارة المصرية لقطاع غزة بالحفاظ على الأراضي وتشجيع السكان على الإنتفاع بها وتطويرها، ولم يكن للإدارة المصرية أطماع أو مآرب مشبوهة لتفتيت الملكيات الشائعة أو تمهيد الطريق للإحتلال الإسرائيلي على عكس ما قام به الانتداب البريطاني، كما حافظت الإدارة المصرية على الموروث التشريعي منذ الخلافة العثمانية والانتداب البريطاني؛ ولم تطبق على أراضي قطاع غزة التشريعات المصرية، لكنها تدخلت لسن تشريعات محدودة مثال قانون 5 لسنة 1960 للحفاظ على الأراضي الحكومية وتحصينها من سريان التقادم عليها علاوة على قانون يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية في المواريث على الأراضي الأميرية.
    أما بالنسبة لمشاريع تسوية الأراضي في عهد الإدارة المصرية فإننا نلاحظ من تتبع الإعلانات والقرارات المنشورة في الوقائع الرسمية حرص الإدارة المصرية على تحقيق ثلاث غايات أساسية: الأولى شغل الأراضي الحكومية بالتصرف والانتفاع وعدم ترك مساحات كبيرة دون تصرف لقطع الطريق على المشاريع الصهيونية بالاستيلاء على هذه الأراضي عندما تجدها فارغة وغير مشغولة وتصنفها ضمن الأراضي الحكومية، ولعل هذا ما يفسر توزيع الإدارة المصرية الأراضي على موظفين حكوميين بقطع صغيرة في مناطق منوعة.
أما الغاية الثانية في إطار حفاظ الإدارة المصرية على الأراضي الحكومية في قطاع غزة أنها توسعت في إقامة المشاريع الإسكانية مثال مشروع عامر ومشروع ناصر في 30/1/1964 وذلك على مساحات واسعة لاستغلال هذه الأراضي والحيلولة دون ترك مساحات تثير طمع المعتدين.
    أما الغاية الثالثة فقد تمثلت في إصدار إعلانات عن الحاكم الإداري لقطاع غزة لتوفيق أوضاع واضعي اليد على أراضي غير مسجلة تتوفر فيها شروط الحيازة الطويلة، حيث صدر الأمر (575) عن الحاكم الإداري لقطاع غزة بتاريخ 1/1/1958 والمنشور في الوقائع العدد (87) المتعلق بإعادة تسجيل سجلات الأراضي والخرائط المساحية المفقودة وتسوية حقوق ملكية الأراضي.
 ويهدف الأمر (575) إلى إعادة تسجيل الأراضي خلال عدوان 1956 والتي فقدت سجلاتها وإجراء مطابقة بين الواقع المتمثل بالحيازة وتوثيقه ضمن سجلات رسمية من خلال عملية إجرائية تشبه إلى حد كبير إجراءات التسوية البريطانية وفقا لقانون التسوية لسنة 1928 بتقديم المستندات والتدقيق وفتح باب الادعاءات والاعتراضات والنشر في الوقائع وإحالة المنازعات بين واضعي اليد إلى محكمة الأراضي للفصل بها.
ومنحت المادة (13) من الأمر (575) الصلاحية ببدء أعمال التسوية للأراضي التي لم تشملها التسوية بمجرد الانتهاء من إعداد سجلات الأراضي المفقودة، أي استكمال ما بدأه الانتداب من أعمال تسوية، وقد رتبت المادة (23) من الأمر المذكور حجية للقيد الجديد يوازي التسجيل المجدد.
   وبتاريخ 8/12/1960 أصدر الحاكم الإداري المصري القرار (27) لسنة 1960 بشأن تمليك أراضي رفح، حيث استهلت ديباجة القرار بالعبارة التالية (بناءً على موافقة المجلس التنفيذي بتمليك أراضي رفح الحكومية لأبناء الشعب المنتفعين بها الذين بذلوا جهدا في تعميرها واستصلاحها)، وتضّمن القرار تشكيل لجنة تمليك لأراضي رفح تختص بفحص طلبات (واضعي اليد) من خلال جداول التسوية التي بيّنت حقوق أصحاب الحقوق واضعي اليد تمهيدا لتمليك الأراضي لهم من خلال إبرام عقود بيع بنظام الأقساط الطويلة الأمد.
   وبتاريخ 21/2/1965 أصدر الحكام الإداري المصري إعلان بإجراء مسح شامل للأراضي العشائر التي لم تجرِ عليها أعمال التسوية في قطاع غزة ويطلب الإعلان التعاون مع المساحين لتثبيت علامات حديدية على حدود أراضيهم تمهيدا لتسجيلها وأي معارضة لهذه الجهود سيترتب عنها مسؤولية جزائية وعقوبات. 
   وبتاريخ 7/4/1966 أصدر الحكام العام المصري القرار رقم (4) لسنة 1966 بشأن حصر وتقدير قيمة الأراضي الحكومية برفح تهدف لإجراء مسحا كاملا للأراضي التي يضع السكان أيديهم عليها منذ زمن وتثمين سعرها بذلك التاريخ، وبناءً على ذلك المسح صدر قرار الحكام العام المصري رقم (5) لسنة 1966 بتشكيل لجنة لتمليك أراضي رفح الحكومية، حيث تم ابرام عقد بيع لأراضي حكومية بين الحاكم الإداري العام مع المنتفع على دفع ثمن هذه الأراضي بالأقساط وذلك بدءً من فبراير 1952م وفق القرعات التالية:
 

كما نشرت الإدارة المصرية إعلانا في الوقائع الفلسطينية بتاريخ 18/4/1958 بالإعلان عن بيع أراضي حكومية زراعية للعامة بواقع (53) قسيمة في منطقة النزلة وبيت لاهيا وذلك مقابل سداد ثمن هذه الأراضي وفق الآلية المعلن عنها آنذاك، ونستعرض بيان بهذه الأراضي:


  ثالثاً: مشاريع تسوية الأراضي فترة الاحتلال لقطاع غزة (1967-1994):
   لم يأبه الاحتلال الإسرائيلي بإجراء عمليات تسوية تنتهي بتسجيل الأراضي بأسماء واضعي اليد عليها لأنه ببساطة مشروع استيطاني ويرمي لبقاء الأراضي باسم الحكومة للسيطرة على أكبر مساحة وعدم الاكتراث بإرساء حالة من الاستقرار القانوني لواضعي اليد على هذه الأراضي.
   وكان من أول القرارات التي اتخذها المحتل الإسرائيلي يتمثل في تجميد عمليات تسجيل الأراضي أمام الجمهور ولقد استغل المحتل وجود مساحات واسعة من الأراضي غير مشمولة بالتسجيل لمصادرتها وتصنيفها ضمن الأراضي الحكومية بحجة الدواعي الأمنية. 
  وظلت التشريعات الصادرة في عهد الدولة العثمانية والتشريعات المصرية نافذة خلال فترة الاحتلال ما لم تتعارض مع مصالحه استناد إلى الأمر العسكري رقم 2 لسنة 1967 الذي نص على إلغاء أية قوانين سارية المفعول في المناطق المحتلة في حال تعارضها مع الأوامر الصادرة عن إدارة الاحتلال.
واستمرت سياسة الاحتلال في نهب الأراضي، ففي عام 1968 جمدت إسرائيل عمليات تسجيل الأراضي للفلسطينيين وأصدرت أوامر عسكرية فرضتها على المواطنين الفلسطينيين ما أدى بين الأعوام 1979-2002 إلى الإعلان عن أكثر من تسعمئة ألف دونم جديد (16%) من الأراضي كأراضي دولة.
   وقد صنفت وزارة الدفاع الصهيونية الأراضي في تقريرها المقدم إلى الكنيست في بداية احتلال قطاع غزة كالتالي:
ا

 وبالتالي أعتبر الاحتلال أن مساحة 141.800 ألف دونم هي فئة غير تابعة لأي ملكية خاصة، وبالتالي هي المساحة التي استهدفت بالاستيلاء وبناء المستوطنات.
 وقد عمدت سلطات الاحتلال إلى إصدار العديد من القرارات والأوامر العسكرية التي تشرعن تصرفاتها الاستيطانية، مثال أمر بتحويل أرض من نوع "المتروكة" إلى نوع "الميري" لسنة 1979، كما قامت سلطات الاحتلال بإحياء قانون أملاك الغائبين لسنة 1950 حيث قام المحتل بالتوسع في تفسير مفهوم (الغائبين) بحيث يشمل كل من خارج فلسطين أو خارج منطقة أملاكه بعد تاريخ 29/11/1947.
  وبتاريخ 8/9/1974 أصدر جيش الدفاع الصهيوني الأمر 494 بشأن منح الحقوق العقارية وتسجيلها يتعلق بحقوق مكتسبي حق الإجارة الطويلة للعقارات لمدة 99 سنة فأكثر وذلك في المناطق التي يشملها قانون التسوية البريطاني لسنة 1928.
   وبالتالي فإن السِمة البارزة في سياسة المحتل تجاه الأراضي تجلت في المصادرة وتمكين الإستيطان وتعطيل التسجيل للملكيات الخاصة لتقليص مساحاتها؛ وتصنيف أي أراضي غير مسجلة ضمن الأراضي الحكومية أو أملاك الغائبين والعمل على وضع اليد عليها.
رابعاً: مشاريع تسوية الأراضي فترة السلطة الفلسطينية (1994-2020):
لمرحلة الأولى: السلطة الفلسطينية من سنة 1994- 2006:  
لم تشرع السلطة الفلسطينية في إجراء أعمال تسوية للأراضي إلا سنة 2006 من خلال مشروع تجريبي ممول من الحكومة الفنلندية وهي تعتبر التسوية الأولى في التاريخ الفلسطيني بطواقم فلسطينية وبدأت في المحافظات الشمالية في قراوة بني زيد وبتونيا وبير نبالا ثم انتقلت التسوية لمحافظة بيت لحم ودورا بالخليل.
   من جهة أخرى قامت سلطة الأراضي في قطاع غزة بإجراء (تسويات فردية) على أراضي مصنفة مندوب مع عائلات في مدينة رفح وتفاوتت نسب التسوية المتوافق عليها بين هذه العائلات وسلطة الأراضي بين 25% ، 50% تمنح للحائز وتسجل باسمه في سجلات الطابو وتسترد سلطة الأراضي باقي المساحة.
  ويبدو أن السلطة خلال الفترة من 1994 حتى 2005 ركزت على بناء المؤسسات لا سيما أن أغلب الأراضي الحكومية والتي كان يضع السكان يدهم عليها مركزة في المناطق المحتلة؛ والتي انسحب منها الاحتلال سنة 2005 وهي فترة حفلت بالعديد من الأحداث السياسية تمثلت في الإنتخابات الرئاسية ثم انتخابات المجلس التشريعي الثاني سنة 2006 وبالتالي لم يكن من ضمن أولويات السلطة إجراء تسوية في هذه الأراضي والإصطدام مع السكان؛ ناهيك عن أن مشاريع التسوية تتطلب رصد الموارد البشرية واللوجستية والموازنات المالية.
  صفوة القول؛ اقتصرت التسوية في الأراضي في عهد السلطة الفلسطينية على التسويات الفردية الإختيارية المتمثلة في (التسجيل المجدد) للأراضي غير المشمولة بالتسوية، فضلا عن التسويات الفردية التي قامت بها سلطة الأراضي مع عائلات في رفح مثل: برهوم، زعرب، أبو زهري وهي أقرب للتوافقات ونظام الصفقات. 
المرحلة الثانية: مرحلة السلطة الفلسطينية (2006 حتى 2020):
بتاريخ 3/9/2013م صدر قرار مجلس الوزراء الفلسطيني في قطاع غزة رقم (195) لسنة 2013م بشأن آليات التعامل مع الأراضي المندوب ونُشر في الجريدة الرسمية العدد (89) صفحة (215)، وقد شكّل القرار منعطفاً هاماً في مشاريع التسوية للأراضي لأنه يكاد يكون أول قرار رسمي حكومي موجه للعامة صادر عن  جهة فلسطينية ويفتح الباب لتسوية أراضي طالما تمسكت سلطة الأراضي أنها أراضي حكومية، وبالتالي فإن قبول التسوية على هذه الأراضي بمثابة إقرار بوضاعة اليد للسكان؛ وتسليم بالأمر الواقع؛ ورغبة من الجهات الرسمية في معالجة هذا الملف الشائك؛ وتحقيق الاستقرار القانوني والإقتصادي والإجتماعي؛ والحد من حالة الإشتباك الدائم بين السكان وسلطة الأراضي.   
 حيث نص قرار مجلس الوزراء لتسوية الأراضي المندوب على الآتي:
1-تطبيق التسوية المقررة على (الأراضي المحلول) بموجب قرار مجلس الوزراء على الأراضي المندوب.
2-تخصيص 45% من الأرض المندوب للحائزين لها مقابل سداد ثمنها وفق ما تقرره لجنة التخمين المكلفة (تخصيص مقابل سداد الثمن).
3-تسترد سلطة الأراضي 55% من الأراضي المندوب لصالح الدولة.
4-تكلف لجنة بحصر مساحات الأراضي المندوب ثم تقدير الثمن وفق سعر المثل الحالي.
5-يلتزم المستفيد بسداد 20% من ثمن الأرض (الأرض المخصصة 45%).
6-تخصم 40% من الثمن المُحدد من اللجنة بعد دفع المستفيد نسبة 20%.
7-تخصم 20% أخرى إذا قام المستفيد بالسداد الفوري لكامل الثمن المحدد من اللجنة.    
8-يمنح المستفيد مدة (10) سنوات لسداد ثمن الأرض المخصصة المحدد من اللجنة.
9-تُسجل الأرض المخصصة (مساحة 45%) بعد سداد كامل ثمنها باسم المستفيد لدى الطابو.

 وتعقيبا على هذا القرار فأننا نلاحظ أنه إجتهاد متسرع لأنه لم يقترن بدراسة واقعية ولم يُبنى على خرائط مساحية وبالتالي كان بمثابة قفزة في الهواء ولم يكتب لهذا القرار القبول للأسباب الآتية:    
1-رأى السكان الحائزين للأراضي المندوب أن التسوية المقررة بقرار مجلس الوزراء بشأن الأراضي المندوب تنطوي على إجحاف وتعسف شديدين لأنها لم تراعِ خصوصية الأراضي المندوب وبالتالي ليس من المنطقي سحب ذات الأحكام المقررة للأراضي المحلول على الأراضي المندوب للاختلاف بينهما من حيث الصفة والظروف والمركز القانوني، حيث التوصيف القانوني للأراضي المحلول واضح ودقيق بل أنه صدر قانون لتنظيم الأراضي المحلول وعرّف خلاله هذه الأراضي وحدّد الحالات التي تؤول بها ملكية هذه الأراضي إلى الدولة، أما بالنسبة للأراضي المندوب فهي تتمتع بخصوصية تقترب في التكييف القانوني والواقعي إلى الأراضي الموات التي أحياها السكان.
2-عدم مراعاة قرار مجلس الوزراء للظروف التاريخية التي أحاطت بتسمية هذه الأراضي باسم المندوب السامي البريطاني، حيث جاءت هذه التسمية في إطار مشاريع التسوية التي قامت بها حكومة الانتداب حيث لم تراعِ مصالح السكان العرب الفلسطينيين، بل كانت أهدافها استعمارية، حيث كان الهدف الأسمى لديها هو إيجاد الوطن القومي لليهود في فلسطين، وبالتالي اعتمدت على قوانين الأراضي والمعاملات العقارية وتنظيمها بما يضمن لها تحقيق هذا الهدف، ويسهل نقل ملكية أكبر قدر من أراضي فلسطين إلى اليهود.
3-انطواء القرار على تجريد الحائزين للأرض المندوب من حق الملكية الهادئة والمستقرة والمستمرة لسنوات دون شغب أو منازعة من الغير، فإذا كان القانون يقر بالتقادم المكسب للملكية للملك الخاص وإن كان مسجلاً فما بالك إذا كان التقادم يسري أضعاف المدة على أملاك باشر عليها أصحابها حقوق الملكية الكاملة إستعمالاً وإستغلالاً وتصرفاً وقاموا بإحيائها بعد أن كانت بوراً متروكة عبارة عن كثبان رملية مهملة.
4-الإدارات السابقة كافة التي مرت على فلسطين حاولت تسوية وضعية الأراضي المندوب بأن تضمها إلى الأملاك الحكومية ، إلا أنها فشلت وإصطدمت بصخرة الواقع وتجذر الأهالي بها والحيازة الهادئة لسنوات طويلة وبالتالي كان هناك إقراراً ضمنياً بملكية الحائزين للأراضي المندوب.

 لقراءة كامل المقال من هنا

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ أمجد نعيم يوسف حمدان الأغا

اظهر المزيد