في ذمة الله

حان الأن كتبت منال عاشور الأغا

حان الآن ... بقلم أ. منال عاشور الأغا

في منتصف الستينات جاء الينا، حيث كنا نعيش في ليبيا  شاباً يافعاً وسيماً .. حنوناً.. رائعاً.. طيباً.. خلوقاً.. ليقطن معنا بنفس المنزل..انه عمنا الأصغر أمين).. كنا شقيقات ثلاث.. لم يكن كف اليد قد اكتمل بعد...

كنا صغار وكان هو كبير في السن والقدر والمكانة.. أحببناه  كثيرا وتعلقنا به بصدق وبعمق كان الملجأ لنا دائما وكان الحصن الحصين..أذكر كنا نختبئ خلف ظهره ونلوذ به ونحتمى ..خوفا من عقاب والــــدى ووالدتي وبالطبع لا أحد منهما يرفض له طلبا أو يخيب له رجاء..
جاءتا شقيقتنا الرابعة ..ثم تلتها الشقيقة الخامسة.. وهو معنا وبين ظهرانينا  زادت محبته لنا نحن الخمس زهرات  كان جزءا مهما من حياتنا ومهما جدا..ثم قرر عمي أن يكمل نصف دينه ..ماذا يعنى هذا؟؟ أيريد عمى أن يتركنا ويعيش بعيدا عنا؟ لا طبعا لن نسمح بذلك..لن يستحوذ على عقله وقلبه أحد غيرنا ولا سوانا.. لن يأخذه أحد منا.. هو لنا ..ملكنا نحن ..جاءت الينا الخالة كانت حقا وصدقا خالة بكل معنى الكلمة أختا لأمي.. سكنت قلوبنا قبل أن تسكن بيتنا.. شاركتنا كل لحظة من لحظات حياتنا وكل مرحلة فيها.

بعد عام رزقنا المولى الكريم بمولود..بعد عام جاءنا أخي وشقيقي الغالي (مسعود)..قامت الدنيــــا حينها ولم تقعد.. فرحة لم تضاهها فرحة.. ومكرمة من رب العباد لم تساوها مكرمة ..
بعد فترة وجيزة جدا رزق عمى أمين بمولود.. ما هذا يا اله يا عفو يا كريم كنا نتوق لأخ واحد فأكرمتنا وجدت علينا بالثاني..(منهـل) كان هو اسمـه وصفته ..كان منهل الخير ..وفي نفس المنزل ايضا عاش ..ننظر إلى (مسعود) نظرة واليه اخرى ..هما يشبهان بعضهما ..كانت امي الحبيبة وخالتي (أم منهل) يتشاركان فيهما في كل شيء ..

حان الآن موعد تناولهما لزجاجة الارضاع ..هيا فلنجهزها معاُ.. حان الآن موعد اخذهما حمام دافئ فلنجهزهما لهذا معا..حان الآن موعد نومهما فليناما معا..حان الآن موعد استيقاظهما فلنوقظهما معا..اليوم حان موعد بروز أول سنا صغيرة بيضاء جميله ناعمه لهما معا..اليوم حان موعد الحبو ..حبوا سويا.. اليوم حان موعد الخطوات الأولى للمشي معا ..هيا يا( منهل) لاتدع (مسعود) يسبقك حاول وستنجح..كان الواحد منهما يستند على الاخر ليتعلما أول خطواتهما في هذه الدنيا ..وحين يسقط احدهما يسقط الأخر.ونغرق نحن في الضحك ونكتفي بمشاهدتهما من بعيد.

دخل هذان التؤامان روضة الأطفال سويا..بتلك الحقيبة الزرقاء البلاستيكية ..بتلك الشطيرة الصغيرة المتشابهة ..ثم دخلا المدرسة معا ممسكا أحدهما بيد الآخر ..يحملان نفس لون الحقيبة الصغيرة.. ونفس لون غلاف الدفتر. وتشاء الاقدار أن يكونا في نفس الصف وعلى نفس المقعد.. لتزداد العروة وثوقا واتصالا ورباطا.. قرآ سويا.. كتبا سويا .. آكلا.. شربا.. ناما ..كبرا أيضا سويا.. وكما كان والدى وعمى نموذجا أخويا نادرا لن يتكرر أبدا..كان (مسعود)و(منهل) نموذجا اخويا نادرا لن يتكرر ابدا.


ليبيا 1971:عاشور سعد(الملك)، امين مسعود، سعيد حلمي، حيدر حلمي، عاشور مسعود
والاطفال مسعود عاشور، منهل امين



كبرنا وكبروا وأصبح لنا سبعة أخوة شباب. أستمر الإخوان الأكبران سويا  على هذا المنوال إلى أن اختلفـــــــا بدخولهما الجامعة ..أخانا (مسعود) كان مغرما بالطيران منذ صغره فاختار هذا التخصص.. وأخانا (منهل) اختار تخصص الادارة والمحاسبة ..أنتقل (مسعود) للدراسة بمدينة اخرى.. لم نشعر كثيرا بغربته عنا فالمسافة ليست بعيده .. لابأس فـ (منهل) موجود.. تخرجا في نفس العام سويا..(مسعود)حضر إلى غزة مع والدى الغالي ..وبقى(منهل)معنا ومع الوالد الغالي هناك في ليبيا...ثم عاد هو وعمى .مع أمه وامي ..الى أرض الوطن..كل واحد منهما كان بوظيفة مختلفة ..لكن المشاعر والاحاسيس لم تكن ابدا بينهما مختلفة.. بقيت كما هي.. ومرت الايام والسنون وظلت كما هي.

إلى أن اصيب (منهل) بالمرض.. رحماك ربى ..رفقاً بنا.. تباً لك أيها المرض اللعين ..ألم تجد غير هذا الجسد الطاهر لتعيث فيه فساداُ.. لتنهش فيه.. ارحل عنه ..انصرف.. دعه بسلام ..وأمان.. ولكن ما أصابك يا منهل لم يكن ليخطئك .. عام ويزيد وأكفنا تتضرع لله سبحانه وتعالى وتبتهل بأن يمن عليه بالشفاء التام ..وندعو أن يأخذ من اعمارنا ويعطى (منهل) ..ولم يخذلنا رب العالمين ..حـان الآن الوقت لتحقيق أمانينا واستجابة دعوانا ودعوات احبابه جميعا ..حان الآن وقت ارسال الرسالة ... فلنستلم ..."منهل أمين في ذمة الله".. تهالك ذاك الجسد...لم يعد يحتمل.. يا رب الق على النفوس المضطربة سكينة وأثبها فتحا قريبا..حان الآن وقت الرحيل ..حان الآن وقت الفراق ..حان الآن وقت البكاء والحسرات ...الله حقق لنا رغبتنا ..لقد اطال بعمره بجواره..اختار له بيتا افضل من بيتنا واحباء افضل منا...

" يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي"
صدق الله العظيم.

أحقا رحل ( منهل) الشاب الخلوق ..الطيب ..صاحب مكارم الاخلاق كلها ..عفوك اللهم لا مرد لقضائك.

أبعد هذا كله لا نبكيك يا منهل !؟.. أكتير علينا أن تنفطر قلوبنا جزعا عليك ؟ّ!...الا يحق لشارع صلاح الدين أن يرتدى ثوب الصمت الكئيب والحزن الرهيب؟!..فثلاث يعز الصبر عند حلولها ..ويذهل عنها عقل كل لبيب خروج اضطرار من بلاد يحبها..وفرقة اخوان ..وفقد حبيب.. نحن بشر.. ضعاف ..رهاف.. نحتاج ربى  لرحمتك نحتاج أن تفرغ علينا صبرا وجلدا..

عمى الحبيب. الغالي .(ابا منهل) ..خالتي الحبيبة الصابرة المحتسبة ..ابى ..الغالي ..حفظك الله ..عمى الغالي (أبا باسل) .. امي ..إخوتي .. شقيقاتي .. القرينة الفاضلة اختي  و حبيبتي ( ام الامين) .ابناء عمومتي وبناتهم الفضليات.. عماتي الكريمات. أصدقاء منهل واحبابه ..تاهت الحروف وتبعثرت مفردات اللغة.. وما وجدت أيا منها لأعزى نفسي وأعزيكم بفقد (منهل)...ما اقول ونقول الا ..الى جنات الخلد ..يا منهل.. الى الفردوس الاعلى بإذن الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر...مع النبيين و الشهداء والصالحين والصديقين..وحسن اولئك رفيقا واعذروني أن قصرت.

اضغط هنا للتعرف على المرحوم أ. منهل أمين مسعود غانم الأغا

اظهر المزيد