مقالات

البيوت السعيدة- سعيد الشوربجي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام , وجعلنا من أهله وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله , وأحمده سبحانه وأشكره على نعمه , وأسأله المزيد من فضله وكرمه , وأشهد أنه أرسل محمدا بالهدى ودين الحق , لا اله إلا هو وحده لا شريك له .

أحبابي وأعزائي القراء المحترمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : ــ

فلقد وعدتكم أن أتواصل معكم بعد المقال الأول , وإنني اليوم أقدم لحضراتكم المقال الثاني في رسالتين سريعتين تتحدثان في موضوع واحد غاية في الأهمية , فالرسالة الأولى تتحدث عن :                  البيت السعيد

فكثير من الناس يطلب السعادة , ويلتمس الراحة وينشد الاستقرار وهدوء النفس والبال , كما يسعى في البعد عن أسباب الشقاء والاضطراب , ومثيرات القلق , لاسيما في البيوت ومع الأسرة . 

وأعلم أن كل ذلك لا يتحقق إلا بالإيمان بالله وحده , والتوكل عليه , وتفويض الأمور إليه , مع الأخذ بما وضعه من سنن وشرعه من أسباب .

أهمية بناء الأسرة والألفة في بيت الزوجية : ــ

إن من أعظم ما يؤثر في ذلك على الفرد وعلى الجماعة : بناء الآسرة واستقامتها على الحق , فالله سبحانه وتعالى بحكمته جعلها المأوى الكريم الذي هيأه للبشر من ذكر وأنثى يستقر فيه ويسكن إليه , فيقول جل شأنه [ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ] (الروم آية 21) ,  نعم ليسكن إليها , ولم يقل ليسكن معها , مما يؤكد معنى الاستقرار في السلوك , والهدوء في الشعور , ويحقق الراحة والطمأنينة بأسمى معانيها , فكلٌ من الزوجين يجد في صاحبه الهدوء عند القلق , والبشاشة عند الضيق .

إن أساس العلاقة الزوجية هو الصحبة والاقتران القائمان على الود والأنس والتآلف , إن هذه  العلاقة عميقة الجذور بعيدة الآماد , إنها أشبه ما تكون صلة للمرء بنفسه , بيّنها ربنا في كتابه بقوله [ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ] (البقرة 187) فضلا عما تهيئه هذه العلاقة من تربية البنين والبنات  التي لا تكون إلا في ظل أمومة حانية وأبوَه كادحة , وأيُ بيئة أزكى من هذا الجو الأسري الكريم ؟ .

دعائم بناء الأسرة المسلمة : ــ

عزيزي القارئ : هناك أمور كثيرة يقوم عليها بناء الأسرة المسلمة وتتوطد فيها العلاقة الزوجية , وتبتعد عنها رياح التفكك والانفصام .

 وأولى هذه الأمور: الإيمان بالله وتقواه :

 ويندرج تحت هذه الكلمة التمسك بعروة الإيمان الوثقى , الإيمان بالله واليوم الآخر , والخوف من الله المطَّلع على ما تكنُه الضمائر , ولزوم التقوى والمراقبة , والبعد عن الظلم والتعسف في طلب الحق [ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ] ( الطلاق آية 2ــ3) .

ويقوّي هذا الإيمان الاجتهاد في الطاعة والعبادة والحرص عليها , والتواصي بها بين الزوجين .

إن العلاقة بين الزوجين ليست علاقة دنيوية ماديه , ولا شهوانية بهيمية , إنها علاقة روحية كريمة , وحينما تصح هذه العلاقة وتصدق هذه الصلة , فإنها تمتد إلى الحياة الآخرة بعد الممات [ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ] ( الرعد 23)

وثاني هذه الأمور:  المعاشرة بالمعروف :

أخي الحبيب وسيدي الفاضل إن مما يحفظ هذه العلاقة ويحافظ عليها هو المعاشرة بالمعروف , ولا يتحقق ذلك إلا بمعرفة كل طرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات , وإن نشدان الكمال في البيت ولأهل البيت أمر متعذر , والأمل في استكمال كل الصفات فيهم أو في غيرهم شيء بعيد المنال في الطبع البشري , مــن أجل ذلك لا بد أن يكون للزوج دور في الحفاظ على بيت الزوجية والمعاشرة بالمعروف :

إن من رجاحة العقل ونضج التفكير توطين النفس على قبول بعض المضايقات , والغض عن بعض المنغصات , والرجل دائما مطالب بتصبير نفسه أكثر من المرأة , ولزاما عليك أن تعلم أنها ضعيفة في خلقها , إذا حوسبت على كل شيء عجزت عن كل شيء , والمبالغة في تقويمها يقود إلى كسرها , وكسرها طلاقها , فالاعوجاج في المرأة من أصل خلقتها , فلا بد من مسايرتها والصبر عليها , فعلى الرجل ألا يسترسل مع ما قد يظهر من مشاعر الضيق من أهله , وليصرف النظر عن بعض جوانب النقص فيهم , وعليه أن يتذكر لجوانب الخير فيهم وإنه لواجد في ذلك الشيء الكثير , وفي مثل هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " لا يبغض مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر" , وليتأنَ في ذلك كثيرا فلئن رأى بعض ما يكره فهو لا يدري أين أسباب الخير وموارد الإصلاح , يقول عز من قائل [وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً( النساء 19) .

وكيف تكون الراحة ؟ وأين يكون السَكن والمودة ؟ إذا كان ربُ البيت ثقيل الطبع , سيء العشرة ضيق الأفق , يغلبه حمق , ويعميه تعجُل , بطيء في الرضى , سريع في الغضب , إذا دخل فكثير المن , وإذا خرج فسيء الظن .

اعلم أخي الحبيب أن حسن العشرة وأسباب السعادة لا تكون إلا في اللين والبعد عن الظنون والأوهام التي لا أساس لها , إن الغيرة قد تذهب ببعض الناس إلى سوء ظن قد يحمله على تأويل الكلام والشك في التصرفات , مما ينغص العيش ويقلق البال من غير يقين [ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ] (الطلاق 6) .

كان هذا دورك يا سيدي في الحفاظ على بيت الزوجية والمعاشرة بالمعروف , ولا بد أن يكون هناك أيضا دور لك أنت يا سيدتي ويا أختي :

أما أنت أيتها الأخت المسلمة : فلتعلمي أن السعادة والمودة والرحمة لا تتم إلا حين تكونين ذات عفة ودين ــ وأحسبك كذلك ــ فالمرأة المسلمة الحريصة على بيتها وزوجها تعرف ما لها  فلا تتجاوزه و لا تتعداه , تستجيب لزوجها , فهو الذي له القوامة عليها يصونها ويحفظها وينفق عليها , فتجب طاعته وحفظه في نفسها وماله , تتقن عملها وتقوم به , وتعتني بنفسها وبيتها , فهي زوجة صالحة وأم شفيقة , رفيقة و رحيمة , راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها , تعترف بجميل زوجها ولا تتنكر لفضله وعشرته الحسنة , وقد حذرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك حيث قال : " رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء , يكفرن , قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : لا , يكفرن العشير, لو أحسنت لإحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط " .

فلا بد من غفران الزلات والغض عن الهفوات , لا تسيء إليه إذا حضر ولا تخنه إذا غاب .

بهذا يحصل التراضي وتدوم العشرة ويسود الإلف والمودة والرحمة " وأيما امرأة ماتت زوجها عنها راض دخلت الجنة " فاتقوا الله أيها الرجال في النساء , واتقوا الله أيتها النساء في الرجال , وأعلموا أنه بحصول الوئام تتوفر السعادة , ويتهيأ الجو الصالح للتربية , وينشأ البيت الكريم مليئا بالمودة , عامر بالتفاهم بين حنان الأمومة وحدب الأبوة , بعيدا عن صخب المنازعات والخلافات , وتطاول كل واحد على الآخر , فلا شقاق ولا نزاع  ولا إساءة إلى قريب أو بعيد .

واعلم أخي الحبيب , وأنت أختي المسلمة أن صلاح الأسرة طريق أمان الجماعة كلها , وهيهات أن يصلح مجتمع وهنت فيه حبال الأسرة , وقد امتن الله سبحانه بهذه النعمة , نعمة اجتماع الأسرة وتآلفها وترابطها فقال سبحانه [وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ] ( النحل 72) .

إن الزوجين وما بينهما من وطيد العلاقة , وإن الوالدين وما يترعرع في أحضانهما من بنين وبنات يمثلان حاضر أمة ومستقبلها , ومن ثم فإن الشيطان حين يفلح في فك روابط  أسرة فهو لا يهدم بيتا واحدا , ولا يحدث شرا محدودا , وإنما يوقع الأمة جمعاء في أذى مستعر وشر مستطير .

فرحم الله رجلا محمود السيرة , طيب السريرة , سهلا رفيقا , ليِنا رؤوفا , رحيما بأهله حازما في أمره , لا يكلف شططا ولا يرهق عسرا , ولا يهمل في مسؤولية .

ورحم الله امرأة لا تطلب غلطا ولا تكثر لغطا , صالحة قانتة , حافظة للغيب بما حفظ الله [ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا] (الفرقان 74) .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه الطيبين الطاهرين , وعلى أصحابه الغر الميامين , وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .

وأكتفي بهذا القدر اليوم , آملا أن أقرأ تعليقاتكم وتوجيهاتكم لي , راجيا أن أكون قد وفقت فيما كتبت وان يكون كلاما طيبا لا جارحا ولا لاذعا فإن كنت قد أصبت فمن الله وإن كنت قد أخطأت فمن نفسي والشيطان .

وأرجو المعذرة على تقصيري ونسياني وعدم استيفاء الموضوع لأن الكمال لله وحده

  وأظنك يا عزيزي ستقول أين الرسالة الثانية , أعلم انك تبحث عنها , لكنني أجلتها إلى لقاء آخر حتى لا أطيل عليك ولأن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا  , لذلك فإنه لي معك لقاء آخر قريب إن شاء الله تعالى , وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه , وسبحانك اللهم وبحمدك , أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

 

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. سعيد خميس سعيد يوسف مصطفى الشوربجي

اظهر المزيد