مقالات

محطات في حياتي الجامعية بمصر (1963-1967) نبيل خالد الأغا- الدوحة

محطات في حياتي الجامعية بمصر
(1963-1967)
نبيل خالد الأغا/الدوحة


- تعرفت على شخصيات بارزة أمثال اللواء محمود شيت خطاب، اللواء عبدالله التل،
- لماذا رفض عميد كلية دار العلوم استقبال المناضل أحمد الشقيري؟!
- طائرات إسرائيلية تحلق في سماء القاهرة أثناء تأديتنا لامتحان اللغة العبرية !
- أسماء الرواد الجامعيين من أبناء العائلة ولائحة بأسماء زملاء وزميلات المسيرة التعليمية
ـ أين يقع شارع نبيل الأغا في القاهرة؟!

يرى كثير من الناس ان فترة الدراسة الجامعية ــ بوجه خاص ــ هي أمتع وأسعد فترات حياتهم.
وحين يستقرئ المرء أبعاد هذا الرأي يجده مبنيا على عدة أسس منها الخروج من شرنقة «المدرسة» والانتقال إلى فضاء «الجامعة»،وهذا يدعم ثقة الطالب الجامعي بنفسه وبقدراته ويفتح أمامه آفاقا جديدة من المعارف والتعارف، اضافة الى كونه أضحى قاب قوسين أو أدنى من نيل الشهادة الجامعية التي تؤهله للظفر بالوظيفة اللائقة. ومن ثم الولوج إلى معترك الحياة، وعندما تتحقق تطلعاته وتطحنه طواحين الحياة بهمومها وغمومها يتلفت خلفه مستذكرا.. وربما متحسرا على غياب تلك السنوات الجميلة متمنيا عودتها.. ولكن هيهات.. هيهات.
وقد أكرمني ربي جل جلاله فهيأ لي الظروف المناسبة فالتحقت بالجامعة في فترة تاريخية حساسة بدأت بهية وهنية ولكنها انتهت مأساوية وكارثية، وما بين البهاء واللابهاء كانت هذه الذكريات ــ لا المذكرات ــ .
وقبيل الخوض في التفاصيل أرجو من قرائي الفضلاء الابتعاد قدر المستطاع عن مقارنة الأحوال السائدة اليوم بما كانت سائدة في المنطقة قبيل أكثر من أربعين عاما.
وأتحدث هنا عن الفترة «الذهبية» التي قضيتها وأبناء جيلي من طلاب قطاع غزة تحديدا اثناء دراستنا في الفترة الواقعة بين عامي 1963-1967 بداية دخول الجامعة والتخرج فيها.
وقد شهدت منطقتنا العربية خلالها أحداثا سياسية مهمة سأتطرق إليها باعتبارها أمانة تاريخية تستحق النشر والتوثيق فربما يستفاد منها آنيا أو غير آني والله تعالى من وراء القصد وهو سبحانه الهادي الى سواء السبيل.




بطاقة دعوة لحضور أحد الأنشطة الاجتماعية

 

مصر.. قلعة العلم والعروبة


خلال صيف عام 1963 حصلت على شهادة الثانوية العامة في قطر، ثم توجهت الى القاهرة وقدمت أوراقي الثبوتية الى إدارة شؤون الوافدين وتم قبولي طالبا بكلية دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة.
ولم أكن أمتلك الكثير من المعلومات عنها باستثناء أنها تمنح «شهادة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية» وهي كلية عريقة كانت تابعة للأزهر الشريف حتى عام 1952 ويعود فضل تأسيسها الى المرحوم علي مبارك باشا أواخر القرن التاسع عشر.
واستطرادا أذكر بأن قطر في ذلك الزمن كانت امارة شديدة التواضع وكانت أسئلة الثانوية العامة تأتي من القاهرة ثم تعاد إليها الاجابات لتصحيحها ويتم بعدئذ اعلان النتائج من الدوحة. وما بين الماضي والحاضر بون شاسع يرهق كواهل المحللين لكنها في النهاية محصلة عقول تفكر، وقيادة تبتكر، وأياد تبدع، وخير كثير يعمّ.
وخلال المرحلة الدراسية الجامعية سأتوقف عند بعض المحطات المهمة التي عاصرتها وكنت شاهد اثبات فيها وعليها والله المستعان.

 

المحطة الأولى
«شبكة واسعة من العلاقات»


كان الجو السياسي العربي في تلك الفترة مشحونا بالعواطف الجياشة وبخاصة في مصر قلعة العلم والعروبة، ووجدت فيها متنفسي، فانخرطت في الاتحاد العام لطلاب فلسطين الذي كان يزخر بالعديد من النشاطات.. محاضرات، وندوات، وإحياء مناسبات وطنية، ورحلات ترفيهية، وانتخابات ومنافسات على رئاسة وعضوية الاتحاد.وتعرفت يومئذ على بعض الطلاب الذين شغلوا فيما بعد مناصب مهمة أمثال الشهيد هايل عبدالحميد (أبو الهول)، وموسى عبدالقادر الحسيني وشقيقه، وتيسير قبعة، وسعيد كمال وغيرهم.

افتتاح ندوة فلسطين العالمية بجامعة القاهرة ١٩٦٥، ويبدو إلى الشمال كاتب المقال وإلى شماله اللواء وجيه المدني قائد جيش التحرير الفلسطيني ومجموعة من الضباط


أما على مستوى كلية دار العلوم فقد توثقت صلتي بالعديد من الزملاء والزميلات في مقدمتهم الشاعر محمد عز الدين المناصرة وصالح خليل أبو اصبع «الدكتور والأديب فيما بعد»، وشهناز مصطفى استيتية «الدكتورة وزوجة معالي محمد السقاف والتي توفاها الله تعالى» ونداء راغب العلمي، وسلمى الريماوي «المدرستين فيما بعد» وحياة أحمد أبو مدين، ومصطفى الحوراني وسالم العمصي، وفتحي حنون، وعبدالمعز البكري وغيرهم، وقمنا بعدة أنشطة وطنية داخل الكلية وخارجها سنأتي على ذكرها لاحقا.
كما توثقت صلتي بمجموعة من أساتذتي في الكلية من أبرزهم الدكتور المرحوم عبدالصيور شاهين والدكتور كمال بشر والمرحوم الشاعر علي الجندي الذي حدبَ عليّ وعانقني في احدى المناسبات الوطنية في الكلية بعد ان ألقيت خطابا وقال لي مقسما: والله ان لك من اسمك نصيب يا نبيل ! وأهداني أحدث اصداراته يومئذ ديوانه «ترانيم الليل».
وانتهزت فرصة اقامتي في القاهرة وتعرفت على العديد من الشخصيات الوطنية العربية ومن بينهم المفكر والمؤرخ العراقي المعروف اللواء الركن محمود شيت خطاب الذي كان يقيم في احدى الشقق بضاحية مصر الجديدة. وأثناء احدى زياراتي له طلبت نصيحته في كتاب طالما وددت تأليفه عن الشهيد الحي عبدالقادر الحسيني باعتبار ان خطابا شارك في حرب 1948 في مدينة جنين ولديه مخزون من المعارف والمعلومات فشجعني وأخذ بيدي وكتب مقدمة مسهبة عن الكتاب الذي صدر في بيروت عام 1982 خاليا من المقدمة لأسباب طباعية.
جدير بالذكر ان لخطاب نحو ستين مؤلفا في التاريخ والعسكرية الإسلامية، والفتوحات الإسلامية، ولعل كتابه الأشهر هو «الرسول القائد».
وقد زرته في بغداد في عام 1981 أثناء عقد مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية، وكان يعاني من اضطهاد الحكومة البعثية له، ومصادرتها لجواز سفره، والتضييق عليه ماديا ومعنويا، كما التقيته عندما حضر إلى قطر مشاركا في مؤتمر السيرة والسنّة في الدوحة بمناسبة بداية القرن الخامس عشر الهجري، وأجريت معه حوارا نشر بمجلة الدوحة، فأثنى عليه لاحقا في رسالة خاصة.
ودعوته للكتابة في المجلة ذاتها، فاستجاب ووعد فأوفى، ونشر له عدة مقالات عن العسكرية الإسلامية، والتسلح النووي الإسرائيلي، وتعريب المصطلحات العسكرية الأجنبية إلى العربية.
هذا .. وأثناء وجودي في القاهرة تعرفت على اللواء الأردني المرحوم عبدالله التل قائد معركة القدس في حرب 1948، وكان يومئذ مقيما في القاهرة كلاجئ سياسي، ودعوته للمشاركة في مناسبات وطنية أحيتها «لجنة أبناء فلسطين في كلية دار العلوم» وكنت أحد أعضائها الأربعة إضافة إلى الزملاء صالح أبو أصبع وشهناز استيتية ومحمد عز الدين المناصرة.
وبعد نكبة فلسطين الثانية عام 1967، زرت «أبا المنتصر» في منزله بحي العبدلي بعمان، وكان قد عاد إلى الأردن بعد صدور عفو ملكي عنه، وكان في وضع نفسي عميق اللوعة، شديد الأسى، ليس على سقوط واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان فحسب، بل أيضا على سقوط القدس واحتلالها، والتي ساهم التل شخصيا في عام 1948 على إبقائها حرة تحت الراية العربية الأردنية الهاشمية مدة 19 عاما.

 

 

المحطة الثانية
لماذا رفض عميد الكلية استقبال المناضل الشقيري؟


قلبي منغمس في قضيتين رئيسيتين هما: القضية الوطنية، والقضية الإسلامية، لا أفرق بينهما، ونادرا ما يحيد القلم عنهما، وانطلاقا من هذا المبدأ، تابعت باهتمام وقائع مؤتمر القمة العربي الأول الذي عقد في القاهرة بتاريخ 1964/1/13م أثناء دراستي بالكلية الدرعمية «نسبة لدار العلوم»، وذلك استجابة لدعوة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، لمواجهة الموقف الخطير الناجم عن عزم إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن حيث قرر الأقطاب العرب في نهاية المؤتمر «العمل على إبراز الكيان الفلسطيني الذي ظل حتى ذلك التاريخ منضويا تحت لواء جامعة الدول العربية حتى بعد النكبة الكبرى، وتعاقب على تمثيل فلسطين في الجامعة كل من السادة: موسى العلمي، أحمد حلمي عبدالباقي، أحمد أسعد الشقيري.

لجنة أبناء فلسطين في كلية دار العلوم، وهم: صالح أبو أصبع، المرحومة شاهيناز استيتية، عز الدين المناصرة، نبيل خالد الأغا


وأصدر المؤتمر في نهاية أعماله قراراً بـ «انشاء كيان فلسطيني يعبر عن إرادة شعب فلسطين، وتمكينه من تحرير وطنه، وتقرير مصيره».
وبنفس درجة الشغف والحماس، تابعت وقائع المؤتمر الفلسطيني الأؤل الذي عقد بعد عدة شهور من مؤتمر القمة العربي في مدينة القدس بتاريخ 1964/5/28م وهي المرة «الأولى» و«الأخيرة» التي شهدت وقائع المؤتمر الفلسطيني، وتم الإعلان رسميا فيه عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وانتخاب السيد أحمد أسعد الشقيري رئيسا للجنة التنفيذية، وإنشاء جيش التحرير الفلسطيني.
ومعلوم أن «أبا مازن» (عاشت الأسامي) محام بارع، وخطيب مفوه، ومتحدث لبق ومتحمس أبدا (1907-1980) وكانت القاهرة مقرا لإقامته وحظي بتأييد مطلق من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر (1918-1970)، وعمل قبيل توليه هذا المنصب مندوبا لسوريا ثم السعودية، بهيئة الأمم المتحدة بنيويورك.
وتماهيا مع المد القومي الجارف الذي كان سائدا في تلك الآونة اتفق أعضاء «لجنة أبناء فلسطين بالكلية» على دعوة الرئيس الشقيري لحضور مهرجان وطني بمناسبة إعلان تأسيس المنظمة، ومشاركته بخطاب مباشر، جدير بالذكر أن أعضاء اللجنة هم: عز الدين المناصرة، صالح خليل أبو اصبع، شهناز استيتية، نبيل خالد الآغا.
وتكفلت بالاتصال بالسيد الشقيري، وإبداء رغبتنا بزيارته لإطلاعه على مبادرتنا.
واتصلت به من هاتف عمومي وعرفته بنفسي وبالمهمة التي نحن بصددها فرحب بمودة ظاهرة.
وفي الموعد المحدد توجه أربعتنا لمقابلته في مقر المنظمة بحي الدقي، واستقبلنا بحفاوة بالغة، وقدمنا له أنفسنا واحداً اثر واحد.
وكان حريصا على معرفة المدن التي ننتمي إليها، وعندما ذكرت له اسمي واسم مدينتي الأثيرة خان يونس، أطرى اطراء حميدا على نضالها خاصة إبان العدوان الثلاثي علي مصر ١٩٥٦، وفي نهاية اللقاء اتفقنا على موعد محدد لحضوره الى الكلية، وخرجنا من مكتبه ونحن في حالة حبور وانتشاء لافتين، وطبعنا عشرات الدعوات ووزعناها، وكما نشرنا اليافطات على اتساع الكلية، وقبل الموعد المحدد لعقد المهرجان بيومين توجهنا سويا الى غرفة عميد الكلية الدكتور محمود قاسم، وقدمنا له بطاقة الدعوة لتشريفه الحفل. وليكون في مقدمة مستقبلي رئيس المنظمة، ففوجئنا بما لم يكن في حسباننا، إربدَّ وجهه، وانتفخت أوداجه، وصرخ فينا مغاضبا: من أعطاكم الإذن بإقامة الحفل؟ أنا لست «طرطوراً» في هذه الكلية حتى أكون آخر من يعلم، وكان يجب عليكم أيها «الفصحاء» الحصول على إذني قبل أن تشرعوا في الدعوة للحفل الذي لن أسمح أبداً بإقامته في هذه الكلية!
فأسقط في أيدينا، وتصببنا أسفا وخجلا، واعتذرنا بشتى الطرق، لكنه أغلق علينا كل الأبواب والنوافذ، بل وجه إلينا كلاما نابيا، وخرجنا من مكتبه محزونين مكتئبين.
ووقفنا في إحدى زوايا الكلية نناقش الكيفية التي سنعتذر فيها للرئيس الشقيري بشأن رفض العميد وإلغاء الحفل، وتنصل الزملاء من المهمة وأسندوها لي باعتباري اتفقت معه منذ البداية، ولم أجرؤ على مقابلته في مكتبه، فاتصلت به هاتفيا، ووضعته أمام الصورة بحذافيرها وأنا أرتجف خجلا وأتلعثم أسفا، لكنه رحمه الله كان أكثر وعيا وإدراكا، فقدّر موقفنا فلم يلمنا أو يؤنبنا بل قال بلغة ناصعة، ونبرة قوية: لا تثريب عليك يا ابن خان يونس الشجاعة .. موعدنا غدا في يافا أو حيفا، وليس في القاهرة أو عمان.
وهكذاخرجنا من هذا المأزق المحرج والذي حملنا فيه أنفسنا المسؤولية الكاملة لكل ما حدث، لكن الدرس كان قاسيا بكل معاني القسوة!

 

المحطة الثالثة
ندوة فلسطين العالمية، وموقف طريف للشقيري

المناضل أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية
(1907-1980)


كان الاتحاد العام لطلبة فلسطين في القاهرة أحد ابرز الاتحادات الطلابية على المستوى العربي والاقليمي والدولي في عهد ثورة 23 يوليو 1952 خاصة في عقد الستينيات، وقد تيسر لي الحضور والمشاركة في اهم نشاطات الاتحاد وهي «ندوة فلسطين العالمية» التي عقدت في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة بتاريخ 30-3-1965، وشاركت في الندوة التي حضرتها وفود من 108 دول ومن ابرز الشخصيات التي اشتركت فيها انتوني ناتنج، وأرسكين تشايلدرز (بريطانيا)، ومكسيم رودنسون وكلود اسيتيه (فرنسا)، كريشنا مينون وكرانجيا (الهند)، فضلا عن مجموعة من المفكرين العرب.
واعتذر عن المشاركة الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، والمؤرخ البريطاني الاشهر ارنولد توينبي واستمرت اعمال الندوة ستة ايام وأصدرت بيانا مشتركا تضمن عدة نقاط مهمة بصدد الصهيونية واسرائيل والقضية الفلسطينية لا مجال للتوسع في شرحها، لكن البيان اشار الى ان قضية فلسطين هي قضية عادلة من قضايا التحرر العالمية وان ان الاستعمار والصهيونية لم يستطيعا الوصول الى اغراضهما الا لأن الوطن العربي كان منقسما الى دول مختلفة معظمها دول تسيطر عليه قوى ممالئة للغرب ويجب ان يعود لفلسطين فورا حقها في توحيد اراضيها عن طريق اعادة فلسطين كلها الى اهلها الشرعيين وهم عرب فلسطين! وكان الرئيس الشقيري قد افتتح الحفل وهو يرتدي بزته العسكرية في اجواء مفعمة بالدرجة القصوى من الحماس.
ما انفككت اتذكر موقفين طريفين عابرين حدثا في تلك الامسية الوطنية، ففور دخوله الى قاعة الجامعة التهبت حناجر الحاضرين بالهتافات، واصطكت أكفهم بالتصفيقات، تأييدا وترحيبا بالمنظمة الوليدة، وبقائدها الجديد المعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني مدعوما بمؤازرة الشعب العربي وقوى التحرر في العالم.
وكان مأمولا ان تتوقف مظاهر الحماس فور اعتلاء الشقيري للمنصة، لكن الامور لم تكن كذلك، بل ان الموقف تضاعفت حدته عندما اعتلى المنصة، ولم يبق مدعو جالسا على مقعده، الكل واقف والهتافات المدوية طالت مدتها، وقد حاول المنظمون تهدئة الحاضرين والكف عن الحماس، واتاحة الفرصة للرئيس كي يلقي كلمته المرتقبة، لكن المحاولات لم تفلح الا قليلا، ويبدو ان الشقيري استمرأ الموقف وطرب له، واذا به يصب زيته الحار على نار الجمهور المشتعل، فأخذ يخاطب المنظمين بقوله بصوت أجش: اتركوهم يعبروا عن مشاعرهم، فنحن الآن في حالة حرب، فالحرب ـ كما قالت العرب ـ اولها الكلام!!
فالتهب الموقف مجددا ليخفت بعدئذ رويدا رويدا.. وأثناء إلقاء الخطاب قوطع عدة مرات من كافة انحاء القاعة، لكن حدث موقف عارض ولم يتركه «ابومازن» يمر دون تعليق، فقد ارتطمت قدم احد المنظمين اثناء سيره على المنصة بأحد اسلاك مكبر الصوت فوقع اللاقط ارضا، ومن فوره علق قائلا: وهذا الذي حدث شبيه ايها السادة بحال امتنا العربية اليوم.. لا تثريب عليكم ايها السادة.. لا تثريب، فصفق الحاضرون اعجابا بسرعة بديهته التي حولت الموقف من حالة الاضطراب والاحراج الى حالة الطرافة والاعجاب، وهذه لعمري احدى صفات القائد الناجح.

المحطة الرابعة
قلت لمراقب الامتحان: سأكمل الإجابة في تل أبيب!


تعتبر هذه المحطة اهم المحطات المفصلية في حياتي، بل هي كذلك في حياة الامة العربية في ذلك الحين، وأعني بذلك حرب الايام الستة، أو الساعات الستِ او حرب الخامس من يونيو ـ حزيران 1967 .
لن اخوض في تفصيلاتها السياسية والعسكرية والانسانية، فهذا ليس من شأني في هذا المقام، لكنني سأعمد الى طرح انطباعاتي الشخصية اثناء اشتعال الحرب العربية الاسرائيلية الثالثة التي حقق فيها العدو الصهيوني انتصارات ومكاسب باهرة لم يكن يحلم بتحقيقها حتى في ابهى احلام يقظته ومنامه! هأنذا ارجع القهقرى، وأجوس في شريط ذكرياتي الملتصق بعمق في جدار قلبي، وكأن الزلزال الذي حدث قبل نيف وأربعين عاما حدث في شهر يونيو ـ حزيران الماضي!
كنت يومئذ طالبا في السنة النهائية وكانت القاهرة الحبيبة في تلك الفترة بمثابة مهرجان وطني ممتع قلما شهدت عاصمة عربية شبيها له كل النفوس تحترق بشوق لساعة المعركة المنتظرة.. الإعلام والزينات واليافطات والأضواء تغمر القاهرة من كافة زواياها المادية والمعنوية وكانت الأحياء الشعبية أكثرها تفاعلا.. وكانت اليافطة الأكثر انتشارا تقول «في العقبة فك رقبة».
كانت الامتحانات قد بدأت بالكلية في نهاية مايو واستمرت في شهر يونيو، لكنها بالنسبة لي كانت تعني شيئا ثانويا، أما الهدف الأسمى عندي فكان اشتعال الحرب.. بهدف تحرير فلسطين، وقامت الاذاعات العربية بواجبها كاملا في شحن نفوسنا، وكذلك الصحف والمجلات وكافة وسائل الإعلام.. حتى إن المسؤولين في القاهرة يومئذ اتخذوا إجراء إعلاميا فريدا عمل على مضاعفة الشحنات المعنوية لدى عشرات الآلاف من الجنود في الجبهة ولدى الجماهير بشكل عام وأعني بذلك إرسال المطربة الراحلة أم كلثوم إلى سيناء ومعايشة الجنود هناك، وقد أفردت لها الإذاعة برنامجا خاصا ومطولا اسمه «أم كلثوم في المعركة».
اليوم.. الاثنين الخامس من يونيو.. موعد امتحاننا في مادة اللغة العبرية بالكلية، وكان مفروضا علينا نحن الفلسطينيين يومئذ أن ندرس هذه اللغة لأننا أهل قضية.
وذلك حسب لوائح جامعة القاهرة، أما بالنسبة لغير الفلسطينيين فلهم حرية الاختيار بين العبرية والفارسية.
الساعة تشير إلى الثامنة وعشرين دقيقة، ونحن الطلاب نؤدي الامتحان، ثمة أصوات بعيدة نسبيا لأزيز طائرات وأصوات مدافع مضادة للطائرات، كنا في الطابق الثاني وعلينا رقابة مشددة، لكننا بين فترة وأخرى كنا نسمع صياحا جماهيريا وتصفيقا حادا، ما الذي حدث؟ الله أعلم.. وتزداد نبضات القلب اضطرابا، لم أعد قادرا على الصبر.. لقد نفدت كل المسكنات.. سألت المراقب عما يحدث فنهرني، وأمرني أن «اشتغل»، فاض كأس الانفعالات.. لم أعد قادرا على الاحتمال.. وضعت القلم جانبا وأقفلت ملف الاجابة.. وبقيت جالسا أفكر فيما يحدث.. لابد أن معركة النصر قد بدأت، جاءني المراقب وسألني لماذا توقفت عن الإجابة؟ قلت له: انا صاحب قضية، أظن أن البداية قد بدأت أريد أن أعرف ما الذي يحدث حولنا، فنادى أحد السعاة وكلفه بأن يذهب لاستطلاع الأمر، وبعد دقائق عاد ووجهه يطفح بالبشر والحبور، لم ينتظر أن يهمس بالخبر للمراقب بل وقف في أول القاعة وقال أمامنا جميعا: لقد أسقطنا لإسرائيل ستين طائرة!! ولم أتمالك نفسي من فرط التأثر والبهجة، وذهبت للمراقب لأسلمه ملف الإجابة، فرفض استلامه وحثني على مواصلة إجابتي فرفضت، فكرر محاولته مثنى وثلاث فقلت له بانفعال: سأكمل الامتحان في تل أبيب يا دكتور!!
وانصرفت.. فوجدت ميدان التحرير بوسط القاهرة في حالة ارتباك شديد، الناس هائجون مائجون، والمواصلات مشلولة، والناس في حيرة من أمرهم.. وكان.. ما كان.. وغرقت كل أفراحنا وآمالنا وتطلعاتنا في أعماق قناة السويس التي وقف الجيش الإسرائيلي على ضفتها الشرقية.. وهوت أحلامنا مع السفن الغارقة والمحطمة في قاع القناة!
وسيمضي وقت طويل قبل أن يتحول جليد الهزيمة إلى نار موقدة تلتهم الاتكالية والارتجالية والجاسوسية والتخاذل!

المحطة الخامسة
الرواد الأوائل.. وزملاء المرحلة الجامعية


أثناء يفاعة العمر، كنت أنظر إلى الرواد الجامعيين الأوائل من أبناء عائلتنا، نظرات هيبة وإجلال، ثم أتساءل بيني وبين نفسي: هل سيأتي اليوم الذي سأصبح فيه خريجا جامعيا أمثالهم؟! وحتى لا أغمطهم حقهم، سأذكر أسماء ثلاثة منهم كنت أعرفهم وأجزل التقدير لهم سواء برباط الجيرة أو القرابة ولا أقول الصداقة لأن فارق السن بيني وبينهم كان كفيلا بعدم اتمام مراسم هذا الفرح بين فتى غض يقف على باب الله وبين رجال أكفاء يحظون بتقدير المجتمع وتبجيله!
سأذكر ثلاثة من هؤلاء الرواد الذين تخرجوا في جامعة فؤاد الأول (القاهرة لاحقا) في بداية العقد الخامس من القرن الماضي كنماذج لرواد آخرين لا ننكر فضلهم.
ومن ثم سأسرد أسماء الطلاب والطالبات الذين كانوا يدرسون في الجامعات والمعاهد المصرية إبان دراستي فيها بين عامي 1963-1967م.

الرواد الثلاثة
1- الدكتور أمين سليم الأغا

أول طبيب خان يونسي يمارس مهنة الطب في المدينة، وبرغم محدودية المدة الزمنية التي قضاها فيها إلا أنه استحوذ على سمعة طبية وأخلاقية ممتازة من لدن مرضاه وسائر من يعرفونه أو يتعاملون معه، أو حتى يسمعوا ببراعته ومهارته، ثم توجه آلى الكويت وعمل فيها وذاعت شهرته بين المواطنين والمقيمين وتنوعت نشاطاته الدعوية الإسلامية والخيرية والوطنية، ومن خلال هذه الأسطر أناشد الأخ الكبير الدكتور أمين أن يكتب مذكراته الغنية كي يفيد منها المجتمع، وإذا كان الأمر شاقا عليه، فأقترح علي صديقي الإعلامي ذي الهمة العالية الدكتور بهاء الدين عيد الأغا أن يجري معه لقاءات متعددة عن نشاطاته ومسيرته الحياتية المباركة كي تكون نبراسا لشبابنا الطامحين للرفعة والسموّ.
2- المستشار الأستاذ رضوان محمد الأغا

خالنا الحبيب الذي كنّا وما زلنا وسنبقى - نتطلع إليه بحب وود وتقدير، ونرى فيه «القاضي الفاضل» في عدالته ونزاهته واستقامته و«حتى في هندامه». وكانت الوالدة «أم أحمد» رحمها الله تضرب بأخيها المثل كلما رغبت في حثنا على الدراسة والمذاكرة.
3- الدكتور المرحوم حيدر مصطفى الأغا

علامة مميزة في علمه وأدبه ومهارته، وطيب معشره، وخدماته الجليلة لكافة مرضاه سواء في بداية تخرجه وعمله في خان يونس أو في الكويت، أو ضمن كتيبة الجيش الكويتي التي ساهمت في حرب 1967، أو خلال إدارته لمستشفى فلسطين بالقاهرة، وحتى وفاته رحمه الله.
... وهذه قائمة بأسماء الزملاء والزميلات الذي تصادف وجودنا معهم ابان الدراسة الجامعية بالكنانة، وأعتذر مقدما لمن خذلتني الذاكرة عن استحضار اسمائهم أو اسمائهن:
امين مسعود الأغا، د.نظام احمد الأغا (رحمه الله)، بسام مصطفى الأغا، د.زكريا ابراهيم الأغا، سليمان مصطفى الأغا (رحمه الله)، سفيان عبدالله الأغا (رحمه الله)، نائل خليل الأغا، نعيم صالح الأغا، المعتز بالله حلمي الأغا، اكرم احمد الأغا، نعيم يوسف الأغا، د.صلاح نعمات الأغا، د.احسان خليل الأغا (رحمه الله)، حافظ عبد حافظ الأغا، مروان حمدي الأغا (رحمه الله)، محمد عوده الأغا، مأمون سعيد الأغا (رحمه الله)، جودت كامل الأغا، د.رياض فهمي الأغا.
أسماء الزميلات الفضليات
فلك عبدالله الأغا، نايفة نايف الأغا، فخرية سليم الأغا، حفيظة غانم الأغا.

المحطةالسادسة:
أين يقع شارع نبيل الأغا في القاهرة؟!


كنت في احدى الأمسيات الصيفية أتجول مع بعض الأصدقاء في ميدان روكسي بمصر الجديدة، وفجأة ودونما سابق تخطيط أو تدبير اتجهت صوب حارس عمارة ألفيته جالساً على أريكته، فألقيت عليه التحية، وسألته بلهجة مصرية: من فضلك ياسي الحاج فين شارع نبيل الأغا؟!
صمت الرجل قليلاً، ثم سألني: اسم الشارع ايه يا بيه؟ فأعدته عليه، فأجاب: بص، أنت شايف الشارع اللي جاي على يمينك، سيبه وبعد كده الشارع اللي وراه تلاقيه أدامك ومكتوب اسمه على اليافطة المتعلقة؟! شكرته وأنا والزملاء نكاد ننفجر ضحكاً،..
وأيضاً ودونما تخطيط أو تدبير أعدت الكرة على حارس عمارة أخرى بنفس المنطقة فأجابني صادقاً مع نفسه وليس مجاملاً كسابقه: والله يا ابني بقالي أكثر من عشرين سنة في الحته ده ماسمعت باسم الشارع اللي بتقول عليه، اسأل عنه حضرتك في ميدان الجامع!!
وأخيرا.. ارجو ان تتقبلوا أيها الأحباب جميعا تحايا مخلصكم ومحبكم في الله نبيل خالد الأغا، وصل اللهم وسلم وبارك على حبيبك وحبيبنا الأعز الأجل محمدا صلاة دائمة بدوام ملكك. الدوحة.2 ديسمبر 2011م.

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد