مقالات

في أمان الله يا جسورة ولا نقول يا أبي إلا ما يرضى ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون

في فجر التاسع عشر من شهر رمضان المعظم، الموافق الأول من مايو 2021، أنتقل المغفور له بإذن الله، الوالد يونس عبد نعمات الأغـــا إلى جوار ربه راضياً مرضيا ونشكر نحن أبنائه وبناته وأهل بيته كل من واسانا في فقدنا العظيم.



 تمر على الرجل لحظات قابضة في حياته، يزيحها عن قلبه وعقله عنوة، مثل اللحظة الأنية، لحظة كتابة تأبين أو مقال في الأب... ومع كل مرة يصلني خبر تعبه ودخوله المستشفى، كانت تهاجمني هذه اللحظة، لحظة الخوف من ذهابه وما يستتبعها من اتصالات وعزاء ومواساة، وكنت استعيذ بالله من هذه الوساوس مؤمناً بأن الله سيرفع عنه. جسورة كما كان يحلو له أن ينادي نفسه أو يناديه أحبائه ، هذا الاسم المقترن بماضي جميل بقي عالقاً و راسخاً في ذاكرته رغم ما عكر هذه الذاكرة من سنين مؤلمة، أقول أنه باغتني هذه المرة، في الحقيقة هو باغتنا جميعاً، باغتنا عندما دخل المستشفى للمرة الأولى، لم نعهده مريضاً، و إذا مرض تحامل على نفسه و أنتصر على مرضه، و باغتنا عندما واجه أمراض العمر العتي و خرج من المستشفى، و أخذ يلاعبنا و يلاعب المرض نفسه، بالدخول للمستشفى تارة و خروجه منها  حتى أيقن الجميع أن جسورة في الحقيقة يتعامل بعقلانيته المعهودة مع أمراض العمر، فعند زيارتي الأخيرة له قبل انتشار الوباء، كنت أقول له سرير المستشفى لم يليق بك، فيضحك و يقول لا زال الهوى بِكرُ و لكن جسورة بلغ من الكِبرِ عتيا، و لجملة "لا زال الهوى بكر" قصة تعود إلى الثالث من سبتمبر من العام 1991، عندما أرسل لي خطاباً-عندما كنا نكتب الخطابات بالورقة و القلم- يرد فيها على تهنئتي له بعيد ميلاده، وكان مما ذكر "خمسون عاماً ولازال الهوى بِكرُ"، و عندما اتممت أنا الخمسين في يناير الماضي أرسل لي يهنئني بعيد ميلادي، فقمت بالرد عليه في رسالة نصية بنفس الجملة "خمسون عاماً ولا زال الهوى بِكرُ" و أتصل ضاحكاً وقال الخمسين وما بعدها لها طعم أخر.
لست بصدد تأبين او رثاء، يونس الأغا، استطاع في الحقيقة أن يكون صديقاً أقرب لي من مكانته الجليلة كأب... هذا الرجل العظيم (كل ابن سيرى ابوه رجلا عظيما) الذي قام بأعمال عظيمة في رأيي تجاه أبنائه وبناته، وعائلته ووطنه، هي أشياء كان يراها عادية وطبيعية وكنا نراها أفعال مدعاة للفخر... جسورة بكرمه المعهود الذي اضحى بالنسبة لنا أمراً طبيعياً، أما تغافله فحدث ولا حرج ، فقد كان يتغافل إما ترفعا ازدانت به نفسه، أو تجاوزا عن خطأ حتى لا يحرج من أمامه، وكان يقوم بذلك بمنتهى العادية المثيرة للدهشة في آن واحد. 
كان مختلفاً، جسورة بأخلاقه وعاداته وتقاليده يبدو عتيقاً قديماً كمعالم حبه الأغلى، خان يونس وعائلته الكريمة الفخور بانتسابه لها وقلعتها الجليلة... وجسورة بعقله الواثق وقلبه الوثاب كان تقدمياً مجازفاً غير هيابٍ لأحد سوى ربه...جسورة كان شيمته الصبر...صَبِرَ على المكاره... صَبِرَ على الأذى...وتجاوز وصَفَح.  جسورة بهدوئه عند الصخب وحزمه عن الشدائد وحسمه في الملمات، كان يملك قلباً حنوناً ونفساً سمِحة ولين معشر، هذا الجانب الذي قد لا يتفق مع شخصيته الطاغية، كان يتبدى عند خوفه وهلعه علينا وعلى احفاده، وكان يتبدى عندما يرى صورة طفل يبكي، أو يسمع أماً تبكي ولدها، بل كان دموعه تسبقه عندما يسمع عن عزيز قومٍ نالت منه الدنيا و خذله الأنذال الذين كانوا في سابق الأيام يقعون عن قدمي هذا العزيز تزلفاً لا حبا.  
جسورة تمحورت محطات حياته في ثلاثة مدن، خان يونس، الدوحة، والقاهرة. خان يونس وعائلة الأغا وولائه المطلق لها ولمن يتولى قيادتها وهذا ما وصانا عليه وأورثنا إياه ... كان يقول خان يونس هي المبتدأ والمنتهى، والدوحة دار الرزق وبناء عائلته الصغيرة، والقاهرة التي أحبها وأحبته فاختارها مُستقر تقاعده، وكان يلوح في ثنايا قلبه رغبة تبدو بعيدة بأن القاهرة هي الأقرب ل خان يونس ومنها سيكون الانتقال سريعاً لها مؤمناً بأنها وفلسطين كلها عائدة لا محالة... لم يخامره شك... رغم كل المآسي والعثرات وخيبات الأمل في الساسة إلا أنه لم يخامره شك بأنها ستعود..... 
جسورة -وأكاد أجزم- دعا الله أن يذهب بهذه الطريقة... اختار مستشفى فلسطين التي لم يُطبب فيها منذ وطئت قدماه أرض مصر... أختارها لقربها من مدافن العائلة ... اختارها ليسهل مهمة أبنائه ومحبيه لإنجاز نقله إلى لحده دونما تعب أو مشقة.. حتى وهو يموت يفكر فينا وفي احبائه واقربائه وعائلته... ورغم ثِقل غيابه علينا.. إلا أنه كعادته غادر خفيفاً، سريعاً ...ما وصلني من شواهد أفرغ عليَّ صبراً واساني في بعدي وعدم رؤية محياه وتقبيل وجهه ويديه للمرة الأخيرة. أخي الحبيب الدكتور سامح حيدر الأغا قال لي أستبشر... أخي الحبيب أبن الحبيب نهاد محمد فوزي الأغـــا، قال لي استبشر، أموره مسهله... زوج اختي من امي المهندس كريم قال لي استبشر، أخواني وقرة عيني عاهد وعمرو كانا هادئين مرتاحين غشيتهما وانا وأختاي سميرة وهادية والفاضلة الغالية أم سميرة ووالدتي أم العبد، سكينة وربط الله على قلوبنا.
نعم أنه فقد عظيم.... منذ أن بلغني نبأ رحيله يوم السبت 19 رمضان الموافق الأول من مايو 2021، وأنا أعيش كل لحظة جمعتنا به كعائلة وجمعتني به وحدنا...كان الناصح الأمين...كان الملجأ في الخطوب العاتية والقلب الحنون عند تدور عليَّ الدنيا وتوجعني.... 
أبي الغالي، الله يرحمك ويحسن إليك ويغفر لك ويتقبلك في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين.... الحمد لله الذي جعلك أباً لنا، عشنا في جوارك وتحت جناحك معززين مكرمين، وندعو الله أن يجازيك خير الجزاء لخيرك فينا وحسن تربيتك لنا، وندعو الله أن يوفقنا في أن نسير على نهجك، دعاة وحدة لا فرقة نأتمر بأمر عائلتنا وقيادتها، مؤمنين بعودة وطننا، واضعين الله ورسوله في كل أعمالنا. 
في أمان الله يا جسورة ولا نقول يا أبي إلا ما يرضى ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون. 


بقلم  نجله: أ. عبدالمعز

اضغط هنا للتعرف على المرحوم أ. يونس عبد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد