مقالات

أسمارٌ وفناجينُ قَهْوة 2- أبوالوليد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أسمار_ عجائب وعِبر

فراخٌ في رأس امرأة:

حدثنا رفيقٌ من الرفاقِ قبلَ بضعِ سنينَ خلتْ في بعضِ البلادِ الأوربيّةِ قال: كنا في مجلسِ سَمرٍ قبلَ أيامٍ وقد أخذ الحديثُ بنا في أوْديةٍ شتى؛ فقال واحدٌ منا: لو أنكم حَدّثتُمونا بِبَعضِ ما رأَيْتُمْ في هذه البلادِ من غرائبِ الصنائعِ ونَوَادِرِها؛ وأَحْوالِ الناسِ وبَوادِرِها؛ لِنَقطعَ الوقتَ فيما لا يَخلُو عن فائدةٍ وإن كانتْ تَرويحاً للنفسِ من عناء الحياةِ وتعَبها؛ شريطةَ أن لا يُجاوزَ ذلك حدودَ الأدبِ ولا ما يَتسامحُ الفضلاءُ في مثله؛ كما نبه عليه الماوَرْدِيُُّ في أدبِ الدنيا والدين؛ فإنه متى كان كذلك بَعثَ الهِمَمَ؛ وشحذَ العزائمَ؛ وأكسبَ النفسَ خِفّةً ونشاطاً فاستأنَفَتِ الحياةَ قُدُما من جديد.

فقال قائل منهم: ركبنا القاطرةَ قبل أيام؛ والوقتُ وقتُ عملٍ وزحام؛ فلما صرنا إلى بَعضِ محطاتِ الطريقِ صَعِدَ إلى عَربَتِنا ( ولك أن تقولَ إلى مَقطُورَتِنا ) رَجلُ وامرأةٌ كِلاهما في مُنتَصفِ العِقدِ الخامِسِ من العُمر، وجلسا في المقعدِ المقابِلِ لنا، فلم أَسْتطعْ يا رِفاقُ الامْتِناعَ عن الضحِكِ حتى بدتْ نواجِذِي – خاصةً وأن الضحكَ من الحرياتِ التي يَحْميها قانونُ تلكَ البلاد - حينَ رأيتُ المرأةَ وقد انتَصَبَتْ كلُّ شعَرةٍ من شعراتِ رأسها قائمَةً على قدمٍ وساقٍ؛ بَعْدَ أن أحكمَ الحلاقُ المُتَفَنِّنُ قصّهُ وتكْعِيبَ زَوَاياهُ وتَشذيبَ أَطْرافِهِ حتى صارَ على هيئةِ أشجارِ الزينَةِ التي تُحاطُ بها الحدائقُ وبَساتِينُ النزهة!؛ وقدْ صَبَغَهُ بِعَشَرةِ ألوانٍ أو يَزيد؛ وجَعلَ لكل قِطْعَةٍ منه لَوناً!؛ فَكأنّما يَحكي بَعْضَ ذلك العلامَةُ ابنُ الوَنّانِ حينَ يقولُ في الشمَقْمَقِيّةِ:

فابْتسمت أغْصانُها عن أبْيَضٍ     وأحمرٍ وأصفرٍ وأزرقِ!!.

فقلتُ لمحدّثي مازحاً: العامّةُ في دوَلِ شرقِ آسيا يَصنَعُونَ هذا مع (كتاكيت) الدجاجِ حينَ تَخرجُ من بُيُوضِها؛ فَيَصْبِغُونَ كلَّ واحدٍ منها بِلونٍ بَرّاقٍ فاقعٍ؛ وفي رأسِ (المَحْروسَةِ) عَشَرةٌ من الصيصانِ كاملة!!.

الرجلُ الأرنب:

قال مُحدثي: فاستدركَ بعضُ الحاضرينَ عليه؛ وقال: لقدْ حدَّثتَ عن عَجب!؛ غيرَ أن الذي رأيتُهُ أنا أعجبُ وأغْرب..!.

قال: كنتُ يوما أسيرُ في سُوقٍ من أَسواقِ البلدة؛ وقد ازدحَمَتِ الأرْصفةُ بالمارّةِ بينَ غادٍ ورائح؛ وكلٌّ منهم يسعى في طَلَبِ حاجَتِهِ يرى أنها أَعَزُّ من حاجةِ غيرهِ وأولى؛ إذ سَمِعْتُ وقعَ ثقلٍ على الأرضِ؛ فالتَفَتُّ ناحِيَتَهُ؛ فإذا رجلٌ بِشارِبٍ!.. قدْ رُبِطَ عُنُقُهُ بِسِلْسِلَةٍ طَرفُها الآخَرُ بِيَدِ امرأةٍ تتقدّمُهُ وتقوده!.

والطريف في الأمر: أن المَقرُونَ بالسلسِلةِ قد جمعَ كفّيْهِ وجَعَلَ ظاهِرَهما مما يَلِي وجْهه؛ ورَصّ قدمَيهِ؛ وثنى قليلاً رُكْبتَيْهِ؛ وهو يَقفِزُ قفزاً على رِجْلَيْهِ؛ يُحاكي بذلك صَنيعَ الأرنب!!.

فما ملكتُ نفسي _ والذي ملكَ نَفْسي _ أنْ ضَحِكْتُ تَبَسُّماً؛ وقلتُ مُعَلِّقاً: قلدَ الأرنَبَ في مِشْيَتِهِ وهَيْئَتِهِ؛ وعجِزَ عن التّشَبُّهِ به في محاسنِ صفاتِهِ!، وأستطيعُ أن أسردَ لكَ صَفَحَاتٍ وصفَحات في تفضيلِ الأرانبِ على الأَجانبِ، وعلى المُسَلْسَلِ المقرون!.

وأرى يا صاحِبي أنّ الأرانِبَ كثيراً ما تُظْلَمُ في زَمانِنا هذا حينَ يَضْربُ بها الناسُ المَثَلَ في الذلّةِ والخُنُوع، ولو كانَ لي على الأرانِبِ سُلْطانٌ؛ أو كانَ لي إلى خِطابِها وَسِيلَةٌ كما كانَ لِسُلَيْمانَ عليهِ السلامُ لاقْتَرَحْتُ عليها رَفعَ دَعْوى في هذه المَظْلَمَة!؛ فإنّنِي لا أعْلَمُ في الأرانِبِ على حُسْنِ مَعْرفَتِي بها وبِتارِيخِها وطَبائِعِها وَصِفاتِها ونُظُمِها الحَياتِيّةِ والاجْتِماعِيّةِ أنّ عِكْرِشَةً ( وهي أُنْثَى الأرنَبِ ) تَقودُ أرنباً ذكراً!؛ ومنْ عُنُقِهِ أيضاً!!؛ أعوذُ بالله مِنْ أن أَفْتَريَ على الأرانِبِ ما لا يَكُونُ أبداً!؛ والعُذْرُ لأُمّةِ الأرانبِ حُكُومَةً وشَعْباً!!!.

بلْ لا أعْلَمُ عن الأرانبِ إلاّ أنها شَدِيدَةُ الغَيْرَةِ على إناثِها!؛ ولَقدْ رأيتُ مرةً أرنباً أنْشَبَ أظفارَهُ في ظَهْرِ أرنبٍ آخر؛ وهو يَرفعُهُ ويضربُ به الأرضَ مَرّةً بعدَ أخرى لأنه حاولَ الاقْتِرابَ من أُنثاه!.

يَمْشونَ على وجُوههم:

رجعَ الحديثُ إلى رفيقي وقال: ثم قاطَعَ المجْلِسَ ثالثٌ وأتى بِثالِثةِ الأعاجيب؛ ورَوى عن جِيرانٍ له من عِلْيَةِ أهلِ البلادِ وعُظَمائِهم إذا كانتْ أيامُ العَمَلِ من الأُسْبوع رَأيْتَهم في دُورِهِم ومَكاتِبِهم ومَراكِبِهم تُعْجِبُكَ أجسامُهمْ وإن يقولوا تَسمعْ لِقَوْلِهم، قد أُوتُوا من حُسْنِ الصورَةِ وجَمالِ الهَيْئَةِ ما تَخالُهُم مَعَهُ قد أخذوا بأطرافِ السعادَةِ وجمعوا منها ما تَنَاثَرَ وتَفَرّق!

فإذا آذنَ الأسبوعُ بالانْصِرامِ وبَقِيَتْ منه ليلتا السبتِ والأحد؛ رأيتَهمْ في تِلْكَ الليْلتَينِ عاكِفينَ على شَرابٍ لهم أَصْفَرِ اللونِ يَسوءُ الناظِرين؛ أقْرَبُ ما يُشَبّهُ بِهِ أكرَمَكُمُ الله كما سَمِعْتُهُ مِن بعِضِ الأُدَباءِ بَوْلُ أبي صابِر!؛ (وهي كُنْيَةُ الحمار)؛ بَلْ إن بَعْضَ العُلُماءِ صَنّفَ في ذَمِّهِ كتاباً عَجَباً، فلا يَزالونَ يَتَعاطَوْنَ مِنْهُ الكاسَ بعد الكاسَ؛ حتى يَميلَ العُنُقُ والراس!؛ وتَزيغَ منهم الأبْصارُ؛ وتَزِلَّ عن أماكِنِها العُقُول!.

قُلْتُ لٍصاحِبي مُداعِباً: لا لَوْمَ عليكَ في تَشبيهكَ الذي ذكرتْ، فقدْ حدثني بعضُ من هداهمُ الله تعالى في تلكَ البلادِ؛ أنهم كانوا في جاهِلِيَّتِهم يُصاحِبُونَ قوماً من أولئك؛ فيدْخُلونَ دورَهمْ في غيابِهم، فيجِدُون دِنانَ الخَمرِ مَلأى؛ فيشْربونَ مِنها؛ ثم يَبولونَ فيها!؛ لئلاّ يعلمَ أصحابُ الدورِ أنهم شربوا منهاَ!؛ فهاتِ بَقيَّةَ القصة.

قال: فوالله الذي لا إله غيرُهُ ولا رب سواه؛ لقدْ رأَيتُ الواحدَ من هؤلاءِ يُغادِرُ عندَ الفجرِ من مَجْلِسِهِ ذاك فلا يَبْلغُ بابَ الحانَةِ حتى يَخِرَّ صريعاً لوَجهِهِ وفَمِهِ!؛ فيجَرَّ إلى منزِلِهِ جراً؛ وهو في حالتِهِ تلكَ لا يَحولُ عنها ولا يَزولُ!!.

قال: فتلَوْتُ قولَ الله تعالى: {أفَمَن يَمْشي مُكِبّاًً عَلَى وَجِْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَويّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

درسٌ بلا ثَمَن:

راقَتْ لي حِكاياتُ مُحَدّثِي؛ معَ أَنّنِي شاهدْتُ مثيلاتٍ لها، وأقطَعُ أنّ كثيرينَ قد رأَوْا مِنْها ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى؛ ممّا يدخُلُ كلُّهُ في بابِ (فَرْفَشَةِ الكَئيب)!؛ ويصلُحُ ذيلاً لكتابِ الأستاذِ القرنِيِّ (لا تَحزن)؛ أو فَصْلاً مُتَمما لِفصُوله!.

ولا غَرابَةَ متى عَرَفْتَ أن البُعْدَ عن النهجِ السوِيِّ في الحياةِ؛ وانحِرافَ الإنسانِ عن هُدَى اللهِ سُبْحانَهُ له يَجْعَلُ في النَّفسِ رُكاماً هائلاً من التناقُضاتِ؛ واضطراباً في الأفكارِ والمفاهيم؛ وصِراعاً لا يَنْتَهي معَ سُنَنِ الله الكونِيَّةِ وسُنَنِهِ الشرعِيَّةِ؛ فلا يَستقيمُ له حالٌ ولا يَهْدأُ له بال.

غيرَ أنّني تعلمتُ من الحياةِ درساً عَزيزَ المَنال!؛ وهو أن أقرأَ الحِكْمَةَ في كلِّ ما يقعُ حَولي وما أراهُ مَهْما خَفِيَ وجْهُها عَنِ الآخَرينَ؛ فإنّ الحكمَةَ عادَةً لا تَكونُ إلا على هذه الشاكِلَةِ تَسْتَبْطِنُ الحوادِثَ وتَكْمُنُ في أَعْماقِها؛ فلا يَقْدُرُ عليها إلاّ أفرادٌ من الناسِ؛ ومن يُؤتَ الحِكْمَةَ فقد أوتِيَ خيراً كثيراً.

ومن سَعادَةِ المرْءِ اسْتِلْهامُ المواعِظِ من كلِّ ما يَقعُ حولَه؛ وإلقاءُ السمعِ لدُروسِ الحياة، وسَتَرى يا صاحِ أن (الفَرْفشَةَ) على شِدَّةِ الحاجَةِ إليها في زماننا؛ هيَ آخرُ فوائدِ هذا الدرسِ رتْبَةً وأَقَلُّهنّ شأناً.

الواحدُ والأمّة:    

والحقَّ أقولُ لك: إن ثمارَ هذه القَصص أكثرُ من أن أحيطَ بها في (حديثِ سَمر)؛ غيرَ أنني سأتناولُ ثلاثَةً منْهنّ أراهُنّ من أحسَنِ الثمارِ وأبْهاهُنَّ مَنْظراً:

فباكُورَةُ الثمار: أنّ بِناءَ كلَِ مُجْتَمَعٍ وأمّة إنما يتمّ بِمَجْموعِ ما فيه من المِنَحِ والمَوَاهِبِ والمَزَاياَ والعَطايا حتى تلتَقِيَ كَلُّها في مَحَلٍّ واحدٍ لِقاءَ تَوافُقٍ وتَناسُق لا لِقاءَ تَضادٍّ وتَنافر، وكلُّ خللٍ يعْرضُ لفردٍ من أَفْرادِ المُجتَمعِ فإنما يعودُ بالضرر على المَجْموع؛ وقد تقرّرَ في علم سياسَةِ الأمَمِ وبِناءِ الدول أنّ سياسةَ الأُمَّةِ مَقِيسَةٌ بِسياسَةِ الفرد، فمتى كثر في أمةٍ من الأممِ مثلُ هذه النماذجِ دَلَّ على خَلَلٍ في مَفاهيمِها؛ واضطرابٍ في تَصَوُّراتِها؛ وتَصدُّعِ في أركانِها، وسَرَى الفسادُ إلى أعضائِها شيئاً بعد شيء؛ كما يَسري المرضُ في أعضاءِ المريضِ عضْواً بعدَ عضْو؛ فكُلَّما تمَكّنَ من عُضْوٍ أصابَهُ الشللُ والضُّمورُ حتى يَنتَهيَ بالجسدِ إلى الزوالِ والفناء.

وهذا يدلُّكَ على النهايَةِ الحتْمِيَّةِ التي تسيرُ إليها المُجْتَمَعاتُ الغَرْبِيَّةُ!؛ وإنْ حَسِبَ الناسُ غيرَ هذا؛ لأنهم لا يَزالُونَ يَرَوْنَها قائمَةً ناهِضَةً، وفاتَهمْ أنّ أعمارَ الأمَمِ لا تُقاسَ بأعْمارِ الأفْراد؛ بل مُقتَضىَ ما أشَرْتُ إليه في قاعدةِ سِياسَةِ الأمم أن كلَّ سَنَةٍ في عمرِ الفردِ يقابِلُهُ جيلٌ في عُمُرِ الأمة.

وبهذا تعلمُ أيضاً مِقدارَ الخطَرِ الذي يُحيطُ بالأمةِ المُسلمَةِ في سَرَيانِ رُوحِ التقليدِ فيها لِتِلْكَ الأُمَمِ بلا حِساب!؛ على أنّ التقليدَ سُنَّةٌ أيضاً من سُننِ الحياةِ الاجتِماعِيَّةِ كما وَضَّحَهُ ابنُ خلدونَ في المُقدِّمَةِ المَشْهورة؛ غيرَ أن منه ما ينْفعُ ومنه ما يضُرُّ؛ فافْهم.

أساسٌ في السعادة:

 وبِقدْرِ ما تَبْذله أمةٌ من الأمم من الجدِّ في الحياةِ والمُثابَرَةِ في العَمَل تَنالُ من مِنَ الحُظْوَةِ والمكانَةِ بينَ الأمَمِ؛ ويَتحققُ لها من أسبابِ السعادَةِ ما قدِّرَ لها، وقد كشفتْ أبحاثٌ النقابَ عن أنّ أسعَدَ الناسِ بالحياةِ – والمرْءُ بِتَقْوَى الله يَسعد – أكثرُهم جدّاً ونشاطاً واستِغْلالاً لأوقاتِهم وإقبالاً على شُئُونِهم بِعزيمَةٍ عالِيَةٍ وهِمَّةٍ ماضية!، وسياسُةُ الأمة كما قلتُ لك تُعْتَبَرُ بِسِياسَةِ الفرد، فاعتبِرْ إذنْ أسبابَ سعادَةِ الأمةِ بأسبابِ سعادَةِ الفردِ كما نَبّهْتُكَ عليه.

ويَنْتُجُ من هذه المُقَدِّمَةِ أن الأُمَّةَ التي أُوكِلَتْ إليها مُهِمَّةُ الريادَةِ بينَ الأُمم لا يَصْلُحُ لها البَتّةَ حياةُ اللهوِ واللعب والتَّرَفِ والتعلُّقِ بِسَفْسافِ الأمورِ ومُحَقَّرِاتِ المَقاصد!؛ فإن ذلكَ نقصٌ في العقولِ وانْحِطاطٌ في الهِمم، بلْ لا يَسَعُ الأمةَ الجادّةَ العامِلةَ أن تَسْتَغْرقَ من أوقاتِها في المُباحاتِ أكثَرَ من نِسْبَةِ المِلْحِ في الطعام!؛ فكيفَ بالممنُوعِ المَحظُور؟!؛ وكيفَ بخيرِ أمة أخرجتْ للناس.

ونَظْرةً واحدَةً في كتابِ الأغانِي لأبي الفرجِ الأصفهانِيِّ الذي ألِّفَ زَمنَ العباسِيينَ في العَصرِ الثاني من دَوْلَتِهم؛ أو في كتبِ الأدبِ الخاويةِ من الأدبِ!؛ التي ألفتْ زمنَ الأندلسيينَ؛ ومع هذا وقبله وبعدهُ من الكتبِ يظهرْ لكَ جَلِيّاً واضِحاً أحدُ أهم أسبابِ فناءِ تلكَ الأُمم وزوالِ هاتيكَ الدول، واعتَبرْ أيامَنا بأيامِهم وحالَ خاصتِنا بِخَاصّتِهم وعامّتِنَا بعامّتِهم يَنْتُجْ لك في الأصلِ والفرعِ حُكْمٌ واحِدٌ لا يتَخَلّف!. وهذه هي الثمرة الثانية.   

وثالثةُ الثمار:

إن كثيراً من الناسِ يظُنُّونَ أن السعادَةَ مَنُوطَةٌ بالتقوى المُجَرَّدَةِ عن التعبُّدِ بالسبَب!، وأن التقوى مَحْصورَةٌ في الصلاةِ والذكرِ والدعاء!، أو في العبَاداتِ دُونَ المُعامَلاتِ؛ أو في سَعْيِ المرْءِ في مَصالحِ نَفسِهِ دونَ مَصالحِ الأمةِ والمَجْموع!، وكأنّما كانَ هذا الظنُّ جواباً عنْ مثلِ تلكَ النماذجِ التي أشرنا إليها في فاتِحةِ (السمر)؛ وغابَ عنهم أنّ السعادَةَ في الدارَينِ مَنُوطَةٌ بِجُمْلةٍ من الأسْبابِ منها ما تَركُوهُ وضَيَّعوه!؛ لا ما أخذوا به فحَسْبُ!.

وهذا الظنُّ أوْرثَهمْ ظَناً آخرَ!؛ وهو أن الأسبابَ التي أخذتْ بها الأممُ الغربِيةُ من أنواعِ العلومِ والمعارِفِ والمَهارَاتِ وانْتَزَعَتْ بِها القِيادَةَ من أَهْلِها لا تَعَلُّقَ لها بِِبِنَاءِ الأُمّةِ ولا سَعادَتِها بِحال؛ بل هي ضرْبٌ من الابْتِلاءِ وظاهِرٌ من الحياةِ الدنيا يَجِبُ نبْذُهُ والإعْراضُ عنه!!.

وعلى النقيضِ من هؤلاءِ فريقٌ آخرُ قابلَ الجَهْلَ بالجَهلِ؛ وحَسِبَ الفريقَ الأولَ مثالَ الإسلامِ الأعْلى؛ فاتّهمَ الإسلامَ زوراً بالعَداءِ للعلم والمَعْرفة؛ حتّى افْتُرَضَ الإسلامُ سبباً لتَخَلُّفِ الأمَّةِ في أذهانِ أممٍ لا تُعدُّ ولا تُحْصى!!!.

والفريقانِ وإن كانا مُسْتَحِقَّينِ للّومِ؛ فإن الفريقَ الأولَ يَتَحَمِّلُ مِن التبِعَةِ الكِفْلَ الأكبر؛ لأنهُ الذي ورِثَ حِمْلَ الأمانةِ؛ واضطلعَ بِدَورِ إبلاغِها للناس، فكانَ عليه أن يأخذها بِحقِّها أو فَلْيَدَعْها.

وما هؤلاء ولا هؤلاءِ بإمامٍ مُبينٍ ولا سبيلٍ مُقِيم؛ بل كلُّ علمٍ نافعٍ وكلُّ معْرِفةٍ سُنَنيّةٍ كونيةٍ فهي من الأسبابِ التي تشتركُ فيها الأمم في البِناءِ وطَلَبِ السعادَةِ اشتِرَاكَها في الأسبابِ المنْظُورَةِ التي لا تَخْفى على أحد؛ كدفعِ المرض بالتداوي؛ والجوعِ بالطعام.

والإسلامُ أعظمُ الأديانِ السماويَّةِ حثّاً على ذلكَ وتَحْريضاً عليه؛ وفي كتابِ الله تعالى أكثرُ من ألفِ آية تُنبِّهُ إلى كنوزِ الكونِ وما أودِعَ فيها من الأسرارِ والحكمِ مما يُفَتِّقَ الأذهانَ وتَمْتَلِئُ به العُقُولُ والنفوسُ إشراقاً ونوراً؛ والحياةُ سعادةً وبَهاءً.

                                         وبالله وحده التوفيق.

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ خالد فتحي خالد حسين قاسم الأغا

اظهر المزيد