مقالات

خان يونس : مدينة واكبت التاريخ بقلم أ. عاصم كمال الأغا


خان يونس : مدينة واكبت التاريخ !
ـــــــــــــ
* بقلم: عاصم كمال الأغا. 
[1] لم يتعرض تاريخ شعب من شعوب العالم, لمثل ما تعرض له تاريخ الشعب الفلسطيني, من إهمال وتدمير ونهب وتشويه، على يد فئة مضللة من المؤرخين، وبعض علماء الآثار، الذين يستمدون دعماً من تراث توراتي، هيمن على الدراسات التاريخية، وكذلك البحوث الأثرية، منذ القرن التاسع عشر الميلادي.  فقد دأب أُولئك على كتابة التاريخ الفلسطيني بمداد توراتي، بقصد اختلاق إسرائيل القديمة، وإسكات التاريخ الفلسطيني, حسب تعبير "كيث وايتلام".  ومن أجل هذا الهدف الشيطاني، عمد أولئك إلى إسدال الستائر على كل ما لم يجدوا فيه فائدة لخدمة هدفهم.  والأمثلة على ذلك كثيرة، منها تهميش الدور الحضاري الذي لعبته فلسطين، ومدنها في التشكيل التاريخي, ومن بينها خان يونس، التي ساقها القدر لتكون إحدى ضحايا التاريخ، بعد أن تعرضت للإهمال من الأثريين، والمؤرخين، لخلو التوراة من ذكرها، فخرجت من دائرة الاهتمام. 

[2] قدم في العصر الحجري وأُخرى في العصر الحديث "المملوكي" :
    من الشائع، أن خان يونس تعود بتاريخها إلى العهد المملوكي.  وهذا نصف الحقيقة,  أما النصف الآخر، فيفاجئ الباحث بأن تاريخها أقدم من هذا العهد بكثير، وليس أقل من القرن الخامس ق.م..  وهذا ما جاء على لسان أبو التاريخ، هيرودوت، ليقف الباحث تائهاً حائراً, لأن  الغموض يكتنف تاريخ المدينة، نظراً لما لاقته من إهمال علماء الآثار، والمؤرخين.  وإذا أُريد لنا أن نرفع الظلم عن هذه المدينة، ونُعيد لها بعض حقها، فلابد من وقفة عند الحضارات التي قامت على أرضها، وما جاورها من أراض. ولعل روابط شدتها إلى هذه الحضارات، ولا يُستبعد أنها أثرت في، وتأثرت بمحيطها الحضاري المجاور لها.  حتى أن جميع المعطيات الأثرية المتوفرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الجزء الجنوبي من فلسطين، تقع فيه خان يونس موقع القلب، ونقصد هنا المثلث العمراني، المتمثل في غزة شمالاً، ورفح جنوباً، وتل الفارعة شرقاً، وخان يونس في هذا المثلث، الذي توجد فيه – إلى الآن- قرى ومستوطنات قديمة، على سبيل المثال، خزاعة، وعبسان، ومعن، وتقع جميعها شرقي مدينة خان يونس الحالية.

    لربما تكون أقدم تلك الحضارات هي التي قامت على تل العجول، جنوبي مدينة غزة، في نهاية العصر الحجري الحديث، أي قبل أربعة آلاف سنة ق.م,  قد نمت ونشأت تلك الحضارة، في عهدها العربي الكنعاني. وتل العجول مدينة متكاملة، محاطة بأسوار ضخمة، يخترقها نفق، يصل طوله إلى حوالي خمسمائة قدم، كان الأهالي يلجئون إليه، وقت الشدة.  وقد عثر عالم الآثار "جنسيته فلندرزبيترى"، في هذا الموقع على أساسات، وبقايا مباني، ترجع للألف الثالث ق.م، فيما لا تقل عن هذا الموقع أهمية المواقع التي ظهرت في بئر السبع، القريبة من خان يونس.  ولعلها ظهرت في نفس فترة ظهور تل العجول، كما ظهرت، أيضاً، في بئر السبع مواقع أخرى، تعود أيضاً إلى الألف الثالث ق.م, وبقيت تؤدى دوراً هاماً في الألفين الثاني والأول ق.م، بدليل نشوء عدد من المدن الرئيسية حول كل من وادي الشريعة، والشلالة، الممتدين باتجاه الشرق والغرب. ومن أهم هذه المواقع تل الشريعة، وتل أبو هريرة، وتل جمة، وتل الفارعة (مدينة شاروهين).  ولعبت هذه المواقع دوراً بارزاً، في الفترة الهكسوسية، وكانت جميعها مسوًّرة، تماماً، مثل تل العجول، تحيطها جدران ضخمة، ليشملها الازدهار العمراني، والزراعي، طوال تلك الفترة، كما قام الهكسوس بترميم معظمها، حتى كاد تل الفارعة ينافس تل العجول، إذ غدا أول قاعدة عسكرية حصينة، استخدمها الهكسوس، واستمرت فيما بعد، آخر معاقلهم.  وبالإضافة إلى هذه الحضارات، التي جاورت خان يونس، ثمة حضارة نشأت في دير البلح الحالية، وهى موقع لمستوطنة بشرية قديمة، وإلى الجنوب منها اكتشفت مقبرة أثرية، تعود بتاريخها إلى العصر البرونزي الحديث.

لعلنا بهذه العُجالة السريعة نكون قد اقتربنا مما سعينا اليه في بداية دراستنا، وهو الربط بين تلك الحضارات وخان يونس، فإذا كانت مدينتنا، في تلك الأزمنة الموغلة، لم يرد لها ذكر في جميع الوثائق، فليس لأنها غير موجودة، بقدر ما هو عائد لعدم وجود أية عمليات، تنقيب أثرية جادة في موقع المدينة الحالي، للأسباب التي ذكرناها آنفا.  ومما يدعم رأينا هذا حادثة معروفة في التاريخ، وهى أن هيرودوت، الذي يعتبره كثير من المؤرخين "أبو التاريخ بلا منازع"، قد أسهب في الجزء الثاني من تاريخه في ذكر كل من سوريا، وفلسطين، حتى أنه لم يكتف بذكر البلاد ووصفها، بل  تطرق إلى أحوال سكانها، والمناطق التي هاجروا منها إلى سوريا، وفلسطين، وإليه يعُزى أن مكان المنطقة هو ذاك الذي هاجر إليه الكنعانيون من منطقة البحرين. ويُعزى اليه أيضا، إطلاق اسم "فلسطين" على الجزء الجنوبي من سوريا, لنجد في كتابه وصفاً لكثير من مدن فلسطين، ومنها خان يونس.  ومن اللافت للنظر أنه لم يأت أي ذكر لليهود في تاريخ هيرودوت، مع شموله تاريخ، وجغرافيا المنطقة، وعادات شعوبها، ودياناتهم، مما أربك تلك الطائفة من العلماء المكبلين بأفكارهم المسبقة، التي درسوها على أيدي التوراتيين، ووضعهم في حيرة، لا خلاص منها، فيما يخص التواجد اليهودي في فلسطين.  وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على عراقة خان يونس، وأنها أُنشئت في زمن يسبق الزمن الذي زارها فيه هيرودوت، بآمادٍ طويلة.  وليس مستبعداً أن تكون قد ولدت في الزمن الذي ولدت فيه جاراتها التي أسلفنا ذكرها، وهذا كله مرهون بما ستسفر عنه الحفريات الأثرية.  وإذا صحّ ما استنتجتاه، تكون خان يونس قد خضعت، شأنها شأن أخواتها في الجنوب الفلسطيني للحكم المصري، في حدود العام 1546 ق.م.  لقد دلت التنقيبات الأثرية التي قام بها "جنسيته فلندرز بيترى"، عام 1926، في تل جمة، القريب من خان يونس على آثار ترجع إلى "تحتمس الثالث" (1480 ق.م)،  ومن أنقاض وحفريات في تل الفارعة تم العثور على آثار تعود إلى رمسيس الأول (1318 ق.م.) كما وجدت آثار تعود إلى خلفائه من فراعين مصر.

    لابد أن خان يونس قد نالها ما نال شقيقاتها، في ذاك العهد، من حظ الازدهار، والعمران، نتيجة للعناية الفائقة التي أولاها المصريون لهذه المنطقة.  حتى أن غزة قد وُصفت بأنها العاصمة المصرية في "أرض كنعان".  وفي حوالي العام 1180 ق.م، خضعت، شأنها شأن مدن الساحل الفلسطيني التي ذكرتها المصادر التاريخية باسم شعوب البحر أو الفلسطينيين، حيث بلغت المدن الفلسطينية، التي كانت تحت سيطرتهم، ذروة مجدها الاقتصادي، والعمراني، بعد أن انصهر الوافدون الجدد بسكانها الكنعانيين، وظلت خان يونس محتفظة بسماتها الكنعانية، حتى في الفترة التي تضعضعت فيها السيطرة الفلسطينية، وغدا جنوب فلسطين يتأرجح بين الطرفين المصري والآشوري.  وعن هذه الفترة يذكر الباحث الفلسطيني المعاصر، سليم المبيض، في كتابة غزة وقطاعها، أن المناطق الواقعة جنوب غزة مباشرة، قد حكمتها وسيطرت عليها القبائل العربية التي سادت سطوتها، بشكل ملحوظ، وكانت أراضيهم معفاة من الضرائب.  ولعل ما جاء على لسان "هيرودوت".  الذي استقر في غزة، أواخر القرن الخامس ق.م، يضفى دلالة واضحة للجوانب الإدارية، والسياسية للمنطقة، إذ يقول: إن الأرض الممتدة من جنوب فينيقيا، حتى مدينة غزة، يسكنها سوريون، يسمون بالفلسطينيين، وجميع الموانئ من غزة إلى مدينة أينوسوس، تتبع ملك العرب، وتنتمي للسوريين.  والبلاد من أينوسوس (Genysus) إلى بحيرة سربونس (بحيرة البردويل حاليا).  هي أرض مصر، الممتدة من مدينة اينوسوس إلى جبل كسيون، وبحيرة سربونس، مسيرة ثلاثة أيام.  وهكذا نرى، بجلاء، أن مدينة غزة وجنوبها، ظلت متمسكة بملامح شخصيتها العربية الفلسطينية، بعد الكفاح المرير ضد القوى الآشورية، والبابلية المريرة، وزاد تكثيف العرب في جنوبها، حتى ازدهرت مدينة اينوسوس "خان يونس الحالية"، التي وُصفت بأنها من مدن العرب الرئيسية، الذين استطاعوا فيها احتواء واستيعاب الفلسطينيين، وامتصاصهم. ولعلّ (Genysus)، وهى اشتقاق من لفظ العسس، الذين هم نواة الجيوش العربية، كجنود مخافر أمامية، في ذلك الوقت، خاصة وأن هذه المدينة تقع على حد الصحراء.

[3] خان يونس المملوكية:
    منذ تلك الآونة، ظلت خان يونس تؤدى دورها الحضاري، إلى أن تدخل القدر, فبدأ نجم خان يونس في الأفول، ولعل سبب ذلك، تلاحق سلسلة من الأحداث الجسام، والكوارث الطبيعية، فيما لم تستطع المدينة أن تصمد أمام تلك الضربات القاسية المتلاحقة منذ ذلك الحين، فخرجت خان يونس من التاريخ، وبقيت موقعاً جغرافياً، حتى حان موعدها مع التاريخ، مرة أخرى، في العهد المملوكي، فدبت فيها الحياة من جديد، وكان ذلك في العام 789 هـ ـ 1387 م، أي في عهد السلطان المملوكي، سيف الدين برقوق، الذي عهد إلى أحد أُمرائه (يونس النوروزى)، الدويدار، وكان من كبار شخصيات المماليك، ببناء خان، على هيئة قلعة حصينة، وقد أتم الأمير ما عهد به إليه السلطان، على أحسن وجه وأتمه، ولا يزال هذا الخان يحمل اسمه حتى الآن، وهو الاسم الذي انتقل، لاحقا، إلى المدينة جميعها.  ويؤُثر عن هذا الخان أنه كان من أكبر وأفضل الخانات المقامة على الطريق، من مصر حتى حلب، إذ كان أشبه بمدينة صغيرة.  إن فهم القلعة يمكن أن يكون مدخلاً مناسباً لفهم الكثير عن خان يونس  نفسها، فأحياناً يشتمل الجزء على القانون الأساسي للكل.  إن مفتاح فهم خان يونس هو فهم تاريخها، وقد ترك هذا التاريخ بصماته على قلعتها التي تبلغ مساحتها حوالي ستة عشر دونماً، (دونم هو 1000 متر مربع)، صممت على شكل مربع طول الواحد من أضلاعه (5,85 متراً)، محاطة بسور خارجي من جهاتها الأربع,  وللسور بوابة واحدة ضخمة غربية، ذات قوس جميل، وعلى جدرانها آيات قرآنية، ورسومات، ترمز إلى بنائها، تتجه صوب البحر، على بعد أربعة كيلو مترات منه، ويليها مباشرة فسحة أُعدت للتدريب، والاستعراض، وإبدال نوبات الحراسة، ويلي الفسحة سور داخلي للقلعة به بوابة، وبعده تتوزع مساكن للجنود، وأسرهم على يسار البوابة، وعلى يمين الداخل من البوابة الرئيسية الغربية، وكانت تقع الإسطبلات المخصصة لخيول حامية القلعة، والوافدين إليها.  ومن منشآت القلعة، ذلك الفندق الذي أُعد لإيواء المسافرين، والتجار، ورجال القوافل، ورسل السلطان، وعساكره، وفى مدخل القلعة، وعند سورها الخارجي، أُقيم مسجد تقام فيه الصلاة، وكان جزءاً أساسياً من القلعة، يقع على يسار البوابة الرئيسية، ويتكون من طابقين وله مئذنة مرتفعة وبوابتان، أما سقفه فقد كان مقبباً.  تكونت القلعة من طابقين، في الطابق العلوي، بجوار المسجد، ثمة مسكن رئيس الحامية العسكرية، أما سور القلعة فكان له أربعة أبواب مستديرة الشكل، وفى الأبراج، وفي بعض جهات السور فتحات مخصصة للمراقبة والدفاع عن القلعة، وقد اعتمد سكان القلعة في توفير حاجتهم من المياه على بئرين، أحدهما داخل القلعة، لاستخدامه في حال حصارها، أما البئر الأخرى فيقف خارج أسوار القلعة، لاستخدامه في أوقات السلم.  لقد غدا هذا الخان أو القلعة ملاذاً وحصناً للتجار، وأصحاب القوافل، وما لبث أن اجتمعت فيه الخلائق، الذين يقومون بخدمة القوافل، أو يستفيدون منها، بأي سبب من أسباب الرزق والحياة.  وهكذا ظهرت حول هذا الخان محلة عامرة، ثم صارت قرية زاهرة، قبل أن ترتفع إلى ما فوق رتبة القرية، وأخيراً إلى درجة المدينة، حققت قفزاتها البعيدة، كأنما أريد لها أن تعوض ما فاتها، طوال قرون الغياب، في عشرات محدودة من السنين.  وهكذا، نجد أن القفز سمة لازمت تاريخ خان يونس الطويل.  وهل نُبالغ إذا قلنا أن خان يونس نموذج للقدرة على مواكبة التاريخ؟!
 
[4] خان يونس في العهد المملوكي والعثماني:
    لم يعمر مؤسس خان يونس "يونس الدويدار" طويلاً، بعد الانتهاء من بناء قلعته، أو خانه، الذي ظل يحمل اسمه، على مدى الأجيال، والعصور، إذ قُتل، بعد ذلك بعام واحد، وقيل إنه دفن بنواحي دمشق، ولم يُعرف له قبر، ولا يهم كثيراً من الباقي، ومن المدفون، ولكن المهم أن خان يونس باتت مؤهلة لأن تمثل مكاناً على الخريطة في الشام، واعترفت بوجودها السلطة المملوكية، وأصبح يفرد لها ذكر في مصادر التاريخ.  ومن أهم حوادثها، بعد تأسيسها، تلك الفتنة الكبرى التي حدثت في عهد سلطان مصر المملوكي، الأشراف سيف الدين قايتباي، فقد قامت في عهده، فتنة بين طائفتين من المماليك عانت كل منهما تحت قيادة قائدين متعاديين، هما قانصوة خمسمائة، وأقبردي الدويدار.  ولما هزم الأخير في غزة، وأقام عند نائبها، أقباي الطويل، ثم حدث أن التقى الخصمان في خان يونس، انكسر أقبردي، ثانية، واضطر إلى التحصن بالخان، عام 902 هـ.  وفى أشد الأوقات، وأعسرها على أقبردي، وصلت خان يونس حملة بقيادة أقباي، نائب غزة، فأزال الحصار وهزم قانصوة، وقطع رأسه، كما قطع رؤوس الكثيرين من كبار جيشه.

ومن الأحداث المهمة التي شهدتها خان يونس، في بداية العهد العثماني، أن دارت على أرضها معركة خان يونس، بين العثمانيين والمماليك، حيث لم يلق العثمانيون، بعد انتصارهم في معركة "مرج دابق"، مقاومة مملوكية في بلاد الشام وانسحبت القوات المملوكية المتمركزة في المدن الشامية باتجاه مصر، لذلك سهل على العثمانيين احتلال أرجاء الشام، وحين عزم العثمانيون التوجه إلى مصر، أرسل المماليك حملة ضدهم، فاصطدموا بالعثمانيين، عند خان يونس، في 16 ذو القعدة 922 هـ/11ديسمبر 1516م، فهُزم المماليك، واتجه العثمانيون إلى مصر.
أدركت الخلافة العثمانية، للوهلة الأولى، أهمية موقع خان يونس، كونه الطريق للقوافل والحج، وحرصاً من تلك الخلافة على تكثيف المراكز الإدارية والنقاط الأمنية في فلسطين، لتأمين طرق القوافل، وسلامة الحجاج، وزوار القدس، والخليل وغيرها، فقد قامت الخلافة، لهذه الغاية بترميم قلعة خان يونس، فازدهرت المدينة في عهدهم، وتطورت، واتسعت مسؤولياتها، مما استدعى تعيين "كتخدا"، وقاض شرعي، وأمير للقلعة.  ويذكر الشيخ عثمان الطباع، في مخطوطة "إتحاف الأعزة" أن جد عائلة الآغا "حسين آغا" قد قدم من حلب، بعد أن استولى والى حلب على أملاكه هناك، ليلحقها بوقف المدرسة البهرامية، وعوضه عنها بأرض في غزة.  وكان حسين آغا كتخدا قلعة خان يونس، وقد شاءت الأقدار لخان يونس أن تفلت منها فرصة، لو قدر لها أن تتحقق لغيرت مجرى التاريخ.  فبعد أن أتم لنابليون الاستيلاء على مصر، عقد النية على غزو فلسطين، وسوريا، وبعد أن سقطت في يده العريش، واصل الجيش الفرنسي زحفه، وكان القائد الفرنسي، كليبر, في مقدمة الجيش، أما نابليون بونابرت، فقد تأخر عن الركب، ثم أسرع للالتحاق بجيشه، عند رفح، ولم يكن هناك أي دليل يشير على آثار كليبر، وجيشه، في ذاك الطريق، فزاد الشك على أن يكون الجيش قد ضل طريقه. 

وحث نابليون خطاه نحو خان يونس، غير أنه لم يعثر على أثر لجيشه، ووجد نابليون نفسه ورفاقه وحيدين أمام أهالي خان يونس، الذين لم يتعرفوا على هوية نابليون القائد الفرنسي الكبير، ولو علم الأهالي بهوية ذاك القائد، لقتلوه، أو أسروه, فخشي نابليون على نفسه، فاضطر إلى الفرار بجلده، بعيداً عن الأعين، ولم يلتق بجيشه إلا في اليوم التالي.
 
 
[5] خان يونس والانتداب البريطاني:
    تمكنت القوات البريطانية المحتلة من السيطرة، واحتلال المدينة، في 28 فبراير، شباط 1917.  وقد أتى هذا الاحتلال سيئ السمعة بوبائي الاحتلال، والكوليرا، فقضى الأخير على كثير من المواطنين.

    لقد مارس البريطانيون سياسيات عدوانية ضد الشعب الفلسطيني، منها سياسة فرق تسد الشهيرة، إلا أنه برغم هذه السياسات العدوانية، توحد الجميع ضد المحتل الغازي.  شارك أبناء خان يونس، مثل غيرهم من أبناء وطنهم، في مقاومة الجيش البريطاني المحتل، كما شاركوا في جميع الثورات الفلسطينية التي اندلعت ضد البريطانيين واليهود في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وخاصة ثورة فلسطين الكبرى والإضراب الكبير 1936-1939.

لقد قدمت خان يونس، مثل غيرها، وقوداً للثورة، ثواراً، وقوافل شهداء، وجرحى، وأسرى, فاندمج الثوار في الأهالي, والعكس صحيح، وقاوموا المحتل، ونسفوا طرقاته، ودمروا خطوط السكك الحديدية، التي تنقل مركباته، وجنوده، ومعداته، وذخائرها، ونصبوا الكمائن للقوافل البريطانية، وهاجموا المستوطنات اليهودية، مما دفع بسلطات الانتداب البريطاني إلى اتخاذ أقصى العقوبات بحق أبناء المدينة، فكان من نصيب قادة الثورة في المدينة النفي، وهم السادة: الشيخ سعيد حمدان الأغا (خطيب وإمام المسجد الكبير)، والحاج سليم الأغا (عميد آل الأغا)، والحاج مصطفى حسن الفرا (عميد آل الفرا) والسيد عبد الرحمن الفرا (رئيس البلدية)، وقد تم نفيهم إلى مدينتي سمخ وبيسان، التي كانت تكثر فيها المستنقعات والأمراض، لشدة الحرارة المصحوبة برطوبة عالية, كما نُسفت منازل الثوار، أو من يتعاونون معهم.  وكانوا يضعون أصابع الديناميت في أركان المنزل، فيتحول في لحظة إلى كومة من الحجارة، والأتربة.  وكانت قوات الاحتلال تضع الثوار في عربات صغيرة، تسير على خط السكة الحديد، قبل مرور القطار العسكري، بهدف تفجير الألغام التي يضعها الثوار فيهم، بدلاً من أن تنفجر في القطار المحمل بالجنود والذخائر, وكذلك مداهمة البيوت، والمساجد، دون الاعتبار لحرمة أو لدين، بحجة التفتيش، وفرض منع التجوال على المدن، ومنع السير في الطرقات، طوال أيام الأسبوع، وذلك بهدف السيطرة على الثورة. وهكذا امتزج تاريخ خان يونس بالبطولة، والشهادة، والمجد.

[6] خان يونس والعدوان الثلاثي: " إسرائيل – فرنسا- انجلترا":
    إن المسيرة الجهادية لهذه المدينة الباسلة أهلتها لاستيعاب دروس التاريخ، فكان الاعتداء الثلاثي على مصر وقطاع غزة في خريف عام 1956م الماثل في الأذهان، وفى بطون الكتب، مؤامرة حيكت ضد الأمة العربية، وكان ضحاياها كثيرون، ومنها مدينة خان يونس. ونظراً لضيق هذه الدراسة، لن نستطيع ذكر مآثر أهل خان يونس في مقاومة الغزاة فهي قصص في كتب التاريخ، وفى نفوس الشباب حية، وأبداً، لن تموت، وحسبنا أن نعرف انه لم تقترف في حق البشر كالجرائم التي اقترفها الإسرائيليون عند دخولهم مدينة خان يونس، في صباح 3/11/1956، إذ كان القتل كان جماعياً للمدنيين، وإعدام لم يسبق له مثيل، فتم قتل المرضى على أسرتهم في المستشفيات، والأطباء، أثناء تأديتهم للواجبات الإنسانية، والطلبة في المدارس، والفتيات والفتية، والأطفال، والنساء، والشيوخ في المنازل، والشوارع، حيث ذبح أكثر من ستمائة وثلاثة وعشرون شخصاً في تلك المجزرة البشعة. ملاحم شهدتها المدينة الباسلة، التي قاومت القوات الإسرائيلية مما اضطر تلك القوات لطلب المدد له سلاح الدبابات لتطلق إسرائيل، في صباح ذلك اليوم، أكثر من ثمانين ألف طلقة نار وحقد إسرائيلية,  ـ والحديث هنا لموشى ديان ـ، غير أن المدينة لم تستسلم، مما أجبر العدو إلى الاستعانة بسلاح الطيران، حيث وجهت للمدينة الباسلة ضربات جوية، أدت إلى شل مفاصل المقاومة، مما أدى إلى تمكن الأعداء منها، فعاثوا فيها قتلاً، وذبحاً، وفساداً.

لقد ارتكبت في خان يونس مجزرة تلو الأُخرى، خلَّفت مئات الشهداء، وآلاف الجرحى، والأرامل، والثكالى، ما جعل خالد الذكر الزعيم الراحل، جمال عبد الناصر يستشهد في خطاباته بكفاح مدينة خان يونس، عدة مرات.  كما قال ذات مرة "وفى خان يونس كانت هناك معركة عنيفة، استشهد فيها الكثير من المدنيين، وأثبت هذا الشعب أنه لم تؤثر فيه المحن، رغم علمه بانسحاب القوات المصرية وكانت خان يونس، كغيرها من المدن الفلسطينية والعربية، على موعد مع النكسة 1967". 

قال الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة.
الخامس من يونية
السادس من يونية
العاشر من يونية
كل المدن الحمقى قدمت الطاعة
إلا خان يونس
مَزِّق جدائلها
واقلب عاليها سافلها"
الموت الأحمر يحتد
وعيون صبايانا تنسج أحلام الغد
كانت نسوتنا يقذفن الحقد
غضباً يلهب كل الدبابات
ناراً تقصف بالطيارات
وتغنى فى الليل الأسود

رغم قلة التسليح، وفقدان الأسلحة المضادة للدبابات، لقن الفلسطينيون في خان يونس إسرائيل درساً في الصمود، والمقاومة.  ورغم سيطرة إسرائيل على المدينة، إلا أن شعلة المقاومة لم تخبو، في أي يوم من أيام الاحتلال المظلمة، فاستشهد المئات من أبنائها، وزج بالآلاف منهم في السجون، وصودرت الأراضي، ونسفت عشرات البيوت، وبالرغم من ذلك فقد كانت خان يونس من المدن التي فشل الإسرائيليون في السيطرة عليها، سيطرة تامة، وكان الجنود الإسرائيليون يتخوفون من دخولها، ولا يأمنون على أنفسهم فيها كغيرها من المدن الفلسطينية الملتهبة، حينما يكلفون بمهمات في قلب المدينة، فقد مارست المدينة النضال على امتداد تاريخها مع الاحتلال فى الانتفاضة الكبرى، فاشتد ساعد أبنائها، وعزائمهم، لقتال المحتلين، حتى أن وزير حربهم، آنذاك، إسحاق رابين كاد أن يُقتل على يد شاب، كان متربصاً به هو ومجموعة من رفاقه فألقى عليه حجراً كبيراً، من فوق أحد البنايات، قاصداً قتل الإرهابي رابين، الذي تحرك بسرعة، مغادراً المدينة، فاراً بجلده إلى بيته، وصرح للعالم أجمع، ولزوجته، ولبناته، أنه يتمنى أن "يستيقظ ليجد أن البحر قد ابتلع غزة" لما كانت تسبب له ولدولته من أرق وأزمة.  

    وقد آن الأوان لنعود من الزمان إلى المكان، ومن التاريخ إلى الجغرافيا.
[7) خان يونس في عيون الجغرافيين والرحالة الأجانب والعرب:
    لعل أول ذكر لخان يونس، كان على لسان هيرودوت (485-425 ق.م.)، حيث قال عنها إنها تقع جنوبي غزة، ثم ورد ذكرها، بعد ذلك على لسان الجغرافي الروماني، سترابون، (64-22 ق.م).  وفى أوائل القرن التاسع عشر زارها الرحالة "جنسيته روبنسن"، وسجل ملاحظاته عنها، في كتاب له، نشر عام 1938، وفيه رسم خريطة، ثَّبت عليها موقع المدينة، والى جانبها بين قوسين اسم المدينة القديمة "اينوسوس".  أما الرحالة والباحث الألماني، "شوماخر"، فربما كان أكثر من غيره اهتماماً بخان يونس، وذلك ضمن بحثه الميداني عن جنوب فلسطين، الذي نشره في عام 1886,  إذ أكد على وجود مدينة قديمة مكان خان يونس الحالية، ومما ذكره عن المدينة: " وعلى بعد مائة ياردة إلى الغرب من الجامع (جامع القلعة)، عثر على بقايا لبرج دائري، شيًّد بشكل متين، وربما يكون برجاً لساعة رومانية، وعلى أية حال، فإن تاريخ بنائه يرجع إلى فترة سابقة لتاريخ الخان".  ومن الذين زاروا خان يونس المستشرق، "موزيل"، في مطلع القرن العشرين، ونشر كتابه، في عام 1908م، وذكر من عائلاتها: الأسطل، والأغا، والعبادلة، والفرا، والبيك، والمصري، والشاعر، والسقا، وأبو جزر.  أما الرحالة البريطاني، "برجز"، فقد زارها، أيضا، في مطلع القرن العشرين، وقام برسم تقريبي بسيط للبوابة الرئيسة للقلعة، ولجزء من السور الغربي، والمئذنة، التي تهًّدم الجزء العلوي منها.

هذا عن الرحالة الأجانب، أما العرب فربما يكون الرحالة إبراهيم الحناوي هو أول من تحدث منهم عن خان يونس، وكان قد زار المدينة في عام 1081 هـ، وذكرها في كتاب "تحفة الأدباء وسلوة الغرباء"، إذ زارها وهو في طريقه من غزة إلى مصر، فقال عنها: "وفيها خان عامر، ومسجد، وسوق أمام الخان، وبيوت مسكونة إلى جوانبه".  وبعده قام بزيارتها العلامة الرحالة الشيخ عبد الغنى النابلسي، وذكرها في كتابه "الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز" فقال: "خان يونس هي أول حكم بلاد مصر، وفيه الآن جنود الغزو والعسكر المصري, وفى داخل خان يونس جامع لطيف، يصعد إليه بدرج من الحجارة، وفيه محراب، ومنبر معمور", وكانت زيارته لها حوالي عام 1105 هـ. وفى سنة 1143 هـ زارها الرحالة مصطفى أسعد اللقيمي الدمياطي" وذكرها في كتابه "سوانح الأنس برحلتي لوادي القدس"، ونظم فيها أبيات من الشعر يتغنى في محاسنها، وقال عنها: "وصلنا إلى الخان، وبتنا في قلعته المنيعة، نكحل العيون بميل السهر، وندير ما بيننا من كؤوس السمر".
ولا نجد ما نختتم به هذه الدراسة، خيراً مما نظمه اللقيمي فى مدينتنا لخان يونس:
نجــــــــم القرب قد لاحـــا                       وطيـب عرف الشــــذا من روحها فاحا
إذا كان مبــــتدأ القدس الشــريف به            والقــرب يؤنـس للأرواح أفراحــــا
في ليــــلة أذكرتنـــي ليلة بمـنى                 أجلو بها من شـراب الأنس اقداحـــــاً


ـ المراجع التي استند إليها الباحث في الدراسة:
(1)   الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، الدراسات الخاصة، بيروت 1990.
(2)   مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، الجزء الثاني، القسم الثاني، بيروت, دار الطليعة 1965.
(3)   سليم المبيض، غزة وقطاعها، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987.
(4)   الدكتور محمد على الفرا، خان يونس ماضيها وحاضرها، عمان، دار الكرمل 1998.
(5)   الدكتور إحسان خليل الأغا، خان يونس وشهدائها، 1997.
(6)   نبيل خالد الأغا، مدائن فلسطين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1993.
(7)   محمد شرًّاب، بلدانيات فلسطين, دمشق، 1987م.
(8)   محمد أديب العامري، عروبة فلسطين في التاريخ,  بيروت، منشورات المكتبة العصرية 1972.

* باحث في الشؤون الفلسطينية

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. عاصم كمال سعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد