مقالات

اليوم مات أبي يـا ابراهيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 اليوم مات أبي يـا ابراهيم

 05/06/2007

 

  • عندما قالوا   ...  ماتت سميرة[1]  ...  قلت ... وهل تموت البراءة؟
  • عندما قالوا   ...  ماتت أمك     ...  قلت ... وهل يموت الحنان؟
  • عندما قالوا   ...  مات أبوك     ...  قلت ... وهل تموت الحكمة؟
  • عندما قالوا   ...  ماتت عالية[2]   ...  قلت ... وهل تموت الطهارة؟
  • عندما قالوا   ...  ماتت زكية[3]   ...  قلت ... وهل تموت الحياة؟
  • واليوم قالوا   ...  مات ابراهيم  ...  قلت ... وهل يموت الأب مرتين؟

 

في احدى زياراتي للوطن، دعاني الأخ يوسف علي عثمان الأغـا (أبو زهير ) رحمه اللـه ، لرحلة إلى مدينة عكا،وكنت تواقـاً لذلك، فلم أكـن قد رأيتها من قبل،وما أعرفه عنها لا يتعدى معلومات طالب صغير، وكانت بالنسبة لي تمثّـل رمز القوة والمنعة،ومقاومة المحتلين منذ القدم.

 

كانت السيارة الهتلرية تعبر بنا مدنـاً وقرىً أشاهدها لأول مرة،وكانت العين تنظر في صبر والقلب يتحسر في قهر، قهر أْقسى وأشـد على النفس من قهر الموت،هذا هو سور عكـا.. هذا هو التاريخ .. وهذا شبح نابليـون وجنوده وهم يستجدون أحجار السور،وبينما كنت استحضر عظمة هذه المدينة وتاريخها وأهميتها،لمحتُ .. شابـاً يهوديـاً يلهو بفتاة يهودية، ويقبلها على حجر من حجارة السور العتيقة،متحديـاً التاريخ ومستبيحاً الأعراف والأديان،هل كانت نتيجة حرب 67 نكسة؟؟!  هل كانت هزيمة؟؟! إنهـّا اْكثر من ذلك بكثير،إنها عار.. عارٌ .. عارٌ .. التصق على جبين العرب والمسلمين،وسيبقى وشمـاً على تاريخهم،ما لم يزيلوا آثاره.

 

من حسرتي وقهري،تركت اليهودي يقبل أنثـاه،وانحنيت على حجر من السور وقبلته،معتذراً،ومواسياً،وأحسستُ بأن قلب هذا الحجر ..أكثر احساساً من قلوب كثير من الذين بيدهم القرار.

 

تذكرت هذه الحادثة،وأنا أؤدي مناسك العمرة في مارس من العام الماضي،وبرضاء اللـه وتوفيقه،تمكنت اْثناء الطواف بالتعلق بأستار الكعبـة المشرفـة،وتقبيل الحجرالأسود،وبين حجر قبلته هناك،وحجر قبلته هنا .. يبقى القلب عالقا ومعلقا بالوطن وبالعقيدة،وما دام للبيت رب يحميه،فإن اللـه سبحانه وتعالى سيحمي،ويعيد  لنا أولـى القـبلتين،ولكن برجال غير الرجال وأمة غير الأمـة.

 

إنهـا الكعبـة المشرفـة مرة اْخرى،فالحمد للـه الذي وهبني فؤاداً يهفـو إليها،قبل شهر تقريباً .. كنت أطوف وأدعو اللـه أن يشفيَ اْخـي ابراهيم،ويرحم موتانـا،واليوم ... لبيت بعمرةٍ عنـه ولـه أطوف داعيا اللـه أن يرحمـه،ويتغمدّه بواسع رحمتـه،وأن ينزلـه منزل صدق مع الشهداء والصالحين،وأن يلهمني وذريتّـه ورفيقة حياته،الصبر والسلوان.

 

لم يكن خيالاً،ولا وهمـاً،فهذا أخـي ابراهيم _ رحمه اللـه _ بيني .. وبين ولده عنـان، يطوف معنـا،فقد اعتمرعنـان وكذلك اْنـا عنه،و كنا ندعو له بالرحمة وطيب المقام في الدار الآخرة.

 

في الثانية من صباح يوم الخميس 24/5/2007 م،ودعنـّا الحرم المكــيّ الشريـف بشربـة من ماء زمزم،حتى لا نظمأ ونحن في طريقنا إلـى جـدّة،وبعـد صلاة الفجر،غفوت اْو هكذا تخيلت،كنت في عجلة من أمري،وكنت أستعجل السـاعات حتى يحين موعد السفر إلى الرياض،ورغم ادراكي بأن الذي كنت أزوره في الريـاض لم يعـد من أهل الدنيــا،إلا أننـي كنت في عجلة من أمري ولسـان حالـي يقول إن لم نستطع زيارة الأحبة في دورهم، فإن واجبنـا أن نزورهم في قبورهم.

 

هـا هو مطـار جدة الخاص بالطيران السعودي،فـي أوج نشاطـه،حركـة دائمة ومستمرة، آلاف المسافرين يدخلون إليـه،ويخرجون منه،كل مسافر إلى وجهته وكنت أتأمل الوجوه، وأُسائل النفس مَـن مِـن هؤلاء يحمل همـّـا مثـل همّـي؟؟ ومصيبة  مثـل مصيبتي؟؟ ليست الوجوه دائما تعكس ما في القلوب،لذلك كتمتُ جرح قلبي واتجهنا إلى أول خطوة في الرحلة،نادراً ما يُـطلب جواز السفر في الرحلات الداخلية،ولكن النادر بالنسبة لي ألا يُـطلب منـي جواز السفر،وبثقـة غير مسبوقة،اْخرجت الوثيقـة الكحليـة الكالحة من جراب الشنطة، ومددتها بيـدٍ جريئة للمسئول،قال .. وهو يقلب صفحاتها،أنت تحمل تأشيرة للعمرة،وهذه تخولك فقط لزيارة مكة والمدينة،قلت.. (وكأنـي أدين جهله) لقد كنت قبل شهر وبتأشيرة عمرة،وزرت الرياض،أنها أوامر جديدة،قالها بابتسامة صفراء خبيثة،وبعد محاولات الاْستعطاف الجميل،أحال الموضوع إلى الضابط المسئول،الذي كرر نفس الكلام معلنا الرفض التام،هنا ... اغرورقت عيناي،وخرجت من المكتب أجاهد لأتماسك حتى لا أسقط أمامه وحتى لا تغدر بي دمعة تبزغ فجأة لتشيَ بحسرتي،ولوعتي،وحتى لا يعتقد أنها دمعة              استجداء واستدراراً للعطف،إن أكثر ما يؤلم نفسي  أن اْستجديَ قلوبـا قاسية هي اْشد قساوة من حجارة سور عكا التي كان اليهودي يقبل أنثـاه عليها؛ تأثر كثيراً ابن أخي عنان، وأحسست أنه يتألم لألمـي،فأجرى اتصالات مكثفة مع الأخ/ اسماعيل وصفي غانم الأغـا الذي يشغل منصبا رفيعا لدى أحد الأمراء الأتقيـاء،فحصل على موافقة لدخولي الرياض.

 

في انتظار امتطاء الطائرة السعودية العملاقة،كنت أتصفح وجوه المسافرين وأسائل النفس المكلومة،أيهم يذهب إلى مـا أنا ذاهب إليه؟؟ وهل يلاقون ما لاقيت،ويلاقي شعبنا من متاعب وعراقيل كلما عـنّ لـه خاطر لزيارة قبر من قبور الأحبة ؟؟

 

بدأت الطائرة بالزحف ثم الصعود،وكانت في صعودها تدور بي فوق أحزاني،ثم تبتلع عجلاتها وتطويها في جوفهـا،ثـمّ تمرق شارخة سقف السحب إلى قبة السمــاء،من الطاقة الصغيرة أرنو الى كتل السحاب من تحتي،ملبدة كثيفة كحقول القطن المندوف،وتسبح فـي أمان القبة السماوية برعاية اللـه وحفظه،وما هي إلا ساعة حتى بدأ الإعلان عن استعداد الطائرة للهبوط في مطار الرياض،وكما بدأت زحفـاً عند صعودها،بدأت تهبط زاحفة،حتى توقفت تماما.

 

لم اْدرِ ما طيب العزاء على القلب حتى عانقت دموعي وألامـي،دموع أبنائك يا ابراهيم،ولم أدرِ من كان منـا يواسي ويعزي الآخـر،كنت استعجل السـاعات لأصل مدينة الرياض،فإذا بـي وأنـا في الطريق إلى البيت،لا أرغب في الاستعجال،كنت في المرات السابقة،أدخل البيت فأراه أمامـي،يستقبلني بإبتسامتـه وترحيبـه وسؤالـه عن الأولاد والأقارب في الدوحة،لكن اليوم،اْدخل البيت،فيلاقيني الكرسي الذي كان يجلس عليه،خاليـاً .. ولا استطيع إلا أن أقول ما يرضي اللـه،إنـّـا للـه وإنـا إليه راجعون ..

 

وجوم ودموع .. وصمت العزاء الجميل، هـل رأى أحدكم يوماً عزاءً جميلاً ؟؟

لم يغمض للقلب جفن وإن غمـض جفنُ العين،لا استطيع الجزم بأنني انتقلت عبر حلم إلى بيتنـا في خان يونس،وربمـا يكون كالحلم،فقد وجدتني تحت ظلال (الزيتونة) التي كانت في مدخل بيتنا حيث تنحني غصونها بحنان على شباك (البرندة) ،وأتفقـد النخلة التي لا زالت شامخة رغم قسوة الزمن عليها وعلى أهل البيت،والليمونة وشجيرات الفلفل والباذنجان، والحنفية العتيدة التي كان والدنـا رحمه اللـه يتوضأ منهـا،ما لـي أراها تذرف الدمع الحزين،هل عرفت بما جرى؟؟ أم لا زالت تبكي الفراق،وهذه الغرف الخالية إلا من ذكريات تركناها قبل الرحيل،وبصمات من أْفراح وأحزان والدتنا رحمها اللـه،وفي أدراج الخزانة القديمة و(البوريه) أمشاط بعضها من الخشب وبعضها الآخـر من العظم للمرحومة سميرة التي لم يمهلهـا الموت لتمشّط شعرها الجميل،وهذه صورة المرحومة زكية،معلقة على الحائط أكاد أبصر دموعاً حزينة عالقة في عينيها.

 

خيوط الفجر الأولـى،تتـسلل من شباك الحجرة معلنة وقت صلاة الصبح،ما رأيتـه لم يكن يختلف عن الحقيقة،لقد كان أخـي ابراهيم رحمه اللـه يرغب في العودة إلـى الوطن وإلى هذا البيت بالذات،لكن الوضع الأمني أو بلغة القادة في الوطن .. الفلتان الاْمني،وعنجهية السياسة التي تناضل من أجل المناصب والحقائب الوزارية،وإغلاق المعابر حالت دون تحقيق رغبته في أن يكون له قبراً بين قبور الأهل والأقارب في خان يونس.

 

في خطبة الجمعة تناول الخطيب موضوع الموت،فهل يا ترى عرف بمصيبتنا فأراد أن يشاركنا ويواسينا ؟!

بعد الصلاة،توجهنا إلـى المقبرة،وألقينـا السلام على أصحابهـا،وأتجهنـا إلى قبرنا الذي وضعت عليه علامة يعرفها أبناء أخـي ابراهيم،إذن .. هو هنا،يا وجع عمرك و يا حسرة قلبك ويـا ألم نفسك يـا يونس،وأخذ القلب .. قبل العين يبكي .!

 

هنا ..تذكرت الخنساء،وهي تقف على قبر أخيها صخر،عرفت ساعتها أن حزن الأخ على أخيه،لا يحس ولا يشعر به إلا من عاش أخوة حقيقية،وكدت أن أنفجر بكاء وحسرة، ولكني تذكرت قول اللـه عز وجل " وبشر الصابرين الذين إذا أْصابتهم مصيبة قالوا إنا للـه وإنا إليه راجعون"،وأخذت أرددها وأدعو لابراهيم بالرحمة والمغفرة،أضاءت ابتسامته القبر الذي يضمه،عرفت حينها أنه لبى نداء ربه إذ همست في روحه الملائكة  "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلـي في عبادي وأدخلـي جنتي".

 

 كانت الساعة التاسعة والربع من صباح يوم الثلاثاء 15/5/2007،وهو نفس التاريخ الذي فقدنـا فيه وطننا فأصبح الجرح مضاعفا،فقد الأخ والوطن،وكلاهما بالنسبة لـي وطن،فقد كان ابراهيم رحمه اللـه رحيما رؤوفا حنونا،ولم يكن يعاملني كأخ أصغر، كان يشعرني دائما بأنه أبـا لـي،لذلك قلت .. مات أبـي يوم مت يـا ابراهيم،ودعته على أمل زيـارة أخرى،أو لقـاء في الدار الأخرى.

 كانت درجة الحرارة في هذا الوقت تزيد عن الخمسين درجة مئوية،رفعت رأسي إلـى السمـاء، داعياً اللـه سبحانه وتعالـى أن يغسله بالماء والثلج والبرد،وقلت قبل اْن اْغادر المقبرة .. يا أرض الرياض ... كوني برداً وسلامـاً على ابراهيم.

 

اليوم هو الثلاثاء الخامس من يونيو (حزيران ) وهو ذكرى مؤلمة وأليمـة  تذكرنا بالعار الذي لحق بالأمــة،هذا الثالوث المحزن (15/5/1948- 5/6/1967- 15/5/2007 )، سيبقى لاصقـا في ثنايـا القلب،حتى يمن اللـه علينـا بنصر أو شهادة.

 

والآن أجد لزامـا وواجبـاً عليّ أن أتقدم بالشكر والعرفان إلـى كل من واسانا في مصابنا سواء بالحضور إلـى مجالس العزاء في ديوان العائلة بخان يونس وقطر والرياض وجدة والقاهرة،أو بالإتصـال هاتفيـاً أو بالبريد الإلكترونـي أو في موقع العائلة،وشكراً خاصـاً، لأصحاب النفوس الكبيرة،الذين وقفوا معنا في مصابنـا،وهم يعرفون أنفسهم،ولا أريد أن أذكر أسماءهم ,, لأنهم أكبـر من أن أذكرهم كما أنهم لا يحبون ذلك لأن لسان حالهـم يقول .. هذا واجب نؤديه،أمـا الذين عرفوا بالمصيبة وعرفوا بموعد الجنازة،ولم يرغبوا في المشاركة،فقد حرموا أنفسهم من الأجر،ولا تثريب عليهم،ولهم أتمنى الصحة والعافية وطول البقاء.

 

(انا للـه وانا اليه راجعون )

 يونس عبد نعمـان الأغـا.

 (جسورة)

 الدوحة 5/6/2007م

[1]   شقيقة المرحوم.

[2]   ابنة المرحوم.

اضغط هنا للتعرف على المرحوم أ. يونس عبد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد