مقالات

هذا غراسك ابا فتحي


هذا غراسك أبا فتحي     



أثناء قراءتي لإحدى الصحف المحلية استوقفني خبر حصول أحد العلماء الفلسطينيين على براءة اختراع، فسررت جدا لذلك لمجرد كون العالم فلسطينياً، أكملت الخبر وتمنيت في نفسي لو كنت أعرف هذا العالم، وما أن التقطت عيناي اسم العالم سرعان ما رفرف قلبي طرباً كيف لا وقد حقق قريبي وزميلي في مهنة الهندسة الدكتور صلاح الاغا هذا الإنجاز المتميز الذي تغبطه عليه الدنيا.



تلهفت لإكمال الخبر، وفجأة..... وفي أثناء القراءة دق باب ذاكرتي دون سابق إنذار طيف مر بخاطري، طيف رجل دمث، تعلو وجهه هيبة ويكسو محياه وقار، نعم عرفته إنه من غرس، من علّم، من ربّى وإنه من سيحصد الأجر إنشاء الله، إنه مربي الأجيال الأستاذ رمضان محمد الأغا "أبو فتحي" يرحمه الله. وأنا أواصل قراءة الخبر بفخر شديد وسعادة غامرة كأني بأبي فتحي الآن بابتسامته المعهودة يرقب صلاح ويفخر به وبإنجازه، يفخر بمن رفع شأن عائلة الأغا وخانيونس بل وفلسطين إلى هذه الثريا، كأني به عندما علم بهذه البشرى تدمع عيناه فرحاً وحبوراً، ما أجمل دموع الفرح وما أغلاها خاصة إذا جاءت بعد التعب والكد والجد والمعاناة، كأني به – يرحمه الله - يلهج لسانه بحمد الله والثناء عليه.

لست معتاداً أن أمدح في الوجه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم بالغوا في مدح أخ لهم أمامه " لقد أهلكتم ظهر أخيكم"، لكني عندما شاهدت اللقاء مع د.صلاح على شاشة تلفزيون فلسطين صباح الجمعة الماضي انتابني شعور قوي ورغبة جارفة بأن أكتب لا لأمدح أو أتملق بل لأعطي من استحق ما يستحقه من امتنان وعرفان.

لم أعرف أبا فتحي "أبا العلماء" عن قرب بحكم الفارق العمري لكنني أذكر جيداً أنه عندما كان يراني كان يداعبني بكلماته الرقيقة وابتسامته الحانية، والاهم أنه كان يوصيني بمواصلة الجد والاجتهاد ويدعو لي بالتفوق والسداد. وعليه أعتقد أن وصيته الدائمة لأبناءه كانت "دينك لحمك ودمك، وعلمك عزك ورفعتك" وهذا ما أوصلهم إلى ما هم عليه حتى أصبحوا مفخرة للجميع.

لقد هدى الله أبناء أبي فتحي سبل النجاح، وحباهم من الإمكانيات والقدرات ما ميزهم بها عن غيرهم، وسخر لهم (أولاد الحلال) كي يعينوهم، إذن فلا بد أن أبا فتحي هذا كان رجلاً صالحاً فصلاح الآباء يظهر في الأبناء وقد عللت سورة الكهف أن سبب تسخير الله لنبي وولي (موسى والخضر) كي يعينا اليتيمين ويحميا كنزهما عللت أن أباهم كان صالحاً.

أعود إلى أبي فتحي وأتخيله وهو يختار أسماء أبناءه:

  1. فعندما سمى ابنه البكر فتحي سأل الله أن يفتح عليه ففتح الله عليه قواميس اللغة،
  2. وعندما سمى عبد الفتاح دعا الله العليم الفتاح أن يحقق على يديه فتحاً وكان له ما أراد من فتح طبي وعلمي وقدرات فذة،
  3. أراه يقول سأسمي أيضاً عبد المعطي فكان أن أجزل الله له العطاء أستاذاً متمكناً في التربية.
  4. وأحسبه كذلك يقول نسيت محمد، إذن سأسمي أيضاً محمد أولاً براً بوالدي ثانياً لأن خير الأسماء ما حمد وعبد، فكان الأستاذ الدكتور محمد العالم الذي لا يشق له غبار في مجال البيئة وعلوم الأرض فحمد أبو فتحي الله على محمد،
  5. أراه يقول أيضاً أريد ابنا أفخر به وسط الناس فكان فخري،
  6. ثم جاء التالي، فقال نعم، نعم سأسميه صلاح فكان صلاح صالحاً في كل المجالات والميادين ديناً وخلقاً وعلماً.
  7. وعندما جاء التالي أكاد أجزم أن أبا فتحي سأل الله أن يرتقى ابنه هذا في مراتب ومدارج الكمال إلى درجات عالية فسماه كمال،
  8. وعندما جاء (آخر العنقود) ماذا بقي؟؟ بقيت الدرجة النهائية والتقييم النهائي، فكأن الله هداه إلى اسم فيه تقييم لدرجته النهائية في تربيته لأبناءه هي درجة الامتياز فكان الختام مسك وكان ممتاز الذي امتاز في كل شيء.


وهنا أجد لزاماً علىّ أن أقف عند من حملت وربت وتعبت وسهرت، وقامت في الدجى تدعو، وإلى نجاح فلذات كبدها ترنو، ولهم التوفيق والسداد ترجو، ولتفوقهم على وجهها الابتسامة تعلو. أم فتحي لقد كنت ممتازة بحق اسماً على مسمى. وأعتقد كذلك أنها كانت كزوجها طيبة صالحة ختمت حياتها بخير فقد توفيت على طاعة وأي طاعة أعظم من الحج، أسأل الله أن تأتي يوم القيامة مسبحة ملبية، اللهم آمين.

انتهز هذه الفرصة لأوجه رسالتي لكافة أفراد عائلتي آباء وأمهات بنين وبنات بأن رفعة عائلتنا لا تأتي بالبكاء على اللبن المسكوب أو التغني على أطلال الشرف المسلوب. فإن أردنا أن نحوز قصب السبق بين العائلات الأخرى فطريقنا معروف، ودربنا لذلك مرصوف، لكنه بالجد والاجتهاد محفوف. يجب علينا كعائلة أن نغرس في أبناءنا هذه القيم والمثل العليا، فيجب الاّ نرعى حيث يرعى الناس، فإن كان الناس يرعون في كلأ الميليشيات والفلتان والفوضى أما نحن فيجب أن نرتشف من معين الدين ومنهل القيم ونستزيد من واحة العلم ونقتبس من نور التربية.

حق للعائلة أن تفرح بأبناءها المميزين فكل نجاح لأي ابن من أبناءها يعتبر وسام شرف على جبيننا جميعاً، فكيف إذا كان الإنجاز علماً أو اختراعاً أو إضافةً إلى بناء الحضارة الإنسانية.

اللهم ارحم أبا فتحي وأم فتحي وكل من سار على نفس النهج والدرب، لقد أثمر غراسهم، فلم ينقطع عملهم بل ما زال ينمو ويكبر ويعظم ببركة العلم المنتفع به الذي ملأ الدنيا بأيدي أبناءهم

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور جواد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد