مقالات

العفو من شيم الكرام- ياسين طاهر الأغا


بسم الله الرحمن الرحيم
العفو من شيم الكرام

 الحمد لله القوي الحليم، يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، أكمل علينا الدين وأتمم علينا النعمة وجعل أمتنا خير أمة ، وبعث فينا رسولاً منا يتلو علينا آيته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة .

يتفاوت الناس في مكارم الأخلاق ومقامات الإحسان وجميل السجايا والخصال ، وإن العفو عن المسيء والتغافل عن عثرته واحتمال سقطته من أجَلِّ الصفات وأنبل الخصال .. يقول - جل في علاه ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) - آل عمران 133 – 134 . فشَرَعَ العدل وهو القصاص ، وندب إلى الفضل وهو العفو .. والصفح أقرب للتقوى ، والصفح أكرم في العقبى ، والتجاوز أحسن في الذكرى .. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً ، وما تواضع أحدُ لله إلا رفعه " أخرجه مسلم وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من عبد ظُلم بمظلمة فيُغضي عنها لله - عز وجل - إلا أعز الله به نصره " أخرجه أحمد وأبو داود فالعفو والصفح من سيما أهل الخير والصلاح، وإن العفو عن المسيء ومقابلة إساءته بالإحسان سبيل إلى استصلاحه وتأليف قلبه، وستنقلب عداوته إلى صداقة وبغضه إلى حب ومودة، فجاهد نفسك، واعف عن المسيئين، وحرض المؤمنين على العفو والصفح ، يقول الله جل وعلا (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) {النور:22}.


فإن لم تستطع بنفسك الاصلاح، فبإمكانك أن تستعين ببعض الخيرين الناصحين من أهل العلم والدعوة إلى الله جل وعلا ليتوسطوا بينكم لإصلاح ما حصل من نزغ للشيطان، ولنعلم أن التهاجر والتخاصم بين المسلمين أمر محرم، ففي صحيح البخاري مرفوعا: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض ‏هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام‏.

وجاء في سنن أبي داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار. صححه الألباني وانظروا الى موقفه من اهل مكة اولئك الاشرار والكفار والذين ما برحوا يؤذون رسول الله بل اخرجوه من بلده وطردوه من وطنه واهانوه وقتلوا اصحابه واخذوا اموالهم واستباحوا دماءهم لكنه لما انتصر عليهم قال لهم اذهبوا فانتم الطلقاء فعفى عنهم وصفح ولم ياخذ بثاره منهم صلى الله عليه وسلم ونراه بعد انتهاء معركة بدر يعفو عن المشركين الذين قاتلوه بان طلب منهم ان يعلم كل واحد من المشركين من يعرف القراة والكتابة عشرة من المسلمين لقاء حريته وإذا كان الله تعالى حرم الظلم ابتداء.. فإن حكمته ورحمته سبحانه وتعالى اقتضت أن يحث المظلوم على الصبر والصفح عمن ظلمه ودفع السيئة بالحسنة، مع أنه مكنه -بمقتضى عدله بين خلقه- من أن ينتصر لنفسه ويدفع الظلم عنه.

قال الله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى]. فأثبت الله للمظلوم حقه في الانتصار لنفسه ودفع الظلم عنه عدلاً منه سبحانه وتعالى، وحثه في أول الآيات وآخرها على العفو والصفح والمصالحة رحمة منه وحكمة، لما في ذلك من لمِّ الشمل وسد باب الفرقة والتنازع الذي قد يؤدي إلى ما هو أشنع وأفظع، ولما فيه من قطع دابر الشيطان وما يريده من إيقاع العداوات والبغضاء بين الناس.


وقد وعد الله تعالى المظلوم بنتائج طيبة جراء عفوه وصفحه ومنها ما تقدم، ومنها أنه بعفوه وصفحه قد يصير الظالم ولياً رحيماً مسالماً، وأن الله سبحانه وتعالى يرفع قدر المظلوم ويعزه، على خلاف ما تتصوره العامة من الناس حيث يظنون العفو مذلة، والصفح مسكنة. قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:34-35].

وفي المسند والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن فإنه: ما نقص مالَ عبد صدقةٌ، ولا ظلم عبد بمظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر.... وقد أخرج مسلم في صحيحه مثله. فإن الأفضل لمن وقع عليه الظلم والأذى والإهانة من الناس أن يعفو ويصفح، لينال أجر المتقين الصابرين العافين عن الناس، ويفوز بمعية الله وعونه، كما قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ){الشورى:40 وقال تعالى(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) {الشورى:43 وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلى رفعه الله.

ويشرع له أيضاً الإمساك عن العفو والصفح ليلقي المذنب ربه بما اقترف من الإثم، لكن -كما قال بعض السلف- ما يفيدك أن يعذب الله أحداً لأجلك؟ مع ما يفوتك من أجر العفو، لو عفوت . ويشرع له أيضاً الدعاء على الظالم ويدل لذلك ما أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد... يدعو لرجال فيسميهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر وأجعلها عليهم كسنين يوسف. ويشرع له أيضاً المقاصة، ومقابلة السيئة بمثلها دون تجاوز، لقوله تعالى:(لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا* إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) {النساء:148-149}، ولا شك أن مقام العفو والصفح هو أعلى المقامات، وأفضل الخيارات، لما جاء فيه من الأجر والثواب، ومما يؤكد ذلك أن الآيات التي أفادت إباحة المقابلة بالمثل قرنت بالدعوة والترغيب في العفو، والعفو معناه تحمل الإساءة والصبر على آثارها في النفس أو العرض أو غيرهما، رجاء ثواب الله وحسن العاقبة لديه، وعليه، فمن اختار مقام العفو والصفح لم يطلب الاعتذار.

إن الدفع بالتي هي أحسن هو الدواء المرمم لما يبلى أو ينهدم من الروابط الاجتماعية ، والمصلح لما يفسد منها ، والمجدد لما ينطمس منها، وبه تحيا معاني الخير في النفوس ، ويتبارى الناس في الإحسان ، وتغلق أبواب الشر على الشيطان، ولا يتاح للإساءة أن تتفاقم فتعافوا بينكم وتجاوزوا عمن أساء إليكم ابتغاءً لوجه الله -تعالى- ورغبةً في ثواب العفو وجزاء الصفح، واطووا بساط التقاطع والوحشة وصلوا حبل الأخوة ، وروموا أسباب المودة واقبلوا المعذرة ؛ فإن قبول المعذرة من محاسن الشيم، وإذا قدرتم على المسيء فاجعلوا العفو عنه شكراً لله للقدرة عليه .. فاتقوا الله وراعوا حق القرابة والرحم والجوار، وكُفوا عن المنازعة والقطيعة ، وعالجوا الأمور بما هو لشمل القرابة أجمع، ولطريق الفرقة أقطع، وكونوا كما قال الأول: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم ... قدحت لهم في كل مكرمة زندا وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالي ان تتابع لي غـنى ... وان قل مالي لم أكلفهـم رفـدا واني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبـدا وقابِلُوا الإساءة بالإحسان تفوزوا وتفلحوا.

ما أحوجنا الآن وفي كل حين أن نتعالى على الضغائن، ونعض على الجراح من أجل قوة عائلاتنا وتماسكها ووحدتها ، والناظر إلى عائلات خان يونس على سبيل المثال يجد أن العائلات تقوى ويلتئم شملها إذا كان الكبار فيها مطمعهم رضوان الله وعفوه ، وسعادة أبناء عائلاتهم وراحتهم ، فيبذل هؤلاء الكبار (الكبار في مواقفهم وأفعالهم) من أموالهم وأعراضهم حرصا منهم على لم الشمل، ويعفوا ويغفروا، فتسعد بهم عائلاتهم وأوطانهم، وعندما يستكبر هؤلاء عن العدل والعفو ويثأروا لأنفسهم ، ولا يعنيهم مآل العائلة ومستقبلها وراحة أبنائها ، تتفكك العائلة ويشقى الصغار بالكبار ويتمنوا الخلاص منهم ولا يرون لهم فضلا ولا وجاهة.

لذلك فإنني أناشد أهلي وإخواني أن يسارعوا إلى مغفرة من ربهم، وأن يتقوا الله في أبناء عوائلهم، ولا يدفعوهم إلى وراثة الحقد والكراهية، وأن يبسطوا أيديهم بالعفو والصفح لوجه اللله الكريم، ومحبة في ذات الله، ودفعا للشرور والكراهية والبغضاء، وحقنا للدماء، فإن للشيطان أنصارا وأولياء يبسطوا أيديهم وألسنتهم بالسوء ليزيدوا في الفرقة والعداوة . أسأل الله الكريم أن يوفق كل ساعي إلى الخير، وأن يكبت كل ساعي إلى الشر والحمد لله رب العالمين .

ياسين طاهر الأغا 30 \ 12

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على المهندس الزراعي ياسين طاهر حافظ عثمان الأغا

اظهر المزيد