مقالات

ورحل منتصب القامة- كتب د. يحيى زكريا الأغا


لم ولن يكون سميح القاسم الأخير الذي تصعد روحه للسماء، فسبقه كواكب من الشعراء الفلسطينيين الذين يشهد لهم التاريخ والأدب والفكر بأنهم من أركان الأدب العربي والفلسطيني المعاصر، شعراء مبدعون، وشاعرات مبدعات، أديبات وأدباء أسهموا في الحركة الأدبية والعربية بالكثير من الأعمال المبدعة، وأثروا المكتبة العربية بالعديد من المجموعات الشعرية، والروايات والقصص والمقالات، وغيرها مما يعتبر إبداعهم منارة للفكر في عالم متجهم عن الثقافةوالإبداع.

سميح القاسم حط رحال العمر إلى غير رجعة، ليس في مدينة الزرقاء التي ولد فيها، ولكن في الرامة، مدينته الفلسطينية التي عاش فيها، فأسلم روحه بعد رحلة من العطاء الثقافي والأدبي اكتنزت بها المكتبات الفلسطينية كما اكتنزت خزائنه بالتكريم من شتى بقاع الأرض، فلم يكن فلسطينياً فقط، بل كان أممياً، لأنه كان إنسانياً في عطائه، فنال ما نال من التكريم الذي يتساوى مع عطائه اللامحدود.

سميح القاسم أسلم روحه لله بعد مرض عضال ألمّ به منذ سنوات عمر ناهز الخامسة والثمانين عاماً، كانت مكتنزة بالعديد من المحطات الأدبية والسياسية والنضالية، حياته كانت كشجرة، نمت في أرض مباركة، وترعرعت على ثرى أرضه، فأينعت ثم أثمرت، وأصبح شعره رمزاً للمقاومة، وانتشر في أنحاء المعمورة، وتُرجم إلى لغات عديدة، وتقديري بأنه قال شعراً ما لم يقله غيره، بل ويمكنني القول بأنه لم يبق شيإلا وقد قاله شعراً أو أدباً، ومع مرور الزن الصعب، والسنوات التي أكلت من حياته الكثير، بل ومنحته الكثير، أخذت هذه الزهرة تذبل رويداً رويدا، حتى أنه لم يستطع قبل أقل من عام الحضور إلى رامالله لاستلام شهادة التكريم من الدكتور " سلام فياض" رئيس الوزراء الأسبق، وهو كما قال عن نفسه " ذرة من تراب الوطن"، فمنذ ولادته عام 1929 وحتى وفاته يُسجّل التاريخ بأنه صاحب قضية تبناها منذ كان صغيرا وحتى هذه اللحظة، فكانت محطاته زاخرة، أعلاها وأبرزها هي المقاومة بالكلمة، والتي ألقت به في غيابات السجن أحياناً، وأحياناً تحت الإقامة الجبرية في مدينته وبيته، فأصبح السجن دافعاً له للمزيد من الكتابة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك حال الإقامة الجبرية، وما انضمامه للحزب الشيوعي الفلسطيني إلا محاولة منه – كغيره من الشعراء – للدفاع عنه عندما يتم اعتقاله أو تهديده.

لم تقتصر حياته على الشعر، بل امتدت إلى العمل الاجتماعي الذي يصب في خانة الأدب والفكر والثقافة، فأنشأ مسرحاً ليخاطب الجمع بشكل مباشر، وإيصال رسالة إلى الكل في الداخل والخارج بالصوت والصورة، لإبراز القضية الفلسطينية بالشكل الذي يريده.

ترتكز قصائد القاسم على معطيات وفرضيات وتجارب من الواقع، تدور حول الأرض والوطن والتشرد والعودة، والسجن والسجان، وهي نابعة من انتماء الشاعر للأرض التي تربى عليها، فلم تكن المجموعات الست التي أطلقها وهو في الثلاثين من عمرة إلا عصارة ألم ومعاناة ومكابدة من الاحتلال الإسرائيلي الذي حول عذب الحياة إلى ملح، ولكنه استطاع أن يحوّل هذا الملح إلى قذائف من كلمات في وجه المحتل، فكان مصيره إما السجن أو الإقامة الجبرية.

دواوينه كانت محاكاة لتجاربه المرحلية، ولكن في بعضها كان متبصراً لِما يجب أن يكون عليه المواطن في مواجهة المحتل، فاكتنزت بالمعاني الوطنية والتحريضية، مما أسهم في نشر الوعي النضالي ضد المحتل، وأصبحت العديد من قصائده أناشيد للصغار يتناولوها في مواجهة العدو الإسرائيلي.

دواوينه الشعرية رغم تنوع الموضوعات، إلا أن فلسطين بما تحمل من معاني هي المسيطرة على مكونات النص الشعري، فعمق المأساة هي التي جعلت منه إنساناً لا يذعن لهذه الأحزان، ليخرج من بين ثنايا الألفاظ كالعنقاء ليعلن الإصرار على عدم الاستسلام مهما كلفه من ثمن.

إن خط النضال في شعره وجد مكانه إلى جانب الشعراء الآخرين، فأصبح واحداً من شعراء فلسطين الذين يمثلون الخط الثوري مع توفيق زياد وفدوى طوقان ومحمود درويش وشفيق حبيب ومحمد عز الدين مناصرة، وشكيب جهشان وغيرهم الكثير من هذه القامات التي مازال بعضها يصدح، وبعضها كما قلنا فارق الحياة، فأنتج شعراً نابضاً بالحيوية، مرتكزاً على هويته النضالية الضاربة في أعماق الرام، فلّون في قصائده، واباح لنفسه حرية الحركة في تناوله للنصوص، فأصدر " أغاني الدروب" و" ودخان البراكين" و" طلب انتساب للحزب" و " في انتظار الرعد" و " دمي على كفي" و " " سقوط الأقنعة"، هذه الدواوين حافلة بقدرات فائقة على العطاء، حيث حمل رسالة المناضل مبكراً، واسلم نفسه لوطنه، فعرف من خلالها كيف تكون المواجهة، وكيف يكون التحدي والإصرار، ليصبح كما قال أنا " ذرة تراب في هذا الوطن" وجسرأً يربط الماضي الجميل بالحاضر الأليم.

لم تكن علاقتي به عابرة، بل بدأت مع بدايات شعره، وتوطدت العلاقة في تسعينيات القرن الماضي، وخاصة بعد أن عزمت إتمام دراسة الدكتوراة، فأرسلت له رسالة قصيرة جداً مفادها" أني أرغب في إتمام دراسة الدكتوراة في الشعر الفلسطيني المعاصر وتحديداً لتسليط الضوء على شعراء فلسطين الداخل، فما كان منه إلا أن نشر في صحيفة " كل العرب" هذا الخبر، وبدأت الدواوين الشعرية تنهل عليّ عن طريق "الفاكس" ، فأصبحت جزءاً من مكونات شعراء وأدباء فلسطين، ومازالت هذه العلاقة تتوطد بشكل جيد.

موهبته تمثل أحد أركان ثلاثة يعتمد عليها في شعره الثقافة والتجربة، فمكنته هذه الركائز ليصبح شاعراً يمتطي جواد الثورة وقتما شاء، ويخترق غبار الحرب بصوت يحرك أبناء الوطن من خلال " مرفوع الهامة أمشي" .

إنه سميح الذي قال يوماً:

ربما أفقد – ماشئت – معاشي

ربما أعمل حجّارأً – وعتالاً – وكنّاس شوارع

ربما

ربما تسلبني آخر شبر من ترابي

يا عدو الشمس – لكن .. لن أساوم

وإلى آخر نبض في عروقي ....سأقاوم

لم يكن سميح يعلم بأن جند الله في الأرض قد حفروا الخنادق، ولم يكن يعلم بأن الفلسطينيين سيصنعون الصواريخ لتلقي في قلوبهم الرعب، وهنا جاء قوله قبل أكثر من أربعين عاماً ليتجانس مع واقع المقاومة في قطاع غزة:

تقدمو ... تقدموا

كل سماء فوقكم جهنم

كل أرض تحتكم جهنموا

تقدموا تقدموا.

بناقلات جندكم وراجمات حقدكم

وهددوا وشردوا ويتموا وهدموا

لن تكسروا أعماقنا

هذه الصور المتلاحقة للشاعر ماثلة أمامنا اليوم بكل تفاصيلها وحيثياتها، فها هي الأنفاق تُثير الرعب في قلوب الجنود الإسرائيليين، والصواريخ تثير الرعب في نفوس المواطنين :

هذا أنا ... اسرجت كل متاعبي            ودمي على كفي يغني فاشربوا

إنه سميح القاسم الذي لا يرضى بالمذلة والهوان، ولا يهون عليه ترك داره مهما كان الحصار المضروب عليه:

إن اختلاج الروح في البذرة

أقوى من الصخرة

وجذورنا في رحم الأرض ممتدة

وقميصنا البالي

مادام يخفق في رياح الحزن والشدة

ستظل تخفق راية العودة

ستظل تخفق راية العودة.

" المقاومة" شعار لم يبتعد عن مفردات الشاعر، ولا قاموسه الشعري، لأنه يعي تماماً ماذا تعني هذه الكلمة، وتأثيرها على المحتل، ولا يمكننا أن نثبت أن لنا حقاً إلا بها، وهذا ما وجدناه عند جميع شعراء وشاعرات فلسطين في تلك المرحلة وما بعدها:

ومن جيل لجيل

وإلى أن يبعث النهر

وتشدو في أغاني الحمائم

أملأ الدنيا هتافاً لا يُساوم:

كفر قاسم .ز كفر قاسم .. كفر قاسم!!

دمك المهدور مازال يقاوم

                   مازلنا نقاوم

رحل سميح القاسم في وطنه، ورفض أن يغادره بدعوة من شقيقه:

أخي الغالي!

إليك هناك في بيروت

إليك هناك.. حيث تموت

كزنبقة بلا جذر

كنهر ضيّع المنبع

كأغنية بلا مطلع

الوطنية التي امتزجت بالمعاني وبالحروف سمت به إلى الإنسانية التي ارتقت بقصائده، فآلام الشعوب المطحونة التقت مع أنّاته وصرخاته، فمزج بين مصائب الشعوب ومصيبة شعبه، محركاً وجدانه بقصائد في غاية من الروعة.

رحل منتصب القامة، وسيبقى منتصب القامة بكلمات يرددها الشعب الفلسطيني صغاراً وكباراً.

رحل في زمن رحيل الشهداء من غزة، وكأنه أراد أن يقول لهم بأنني أشد على أياديكم.

رحل في زمن مجزرة غزة وغزة مازالت صامدة.

رحل في زمن القهر العربي لفلسطين وشعبها، وكأن القدر أراد له ألا يكتب قصيدة تخرج من عباءة العروبة التي يؤمن بها.

رحل في زمن اللازمن من بين الأحياء ليترك لهم وصية تقول"

إن الشمس لا تُلجم

وأن المارد الجبار سوف يهشم القمم.

رحل صوته الحي بين الأصوات :

لأجلك أسرج الأحزان

من أرض إلى أرض

لأجلك أركب الأهوال

من بحر إلى بحر

من أجلك أمنح الكلمات للغير.

لقد استطاع سميح القاسم رغم اغترابه في وطنه وفي قريته أن يبني أحلامه على شطآن الوطن، مغازلاً ومناجياً وعاشقاً في نفس الوقت، يقول : "ورغم السنين والمآسي التي طحنتنا إلا أننا لم نفقد فلسطينيتنا ولن نفقدها".

سميح القاسم صدح صوته في معظم الدول العربية وخاصة بعد نكسة 1967 حيث فُتحت بوابة له وغيره من الشعراء ليتواصل بشعره مع محبيه، فاحتضنته الدوحة مرّات عديدة، وكان لي شرف مرافقته، ومجالسته، فأحبيت فيه الأمل، والثورة والحياة وعفة النفس.

إنه الفلسطيني المقاوم، إنه الفلسطيني الثائر، إنه الفلسطيني الإنسان، إنه الفلسطيني ابن الرام الذي وحّد الشعب الفلسطيني في كثير من قصائده واشعارة والتي أصبحت جزءاً من كرنفال أبناء فلسطين في الوطن والمهجر.

سميح القاسم عنما يُلقي شعراً لا يتكلم بلسانه، بل بلسان كل شعراء الوطن، وكل الشعراء الفلسطينيين على السواء بالتزامة وموضوعيته، وثقافته وتجربته، وموهبته ووطنيته وعنفوانه، فهو واحد من كل، ولكنه واحد في تفرده في العديد من قصائده ومجموعاته الشعرية.

حري بنا وبكل الدارسين للشعر المعاصر ونحن نقرأ لهذا الشاعر أن يكون له نصيب من دراسات مختلفة إضافة إلى ما حظي به في حياته من شرف الدراسات والأبحاث، وكان لي هذا الشرف خلال مسيرتي الأدبية.

سميح القاسم واحد من شعراء فلسطين الذين حظوا برعاية من العديد من المسؤولين، فنال الأوسمة والدروع، والشهادات بما يستحق.

هنئياً لفلسطين بشاعر اسمه سميح، فهو على درب السابقين الأوائل من ابناء فلسطين الأوفياء الذين لم يبخلوا بفكرهم وعطائهم من أجل فلسطين الأرض وفلسطين الإنسان وفلسطين الثورة والمقاومة.

وقبل اثنين وأربعين عاماً قال قصيدة لغزة:

الغول والعنقاء والدم والشباك

والنسي والخل الوفي

من أول الدنيا هناك لآخر الدنيا هناك.

وجبينها العالي كسارية تعود ولا تعود من سقف أعمدة الدخان ..

وأنا أقاسمها وفي عنقي سلاسل موتي الآني ..

أسألها وسور السجن يلعق عاره: ما أنتِ؟ .. من؟ ..

أمدينة أم موقع متقدم في جبهة نقشت على صدور جنودها الشجعان كل الأسلحة ..

وعلى صدور جنودها الشجعان ذلت ذلت كل الأسلحة ..

ما أنتِ؟ .. من؟ .. أمدينة أم مذبحة؟! ..

الليل والأسلاك إليكِ

ولا أزال يا حبيّ المحفور طفلاً لاهياً في ساحتك

وفتى ينازل غاصبيك على تراب أزقتك

وأنا القتيل على الرصيف

وأنا الأشداء الوقوف

وأنا البيوت .. البرتقال .. أنا العذاب .. أنا الصمود.. أنا المئات .. أنا الألوف

اليوم صار على المحبين اختيار الموت أو أبد الفراق

اليوم عرس الدم المراق

وأنا وأنتِ نعيش يا حبي المقاوم أو نموت .. نعيش يا حبي المقاوم أو نموت.

وأنقل هنا ما كتبه يوسف الشايب في لقاء مع الشاعر قبل أيام قليلة، وتحديداً بعد الحب الأخيرة على غزة حيث يقول القاسم : " غزةُ تُبكينا لأنَّها فينا .. نحنُ لا نستحقُّ شيئاً أكثر من الخجل!!"،

وقال القاسم ساخراً "حين يجتمع السيد بان كي مون ووزير الخارجية الأميركي السيد جون كيري، للبحث في ”هدنة انسانية“ لساعة او لساعتين، لمعاجلة الجرحى والمرضى في قطاع غزة المنكوب، فان هذه الحالة لا تخلو من ”المسخرة“ والاستخفاف بحياة البشر المتعرضين لخطر حرب هم وقودها دائما، مشدداً: كان على السادة "الكبار" ان يعملوا بمنتهى الجدية، ليس لتحقيق "هدنة انسانية" مقتضبة.. كان عليهم ان يفرضوا الحل السلمي الضروري لإخراج المدنيينالأبرياء من دوامة الموت والدم والدمار والعذاب".

وأختم بجزءٍ من قصيدة قالها الشاعر عام 2009 بعد الحرب على غزة:

غزة ما ما ماتت في الفجر الحزين

غزة ولادة من أشلاء الياسين

طوبى لها أم الصامدين

غزة أزهرت ثمارها   على جسد مثقب بالرصاص

نوافذ صدره تُطل على الآتي من جياد النصر المبين

وقبل أن أختم أقول: في جعبتي الكثير الكثير عن سميح، ولكن المجال أرحب لكل الكتّاب ليدلوا بما لديهم عن هذه القامة الشعرية والأدبية التي افتقدتها فلسطين، وافتقدتها الأمة العربية بل والعالم المحب للإنسانية والسلام .

كما كنت في حياتك محباً لك، وفياً لشعرك من خلال الدراسة والتحليل، سأبقى كذلك لك، كما أنا بالنسبة للشاعرة فدوى طوقان ومحود درويش وكل شعراء فلسطين .

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد