مقالات

زلزال 25 يناير الداء والدواء

 

11/02/2006

لا يختلف اثنان في أن يوم 25 يناير 2006 يعتبر يوماً مفصلياً ونقطة فارقة ليست في التاريخ الفلسطيني فحسب بل أن تبعات هذا التسونامي قد تتعدي حدود فلسطين بكثير. لقد كان ما حدث زلزالاً وإن تمكن مقياس ريختر في تقدير قوته اللحظية إلا أنني أعتقد جازماً أن ريختر نفسه سيقف عاجزاً عن تقدير تبعاته المستقبلية داخلياً وعربياً ودولياً.
إن فوز قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس سيعيد بلا شك رسم الخارطة السياسية الفلسطينية وسيعيد صياغة المشهد السياسي الفلسطيني وفق معايير وأسس جديدة، ونتيجة للتأثير الكبير لنتائج الانتخابات على كافة المستويات فإنه ينبغي أن نطرح سؤال لماذا حدث هذا الزلزال؟؟؟؟
قد يرى البعض أنه لا فائدة من البحث والتحليل والتعليل في شيء مضى وأن الأهم هو ماذا بعد الانتخابات؟؟ لكني أعتقد جازماً أن فتح وحماس يجب ألا يمروا مرور الكرام على ما حدث، فإن أرادت فتح أن تستعيد شيئاً من مكانتها وتسترد قسطاً من عافيتها فإن عليها أن تنظر لرصيد حسابها السابق وتتلافى مستقبلاً ما قد اعترى مسيرتها من نقاط ضعف قادت إلى ما حدث كذلك يجب على عقلاء فتح أن يستفيدوا من النموذج الذي شكلته تجربة حماس مما قادها نحو التمكين، وفي المقابل فإن حماس إن أرادت ألا تنتقل إليها عدوى تراجع الأحزاب الحاكمة فإن عليها أن تعقل تجربة فتح مستفيدةً مما فيها من مميزات ومتجنبةً ما شابها وأثقلها من نقائص، كذلك يجب على حماس المحافظة على نقاط قوتها الداخلية التي مهدت لها الطريق نحو التشريعي. أما بخصوص سيناريوهات ماذا بعد فأقول إن الله سيدبر المستقبل بقدرته ومشيئته وأنا على ثقة أن الله تعالى لن يضيع شعبنا لأننا على الحق، لذا فلنترك للأيام والأحداث أن تقول كلمتها بإذن ربها.
إن ما حدث له العديد من الأسباب يمكن تصنيف هذه الأسباب إلى صنفين أولهما عبارة عن نقاط قوة تتعلق بالحركة الإسلامية نفسها قادتها نحو الوصول إلى البرلمان وصولاً عزيزاً مؤزراً وهذا الصنف هو الأهم والأقوى، أما الصنف الثاني من الأسباب فهي أسباب ونقاط ضعف عانت منها حركة فتح زادت من اكتساح حماس وعمقت جراح فتح. نبدأ بالأسباب الداخلية في حماس فإنه يمكن اختصارها فيما يلي:

1. الارتباط بالله والتوكل عليه: أن استمرار جميع الدعوات والأفكار متعلق بمدى ارتباط هذه الدعوات بمعينها الأصلي ومرتكزاتها الأساسية فحماس كحركة أسلامية انطلقت مستندة إلى الدين الإسلامي وبمقدار ارتباطها به تكون لها الغلبة (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )، فالدولة الإسلامية منذ تكونها تعرضت لفترات مد وجذر، والمتتبع لمسار هذه الدولة يلحظ ارتباطاً عكسياً قوياً بين مقدار الارتباط بالله والالتزام بالمنطلقات الأساسية للدين من جهة وبين تردي أحوال هذه الدولة ضعفها من جهة أخرى. فحماس وصلت إلى سدة الحكم خلال 18 سنة فقط من تأسيسها – مع الاعتراف أن جذور الحركة مرتبط بحركة الإخوان المسلمين التي تأسست سنة 1928 – وهذا يدل على أن الحركة قد استوفت شيئاً من متطلبات النصر والتمكين وسايرت سنن الله في هذا الكون.

2. الثبات والتضحيات حتى الممات: لقد ثبتت حماس على مبادئها و أبت الرضوخ للضغوط ورفضت التفريط وقدم قادتها قبل عناصرها أنفسهم وأموالهم وأولادهم ثمناً لهذا الثبات، قدموا كل شئ من أجل ما يؤمنون به من أفكار ومبادئ فدبت لذلك الحياة فيمن تلاهم من أجيال وأثمر غراسهم. إن نصر حماس لا يمكن إلا وأن نرجعه لصحيح الهمة عليل الجسد الشيخ الشهيد أحمد ياسين، كذلك لا يمكن لعاقل إلا وأن تذرف عيناه وهو يسمع الرنتيسي قبل استشهاده وهو يهتف بعزة المؤمن سننتصر يا بوش سننتصر يا شارون في زمن طأطأ الجميع فيه الرؤوس وماتت في الجسوم النفوس. أيضاً لا يمكننا أن نفصل إنجاز 25-1 عن استشهاد إبراهيم المقادمة، والتقي النقي إسماعيل أبو شنب، والصلب الأبي صلاح شحادة وغيرهم الآلاف. ولم يقتصر الأمر عن هذا الحد فقدم الزهار إلى فلسطين خالد، ونزار ريان أهدى القدس إبراهيم وعبد الفتاح دخان ودع ضاحكاً إلى الجنة طارق وأم نضال جادت بنضال ورواد ومحمد ثلاث نجوم من فلذات أكبادها والسلسلة طويلة.

3. الإخلاص والانتماء: لا ينكر أحد أن الإخلاص يقطر من أصغر شبل ينتمي لحماس فيؤثر الواحد منهم على نفسه رغم ما بها من خصاصة وقد رأي الجميع كيف يصبر الواحد منهم على البرد والتعب ليعلق صورة لمرشحي الحركة أو إعلان خاص بحركته، وكيف يقضي أحدهم الساعات الطوال على باب المحطة الانتخابية لا يلقي بالاً لجوع أو عطش يؤدي مهمته التي كلف بأدائها لأنه يشعر بالانتماء لدعوته وأنه على ثغر من الثغور ويحرص ألا تأتي الهزيمة أو حتى النقيصة من قبله لا يبتغي في ذلك إلا مرضاة الله.

4. حسن الإدارة والتنظيم والالتزام: لقد كانت حماس منذ نشأتها أقرب إلى المجتمع وهمومه فكان أفرادها أكثر تواصلاً مع الناس ركزوا على تقديم النموذج الإسلامي المنشود رغم العديد من الملاحظات والأخطاء إلا أنهم كانوا الأقرب والأقدر، فقد كان أفرادهم نماذج يشار لها بالبنان في كثير من المجالات ديناً وخلقاً وعلماً، كذلك كان الالتزام والثقة بالقيادة من كلمات السر لنجاح الحركة فلم تصب بداء الزعامة ولم تطف على السطح الخلافات التي أثخنت الآخرين، رغم حقيقة أن الاختلافات هي سمة من سمات النفوس البشرية وأعتقد أن الكثير من الخلافات قد وقعت بين أفراد حماس لكن الإدارة الجيدة والارتباط بالله والالتزام والنية الصادقة وتغليب المصلحة العامة على النظرة الشخصية الضيقة كانوا جميعاً من عوامل تجاوز الأزمات والخلافات.

5. الإعداد الجيد للانتخابات: لقد شكل النموذج الذي اتبعته حماس في إدارتها لموضوع الانتخابات مثالاً يحتذى به فقد اختارت حماس صفوة عناصرها كمرشحين لنظامي الانتخاب بسلاسة تستحق أن يرفع لها الآخرون القبعات احتراماُ وتقديراً، فرغم تخمة الكفاءات والشخصيات الذين ينتمون للحركة إلا أن الاختيار تم بسرية تامة وبرضا القاعدة وبمعايير واضحة أدت إلى التزام الجميع لأن القرارات اتخذت بطريقة شورية. كذلك فقد عمل كافة عناصر حماس كخلايا النحل كل له دوره المنوط به فمنهم من يتواصل مع الناس ومنهم من يصيغ البرنامج الانتخابي ومنهم من تكفل بالجانب الإعلامي ومنهم من أدار عملية زيارات المرشحين للتجمعات السكانية وتنظيم المهرجانات الجماهيرية ومنهم من أوكل إليه نقل الناخبين وشرح طريقة الاقتراع هذا بالإضافة إلى جيش من المراقبين داخل محطات الاقتراع والفرز وغيرهم وغيرهم وغيرهم. إن حماس أخذت بعد التوكل على الله بالأسباب المادية وبعوامل النجاح البشرية فكان لها ما أرادت بتوفيق من الله.
قبل أن ننتقل إلى الأسباب المتعلقة بحركة فتح فإن الأمانة تقتضي أن نذكر ما لفتح من فضل وأيادٍ بيضاء على القضية الفلسطينية منذ تأسيسها، فقد كان لفتح الفضل في إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الأمر الذي أبقى جذوة الصراع العربي الإسرائيلي مشتعلة، لذا من الجحود أن نقلل من شأن فتح ودورها الرائد كواحدة من كبريات حركات التحرر في العالم. كذلك لا يمكننا أن ننسى قادة فتح الذين استشهدوا بدءا من أحمد موسى مروراً بالكمالين وأبي يوسف النجار وابي جهاد وأبي إياد وأبي الهول انتهاءً بأبي عمار وغيرهم الكثير، ففتح تاريخياً قدمت الكثير وكان لها الدور الأبرز لكن التاريخ لا يغني عن الواقع والتاريخ لا يشفع دائماً لمن قصر، ودورة الحياة وسننها وثوابتها تسري على الجميع. فلنبدأ بأسباب ما حدث على الصعيد الداخلي لفتح:-

1. سنة الاستبدال: يقول الله عزوجل في محكم التنزيل (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) فسنة الله التي لا نجد لها تبديلا ولا نجد لها تحويلا اقتضت أن يستبدل الله من حاد عن الجادة ومال عن الطريقة وتنازل عن الثوابت، فشرارة العاصفة عندما انطلقت كانت أهدافها وغاياتها عظيمة فكانت آنذاك فتح عظيمة لكن بمجرد أن تبدأ التنازلات وتتخذ هذه التنازلات استراتيجية يبدأ التراجع، مع ضرورة التوضيح أن فقه الواقع وفهم موازين القوي قد يستدعي أحياناً اتخاذ بعض الخطوات التكتيكية المدروسة، لذا انحرفت فتح عن المسار وتولت عن الهدف فاستوفت متطلب الاستبدال.

2. الذوبان في السلطة وضعف الانتماء: منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في مايو 1994 فإن فتح ذابت في مؤسسات السلطة فتقلد كل قادة التنظيم سواء من الداخل أو الخارج مواقع مرموقة في السلطة فانشغلوا عن التنظيم ولم يهتموا بأطره بل انخرط التنظيم بكافة مستوياته في السلطة فتحولت العضوية في التنظيم والانتماء لفتح إلى مجرد وسيلة للتوظيف أو للحصول على العلاوة فكان الهدف هو الكسب المادي البحت، كذلك لم تتعامل السلطة على أنها سلطة الشعب بل كانت في معظم حالاتها سلطة فتح والتنظيمات الصغيرة (الدكاكين) التي ترضى عنها فتح، هذا أدى إلى تحمل فتح كافة تبعاب التقصير وسوء الإدارة وغيرها من الأسقام التي عانت منها السلطة واصبح من الصعب التمييز بين فتح والسلطة.

3. غياب العدل في السلطة: صحيح أن اللون الغالب على السلطة كان هو اللون الفتحاوي إلا أن كثير من أبناء فتح الذين ناضلوا وقاوموا وجاهدوا لم يحصلوا على الحد الأدنى من الامتيازات والحقوق التي أعطيت في المقابل لمن لا يستحقها. بالإضافة إلى ذلك عانت السلطة من مظاهر غياب المعايير خاصة في مجال الخدمة المدنية والوظائف العامة فكان المؤهل والخبرة آخر ما ينظر إليه وفي المقابل استعيض عن ذلك بمعيار الولاء لزيد أو لعمرو مما أثار حفيظة من شعر بالظلم، حتى من أخذ أكثر من حقه بات يشعر أنه يستحق أكثر وأكثر مقارنة بمستوى من هم دونه علماً وسناً الذين أصبحوا أعلى منه درجة أو مرتبة.

4. الفجوة بين القيادة والقاعدة: فقدت فتح معظم مقومات التنظيم فلم يوجد هدف أو هيكلية تنظيمية واضحة كذلك قل الاهتمام بالقاعدة والتأطير والاستيعاب الأمر الذي أدى إلى جمود التنظيم وعدم دخول دماء جديدة فيه وأصبحت الوراثة هي السبب الرئيسي للانتماء لفتح. كذلك لم تتفاعل أطر التنظيم مع المجتمع واقتصر نشاطها فقط على احتفال الانطلاقة وبعض الأنشطة عديمة القيمة التي هدفت في معظمها إلى صرف موازنات وتحقيق بعض المكاسب الآنية الضيقة.

5. فشل الانتخابات الداخلية (البرايمرز): شكلت عملية اختيار المرشحين للانتخابات المتاهة الكبرى التي تاهت فيها فتح، فقد أدى غياب معايير واضحة للاختيار على حدوث خلافات وموزاين قوى داخل الحركة، كذلك أصبح الوصول إلى البرلمان حلماً يداعب خيال عدد كبير من أعضاء الحركة نتيجة للامتيازات والمكاسب التي حصل عليها أسلافهم أعضاء التشريعي السابقين. لقد حاولت فتح تجاوز بحيرة الاختيار فغاصت في محيط البرايمريز فلم يتم الإعداد الجيد ولم توجد معايير لمن يحق لهم المشاركة و..و..و..و.. وانتهت العملية بحرق الصناديق والتخريب الأمر الذي رسخ قناعة المواطنين أن التنظيم الذي يعجز عن إدارة عملية انتخابات داخلية شملت التشهير والاتهامات والإشاعات المتبادلة انتهاءً بالبلطجة والفلتان أن هذا التنظيم سيكون أعجز عن إدارة دفة الوطن في المرحلة القادمة. ولم يقتصر الأمر بعد فشل البرايمرز عند هذه النقطة بل تعداه بطرح قائمتين وكثر عندئذ الأخذ والرد الأمر الذي أنبأ بحالة الاستقطاب والتشرذم اللتين تمر بهما الحركة.
بالإضافة لذلك فقد غابت المعايير نهائياً عند اختيار مرشحي الدوائر الأمر الذي دفع بأسماء لا يقبلها الشارع مقارنة بحماس التي دفعت بخيرة أبنائها إلى هذا المعترك فكانت الكارثة الكبرى في الدوائر حيث لم تحصل فتح إلا على 12 مقعد من أصل 66 للدوائر بالإضافة إلى 5 مقاعد مخصصة للمسيحيين في الضفة لم تتنافس عليهم حماس.

ختاماً آمل أن تستفيد حماس من تجربة فتح وتحافظ أيضاً على مكامن قوتها، كذلك آمل تعيد فتح لملمة شعثها وإعادة ترتيب أوراقها ولا تلتفت للنداءات والأصوات الشاذة من بعض الأقزام فيها، فالجميع حريص على أن تنهض فتح قوية عفية نقية أبية تتجاوز النقائص والسلبيات التي أنهكتها وتعود لها النظرة الوحدوية وتضع يدها مع جميع القوى والفصائل في سبيل المساهمة في إعادة بناء الوطن وتغيير الواقع المرير الذي نعاني منه. وآمل من كافة القوى والأحزاب والتيارات الفلسطينية أن تغلب المصلحة العامة على النظرات الحزبية الضيقة ففلسطين التي أريقت في مهرها أزكى الدماء، وتطايرت من أجلها أطهر الأشلاء، وارتقت لعيونها الأرواح والأنفس إلى العلياء، وسقط على درب تحريرها آلاف الشهداء، فلسطين تستحق من الجميع أكثر وأكثر.

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور جواد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد