مقالات

المِـنـحَـة في عـز المِـحـنـة- ابنك المقصر : أمين سُليمان الأغا

المِـنـحَـة في عـز المِـحـنـة
حتىٰ في مرضها كانت حنونة صاحبة عطاء ...
فقد منحتنا فرصة لأن نكون منها أقرب ما يكون ، منحتنا فرصة أن ننتبه للفراق المحتوم؛
 منحتنا فرصة أن نُدرك رضاها قبل فوات الأوان ، منحتنا فرصة أن نبقى تحت أقدامها لننهل من رضاها و حبها و حنانها و نحن نستشعر أننا في مرحلة وداع
عاشت و استشهدت و هي بنفس القلب الطاهر الحنون الذي يتألم لمن حوله و هو في عز الألم ، كيف لا و قد كانت تخفي أشد الألم حتى لا يتعب أبناؤها ، كيف لا و قد كانت تتوقف عن التقيؤ لتقول لمن حولها سامحوني ،، ناموا ،، ارتاحوا و دعكم مني فأنا بخير  
كلما أراد قلمي أن يكتب عنها احتار عقلي و قلبي !
و عجز التعبير عن انصافها !




إننا يا أمي مكممون بالحزن على فقدك.. 
نؤمن بالموت ونؤمن بخالق الموت والحياة ..
وندرك فضل الصبر والاحتساب،
لكن فقدك قد أحدث زلزالاً في القلب لا يمكن قياسه ؛ و ترك فراغا ف الحياة لا يملأه أحد غيرك ؛
رحلت دون أن تتأملي في زرعك كيف سيثمر وكيف أينع وكيف استقامت وروده وكيف تشابكت أغصانه وتآلفت .. كان قد آن الأوان لأن تجلسي بالمكان المريح ليلعب حولك الأحفاد ويتلون عليك قرآنا و أناشيد طفولة 
كنت ستكونين أروع الجدات لأبنائنا
مَنَحتني أُمّي ما لم تستطيع الدنيا بأسرها أن تمنحني جزءاً منه ...
فإن قلت صبراً ... فما وجدت أبلغ من صبرها و ما وجدت قدوة مثلها ️
و إن قلت جبراً ... فلا أراه في غيرها حيث كانت تتفقد الجميع بلا استثناء أو نسيان
و إن قلت عفواً ... فالعفو يعجب من عفوها
و إن ذُكِر الحنان ... فهي الـ نَّبع الّذي لا ينقطع فيضه 
أما عن الطاعات و الصلة باللّه ... فإنني أُشهِد الله أنني أصبحت معها لا أستطيع التفريق بين الفرض و النافلة فقد كان قيامها لا ينقطع كما الفرض و صيامها و كأن العام كله رمضان
كان بيتنا يخرج منه النور إلىٰ السماء بقيامها  ، بوجودها ، بصفاء قلبها ، بطيب نفسها ، بابتسامتها الحانية ، بالرضا الذي كان يملأ عينها و قلبها و بيتها
صاحبة الفضل في كل إنجاز ، في كل هدف محقق ،
هي من جعلت مني مهندساً ، و هي التي منحتني شهادة طب دون الحاجة للجامعة ، و هي التي قدّرت أقل القليل لتشعرني بأنه أعظم ما بالكون ،
كانت نقطة الانطلاق حين تنقطع بي السُبل في أمر ما أو بأحد من إخوتي كيف لا و قد كانت باب رحمة بفيض دعائها و دعمها .. ما عرفت للمستحيل طريق و هي أمامي و خلفي و بجانبي ،
كانت تُحلّق معنا كلنا .. فإن نظرت لنفسي وجدتها ف الاتصال و في الدعاء و في الاستقبال بكل عودة للبيت ؛ و إن نظرت لأخي وجدتها كذلك في نفس الوقت ؛و إن نظرت لأختي مثل ذلك ..
كانت مع الجميع و الجميع عنها ملهي
فعلا الأم تقوم بالجميع لكن الجميع لا يستطيعون القيام بجزء بسيط لها
العبادات ، رمضان ، التواصل الاجتماعي الحقيقي ، الحب ، الحنان ، الرحمة ، العفو ، الانصاف ، العدل ، الطمأنينة ، التوفيق ، الانجاز ، راحة البال ، المنبه لكل صلاة و لكل عبادة ، المُنظِّم لشؤون البيت و العمل ، الدافع لكل تقدُّم ، السبيل لكل سعادة ، القمر في وسط الظلام الحالك ، للقلوب جامعة ، لترابط الإخوة دافعة و داعمة و جاهدة و مؤكدة ، لطرد المشاحنات مُصِّرّة ،
اصرارها و تفانيها و صبرها و رضاها و كل دروب الخير بمعانيها كل ذلك كان أنتِ كان ♥️ سارة ♥️ كان في تلك الأم المثالية ...
أُشهِد الله أنك أديتي أمانتك علىٰ أكمل وجه 
و أسأله تعالىٰ أن يجمعني بكِ في الفردوس الأعلىٰ و ألا يحرمنا أجرك و لا يفتِنَّا بعدك
أما عن علامات حسن الخاتمة :
فقد ودعناها في يوم جمعة ومن مات يوم الجمعة فيما رواه الترمذي فقد انكشف له الغطاء عما له عند الله، لأن يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها ولا يعمل سلطان النار فيه ما يعمل في سائر الأيام، فإذا قبض الله عبدا من عبيده فوافق قبضه يوم الجمعة كان ذلك دليلا لسعادته وحسن مآبه، وإنه لا يقبض في هذا اليوم إلا من كتب له السعادة و يقيه الله فتنة القبر لأن سببها إنما هو تمييز المنافق من المؤمن, و من مات يوم الجمعة له أجر شهيد فكان على قاعدة الشهداء ؛
و كان سبب موتها مرض خبيث في البطن فـ عنْ أبي هُرَيْرةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: الشُّهَدَاءُ خَمسَةٌ: المَطعُونُ، وَالمبْطُونُ، والغَرِيقُ، وَصَاحبُ الهَدْم وَالشَّهيدُ في سبيل اللَّه متفقٌ عليهِ
الصبر على المرض كانت فيه عنوان حيث عانت كثيرا وطويلا  و يئس الطب و رفع يده لكن يدها و أيدينا بقيت حتى اخر نفس مرفوعة للسماء حيث القادر المقدر ربنا و رب العالمين و كان آخر ما سمعنا منها الدعاء و الرضا بقدر الله و الحزن على أنها لا تستطيع قيام الليل .
عند موتها و في سكراتها لم نرى أو نسمع مما نعلم عن النزعات و خروج الروح فقد فارقت الحياة كنسمة حانية توقف النفس مع ابتسامة جميلة دون أن نشعر و نحن بجابها .
أما الصلاة عليها فقد تمت الصلاة عليها 5 مرات دون تنسيق و قد حضر شيخ أثناء الصلاة الأخيرة في المسجد دون معرفتنا أو الطلب منه و ألقى كلمة على المصلين و دعا لها من الدعوات ما أثلج صدورنا .
امتلأ المسجد بكل طوابقه على غير عادة حتى أنه في رمضان لم يشهد جمعا مثل ذلك.
سمعنا ثناءاً عليها من الجميع دون استثناء حتى أن من يعرفها دون أن يراها قد علمنا بكاؤهم عليها،
انطلقت جنازتها مسرعة حتىٰ أن الجميع ظن أننا نسير بسرعة فائقة و بالفعل وصلت جنازتها وهناك الكثير لم يدركها،
في دفنها و تلحيدها لم أشعر أنني حملتها بل انها نزلت وحدها و عندما اردت تعديلها وجدتها على الوضع الذي يجب أن يكون فما فعلت إلا راحة لرأسها و وجدت نفسي قد خرجت في أقل من دقيقة ،
إن من جميل عطائها أننا شعرنا بوجودها حولنا و كأنها لم تودعنا ... في الحلم و الرؤيا و في الواقع بشعور السكينة الذي تولّد بداخلنا .

إليك أقول مما كتب الشعراء :
وتركت رأسي فوق صدرك ثم تاه العمر مني في الزحام&
 فرجعت كالطفل الصغير.. يكابد الآلام في زمن الفطام&
 والليل يفلح بالصقيع رؤوسنا ويبعثر الكلمات منا.. في الظلام &
وتلعثمت شفتاك يا أمي.. وخاصمها.. الكلام &
ورأيت صوتك يدخل الأعماق يسري.. في شجن والدمع يجرح مقلتيك على بقايا.. من زمن&
 قد كان آخر ما سمعت مع الوداع: 
الله يا ولدي يبارك خطوتك
الله يا ولدي معك 
وتعانقت أصواتنا بين الدموع &
والشمس تجمع في المغيب ضياءها بين الربوع&
والناس حولي يسألون جراحهم فمتى يكون لنا اللقاء؟
 وتردد الأنفاس شيئا من دعاء &
ونداء صوتك بين الأعماق يهز الأرض.. يصعد للسماء: 
الله يا ولدي معك...
ومضيت يا أمي غريبا في الحياة&
كم ظل يجذبني الحنين إليك في وقت الصلاة
كنا نصليها معا
أماه.. قد كان أول ما عرفت من الحياة أن أمنح الناس السلام
لكنني أصبحت يا أمي هنا وحدي غريبا.. في الزحام
 لا شيء يعرفني ككل الناس يقتلنا الظلام..
فالناس لا تدري هنا معنى السلام يمشون في صمت كأن الأرض ضاقت بالبشر &
والدرب يا أمي.. مليء بالحفر.. 
وكبرت يا أمي... وعانقت المنى وعرفت بعد كل ألوان الهوى...
وتحطمت نبضات قلبي ذات يوم عندما مات الهوى معك 
ورأيت أن الحب يقتل بعضه فنظل نعشق.. ثم نحزن.. ثم ننسى ما مضى &
ونعود نعشق مثلما كنا ليسحقنا.. الهوى ...
لكن حبك ظل في قلبي كيانا.. لا يُرىٰ♥️ 
قد ظل في الأعماق يسري في دمي وأحس نبض عروقه في أعظمي &
أماه.. ما عدت أدري كيف ضاع الدرب مني &
ما أثقل الأحزان في عمري و ما أشقى التمني & 
من يا ترى في الدرب يدرك أن الحب في العطاء
أماه.. يا أماه ما أحوج القلب الحزين لدعوة
كم كانت الدعوات تمنحني الأمان
الأم الرائعة المثالية & ســارة &
لروحك الطاهرة ألف سلام
ابنك المقصر : أمين سُليمان الأغا

اضغط هنا للتعرف على المرحومة الحاجة سارة عبدالله محمد علي سلامة

اظهر المزيد