مقالات

غزيّات- هبة محمد نايف

 
مشهد (1)
تمددت غزة على سريرها المثقل بالهموم، كانت لا تزال تفكر في صغارها الذين أكل طعامهم الغُراب، وتقشفت أجسادهم من صقيع الشتاء الطويل، ومن قلق الليل الذي لا ينتهي، ولم تكن تعرف أن المجهول يزداد ألماً في يناير، فهي لم تكن تفرحُ ببدايات العام الجديد، ولا بألوانه ولا هداياه، رغم أنها كانت تأتي كل عام كعروس الشتاء الثلجية، تلبس ثوباً شفافاً من الريح والمطر، كألوان الطفولة والنقاء، وتحاول أن تتجمل في نفسها _ ولو تصنعاً _ علها تحظى بليلة من الدفء والحب، حول كانون النار الذي أشعلته لتستدفئ هي وعائلتها الصغيرة.
وفي ليلة قاسية الجوع والحاجة، وقفت غزة على باب جارهم، تطلب منه أن يفتح لها ثغرة من نور، كي ُتري صغارها شكل الحياة، وكالعادة لم يأتِ الرد إلا وجعاً جديداً.
وفي صباح السابع والعشرين من شهر ديسمبر، خرجت غزة كعادتها في الشوارع لتقضي حاجتها، حتى سمعت صوت انفجارات تملأ المكان، ولمّا عادت مسرعة إلى بيتها، وجدت أبناءها ممزقين أشلاء، وقد تمازجت أجسادهم ببركٍ من الدماء والصراخ والعويل.
وفتحت غزة بيوت الحزن والفرح، أجل كانت غزة حزينة وفرحة في ذات الوقت، فهي تتألم لصغارها الذين فارقوها، ولكنها تعرفُ أنهم قد طاروا إلى الجنة شهداء، يتنعمون فيها كيفما شاءوا.
لم تنم غزة طوال اثنين وعشرين يوماً، كانت تُدك في دفئها، وحنانها، ولكنها كانت تقاوم، ظلت غزة تربط جرحها، وتدك من ذبحوها، وتهاجمهم بشراسة، وتثأر لأبنائها، ولم ترض الدنية في عزتها وكرامتها وشرف أرضها، بل عضت على آلامها وجراحها، وحرّمت على نفسها الحياة ليحيا بنوها.
كانت جدة غزة دائماً تقول لها: إن الأرض البكر هي التي تشرب من دماء أبنائها، وتأكل من رفاتهم، وأن الأرض العاهر هي التي يقدمها أصحابها هدية لأعدائهم...
ولأن أرضنا "ابنة أصول" فهي تشرب من دمائنا، وترتوي من رائحة مسكنا، وتتغذى من رفاتنا ...

مشهد (2)
عصافيرٌ وبقايا بشر، وأحلامٌ وكراسات وألوان، وسبورة كان مكتوب عليها "لن نركع"، وسفرة لا تحمل فوقها إلا بعض الخبر والزيت، وستة أطفال وأبويهم، وأمعاء فارغة، وأفواه تنتظر أن تبدأ في الطعام، بينما كان أصغرهم، يأكل القطعة من الخبز "الحاف" حتى تنتهي أمه من إعداد صحن من البيض.
هؤلاء هم الذين جلسوا تلك الليلة، ليمارسوا إنسانيتهم المستباحة، وأحلامهم المهدورة، وحياتهم المهددة بالخطر.
وبلا سابق إنذار، كانت كل هذه الأشياء تختلط مع كومة من الحجارة، ويغطيهم سقفٌ من "الأسبست" وبعض أبواب وشبابيك، لم يسدد أبو حسام ثمنها بعد.
تناثرت الدماء والأشلاء، وتسارع الجيران الذين كانوا قبل ساعة يحتضنون بجيرتهم بيتاً، ولم يعلموا أنه بعد قليل، سوف يصبح لديهم فراغاً فسيحاً بجوارهم.
هرعوا لينقذوا أشلاء من الضياع، فوجدوا الصغير محمد قد فاضت روحه إلى ربه، وهو ممسكٌ بقطعة الخبز التي اشتهاها مضرجة بدمه البريء، وحوله كل أهله يرفعون إصبع السبابة.
هنا كان بيتنا .. وهناك كان جارنا أبو أحمد يفتح دكانه كل صباح، يبيع الحلوى والسميد والسكر، ويفتح مذياعه الصغير على آي الذكر الحكيم، وتصحو الطيور لتشارك أهل المكان فرحتهم بيوم جديد..
لكن هذا كان حلماً .. كان يوماً ما قبل عشرون يوماً، صرخ نائل بقوة وهو يشير إلى يدٍ تحت الأنقاض: هذا حمادة أخي.. إنه هنا.. أجل هذه يده.. وانبرى الشباب ليخرجوا حمادة من تحت الركام، وأخذت الحاجة أم سعيد ترفع يديها إلى السماء وتدعو، وصيحات التكبير والتهليل تملأ المكان الذي لا يُرى فيه إلا بقاياه.
أخذ شرف يرفع يديه ملوحاً وهو يشير إلى بيتهم المهدّم هناك، وكانت معه والدته التي أجبرتها الغارات والقذائف على الخروج من منزلهم في أول ليلة من الحرب، ولم تستطع أن تحمل معها أحفادها جميعهم، فظل بعضهم، لتلحقها بهم كنتها سميرة.
ومنع الجنود كنتها والأطفال من التوجه خارج المنزل، فأطلقوا عليهم النار، واستطاع الإسعاف أن يحمل بعضهم، ولكنهم فقدوا صغيرهم "سالم" الذي لم يعرف مصيره حتى الآن.
أسرع شرف إلى منزلهم المهدم، وأخذ يبحث حوله فربما يجد ابنه "سالم" الذي لم يعرف له أثر منذ أول ليلة من الحرب.
كان البيت هو آخر أملٍ له في البحث عن سالم، لكن سالم حرّم على والده أن يراه مرة أخرى، ومضى مفقوداً لا نعرف إلى أين..!!
اتكأ شرف على حجرٍ قد سلم من الهدم، يذرف دمعة فقدٍ حرقته طيلة الأيام السابقة، وأمه تهدهد رأسه كطفل صغير، وهو يدندن بصوته المخنوق: "غالي الضنا يما.. بس الوطن أغلى".

مشهد (3)
عيون تبرز من خلف اللثام، وقد بدا عليها السهر الطويل، وأصوات لا ترى فيها إلا حماساً وتوثباً، وسبابة لا تتوقف عن الشهادة، ورجالٌ يعملون بصمت، وسجادات صلاة، وزجاجة ماء يتقاسمها خمسة، وسلاحٌ يسبقه إيمان وعقيدة.
ثم فجأة تبدأ التحركات من طرف الأعادي.. يستعد الرجال، يتوثبون لإطلاق النار، ينزرعون تحتهم، ويزرعون الموت أيضاً لعدوهم، وآخرون على بعد أمتار، يجهزون صاروخاً، ويرسلون معه رسالة لمن دمر بيتهم، وقتل أبناءهم، يقولون له: خذها.. فهذا أقل ردنا..
وفي ذات البقعة، يقف شبابٌ وقد تعصبوا بعصابات الوطن، وتحزموا بالمتفجرات، وأقسموا على أنفسهم، أن يكون هذا الحزام موتاً لعدوهم، وتعلو صيحات التكبير، وعيون النسر فيهم تعلو إلى السماء، وتتطلع للجنان.
أمس كان أحمد بيننا، وهنا نال الشهادة، هذه بندقيته، وهذا مصحفه، وآخرُ لا يزال الطبيب المجاهد يلملم جراحه، وأيادٍ وقلوب على بعد كيلومترات ترتفع إلى السماء، تدعو لابنها ورفاقه بأن ينتصروا لغزة هاشم، وأن يحفظهم الباري من عدوٍ غاشم.
يشعر صابر بتقدم الآلية، أجل إنها هدفٌ مناسب، فيشعل لها من ثورة روحه قذيفة، شواظاً يحرقها بمن فيها، ويسمع صراخ الموتى المذعورين عند بعد، ويعانق الأحباب بعضهم البعض، والحمد يسكن قلوبهم المؤمنة.
إنهم يزرعون النار تحت عدوهم، ويصبونها عليهم صباً، إنهم ينتقمون لصغارهم وبيوتهم وعزتهم، تعرفه وهو يزأر قادماً ليحرق الأرض من تحت صهيون، تعرفه وهو يشبه خاله الذي مضى شهيداً، وأمه التي كانت تخرّج الشهداء، وبيتهم الذي لم يعرف إلا هيئة المجاهدين.
يصمت حسام قليلاً .. يتقدم إلى الأمام .. يمتشق بندقيته .. يضع يده على الزناد، يذكر الله.. يصوب.. يضغط.. أجل إنها الصورة التي رأيتموها على الشاشات مساء أمس حينما قُنِص أحدهم بينهم، وهم غافلون.
ولا زال صديقهم المكلوم في أهله، يقف معهم في صفهم المقاوم، رغم أن بيته وأهله قد صاروا تحت الركام، لكنه ظل يحمي بيت أبنائه، وبيت جيرانه، وظل يحمي وطنه الصغير، وقلبه الذي كبر كثيراً هذه الأيام..
أقسم أن يذيقهم موتاً زؤاماً، فمضى يرشقهم برصاصه الحر، وهو يقول في نفسه:
هذه لأمي.. وهذه لأبي.. هذه لأختي.. وهذه لأخي.. وهذه لأخي الآخر.. وهذه لأختي التي حلمت بمدرسة، وتلك لجارنا الذي كان يمني نفسه ببيت جديد، وتلك لصديقي الذي قتلتم عروسه، وأخذ يعد طلقاته، حتى جاءت طلقة أخرى استقرت في جبينه الوضاء، فسافرت روحه إلى السماء وهو فرحٌ بلقاء رب السماء.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. هبة محمد نايف محمد حمدان الأغا

اظهر المزيد