مقالات

وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة

 


وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة
المؤرخ اللواء محمود شيت خطاب.. يُنصف فلسطين ورجالاتها
 نبيل خالد الأغا -الدوحة
28/06/2007

 

  nabil-agha@hotmail.com

 

     

وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة
المؤرخ اللواء محمود شيت خطاب.. يُنصف فلسطين ورجالاتها


نشرت هذه الحلقات الست في جريدة الوطن القطرية
ابتداء من يوم 21/5 وحتى 27/5/2007

نبيل خالد الأغا - الدوحة



ا
لحلقة الاولى 1/6

أعتذر بداية عن استعمال ضمير المتكلم في هذه المقالة، لكنني أدعم هذا الاستعمال الاجباري بمقولة أستاذنا المؤرخ الراحل اكرم زعيتر: "إن من يكتب يومياته او مذكراته يعنى بما اتصل به شخصيا، من أحداث مشاهدة او اسهاما او تعليقا فلا تثريب عليه في الحديث عن دوره وهواجسه لأن ذلك لزام محتوم بكل يوميات او مذكرات خاصة
وفي اجتهادي ان حجب بعض الثناء باصطناع التواضع او اغفاله دفعا لشبهة التمدح هو ادنى الى .الجحود وان في اثباته تحدثا بنعمة الاخاء وعرفانا للجميل"
***
ارتبطت منذ وقت مبكر من حياتي بشخصية عربية فكرية وعسكرية مرموقة وفاعلة وبرغم فارق السن بيننا الذي وصل الى ثلاثة عقود تقريبا الا ان ذلك الفارق كان دافعا ذاتيا وحافزا قويا لمزيد من التواصل والتآخي بيني وبينه.

كنت انظر اليه نظرة تلميذ متيم بأستاذه، أقرأ كتبه ومقالاته بنهم وشغف واتحدث بفخر واعتزاز عن علاقتي بصاحب هذه الشخصية الجذابة والمتعددة الخصال والمواهب
وكان الاستاذ من جانبه يعاملني معاملة الاب الحنون لابنه الودود يشجعني ويبارك خطواتي الايجابية ويدعو الله تبارك وتعالى ان يشملني ببركته ويسدد بالتوفيق خطوتي
هذه تماما صورة مصغرة عن العلاقة الحميمة التي ربطتني بالمؤرخ المعروف والعسكري الفذ اللواء الركن محمود شيت خطاب أحد اشهر أعلام التاريخ والثقافة العربية والاسلامية في القرن العشرين

اضاءة على شخصية اللواء خطاب

وقبيل ان اخوض في تفاصيل ومعطيات هذه العلاقة اود الاشارة والاشادة بمناقب وعطاءات اللواء خطاب الذي ولد في مدينة الموصل "ذات الربيعين" في عام 1919م، وحصل على اجازة الماجستير في كلية الأركان ببغداد عام 1947، إضافة إلى دبلوم الدراسات العسكرية العليا بدرجة ممتاز، وإحرازه الترتيب الأول على نحو مائة ضابط في دورة كلية الضباط الأقدمين في لندن عام 1955 ومن جنسيات مختلفة، وهي واحدة من أربع وعشرين دورة تدريبية عسكرية شهدها في العراق وبريطانيا وشمال افريقيا.

وشارك اللواء خطاب في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد القوات البريطانية في العراق عام 1941، وتطوع للقتال في فلسطين عام 1948 وبقي في مدينة جنين الفلسطينية الباسلة أكثر من عام ثم عاد إلى العراق بعد إعلان الهدنة بين اسرائيل والدول العربية التي خاضت الحرب معها
وخلال حكم عبدالكريم قاسم في العراق اعتقل اللواء خطاب عام 1959 بسبب معارضته للحكم الشيوعي آنذاك وتم الافراج عنه بعد اعتلال صحته من آثار التعذيب الوحشي الذي تعرض له، وعندما تولى المشير عبدالسلام عارف الحكم في العراق أعاد له اعتباره وعينه في منصب وزاري لم يمكث فيه طويلا بالنظر لزهده في المناصب كلها فاستقال وتفرغ للعلم والتأليف
وفي عام 1968 تولى في القاهرة منصب رئيس لجنة توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية بإشراف جامعة الدول العربية، وفي عام 1974 عاد إلى العراق ومكث فيها بقية حياته، وواجه أثناءها شتى صنوف القهر المادي والمعنوي لأنه لم يكن على وفاق البتة مع نظام الحكم البعثي في العراق، وظل على تلك الحال البئيسة حتى توفاه الله تعالى في اليوم الثالث عشر من شهر ديسمبر عام 1998 بعد أن عاش نحو ثمانين عاما.

وقد تميزت حياته بعطاء ثر، ونتاج فكري غزير، وأسهم بجهد وافر في إثراء الحركة الثقافية والعلمية في العراق والوطن العربي، وألف المجلدات الضخمة غير المسبوقة في التاريخ العسكري العربي والإسلامي، والمعجم في المصطلحات العربية والإسلامية ورئيس لجنة القرآن الكريم بالأزهر الشريف، وعضو المجامع العلمية ببغداد ودمشق والقاهرة وعمان ورئيس لجنة توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية.

وبحسب ما أشارت إليه المصادر الموثوقة فإن للواء خطاب أكثر من أربعمائة كتاب وبحث بين منشور ومخطوط، وقد أعيدت طباعة بعض كتبه مرات ومرات، وهناك مجموعات من الكتب المخطوطة التي لم تطبع في حياته، وأتمنى بهذه المناسبة، بل وأناشد من يهمهم الأمر من كرام العرب سواء أكانوا من ذوي الجاه أو من ذوي السلطان أو من كليهما معا ان يهبوا وينهضوا باحتواء تلك المخطوطات وطباعتها ليتسنى الاستفادة منها، هذا على اعتبار انها مازالت موجودة، ولم تتعرض للضياع وللنهب الذي يتعرض له عراقنا الحبيب في هذا الزمن التعيس.

بداية المودة

بالنظر لإعجابي وتقديري للقائد الشهير عبدالقادر الحسيني رائد الكفاح المسلح في
فلسطين فقد كنت أطمح لتأليف كتاب عنه، فبرغم شهرته الفائقة إلا أن المكتبة العربية حتى عام 1968 كانت تفتقر لمثل ذلك الكتاب، وكنت يومئذ حديث التخرج في جامعة القاهرة ولتحقيق ذلك الطموح الذي كان يموج في صدري اعتمرت عائلة الشهيد الحسيني التي كانت تقيم يؤمئذ اقامة دائمة في القاهرة وتحديدا في ضاحية مصر الجديدة. فأشارت عليّ زوجة المجاهدة وجيهة الحسيني (أم موسى) وابنته السيدة هيفاء الاتصال باللواء الركن محمود شيت خطاب لأنه يملك الكثير من المعلومات العسكرية عن الشهيد عبدالقادر بالنظر لمشاركته في حرب فلسطين عام 1948 ضمن القوات العراقية في منطقة المثلث. ولم يتسن لي حينئذ الالتقاء بأبناء الشهيد لأن الابن الاكبر الدكتور موسى كان يعمل طبيبا في شركة "آرامكو" العملاقة بالسعودية. كما ان نجليه فيصل وغازي - الاثنان من مواليد بغداد - كانا خارج مصر ايضا، لكنني التقيتهم جميعا فيما بعد وتوطدت صلتي الاخوية بهم وحصلت منهم على معلومات وصور وثائقية مهمة.

ويشهد الله تعالى انني فرحت ساعتئذ فرحا غامرا لسببين اثنين: اولهما انني سأحصل من اللواء خطاب على معلومات حية وصادقة، وثانيهما لأنني سأتشرف بمعرفة شخصية عربية مميزة قرأت عنها الكثير، وتعلمت منها الكثير، وظهرت على شاشة ذاكرتي على الفور اسماء بعض كتبه التي شدتني اليها خاصة كتابه المميز "الرسول القائد" وايضا كتاب "قادة النبي" وهاتفته على الفور
فرحب بلقائي وفرح كثيرا حينما اخبرته عن طبيعة مهمتي، واتفقنا على ساعة مسائية معينة فالتقيته في بيته بمصر الجديدة. وتهيبت من لقائه وأوجدت في نفسي تبريرا نفسيا لذلك التهيب، فتساءلت في سري: أين انت ايها الشاب الفلسطيني السائر على باب الله المدعو نبيل خالد الاغا من المفكر المجاهد العملاق اللواء الركن محمود شيت خطاب؟

ورسمت في مخيلتي ابعاد ذلك اللقاء المرتقب المسكون بالقلق ولفتت انتباهي كلمة "شيت" التي تتوسط اسمه الكامل والتي ربما تكون اسما لوالده ما معناها؟و ربما تكون لهجة عراقية ولكن لم لا تكون كلمة عربية فصيحة؟
وبحثت عنها في" المعجم الوسيط "فاذا الشيت تعني ضربا من النسيج الخفيف المنقوش المصنوع من القطن
وذهبت في الموعد المحدد وخلال اللحظات الاولى للقاء تبخرت والى الابد سحائب القلق والرهبة التي داهمتني لتحل محلها واحات السكينة والطمأنينة والالفة لقد اسرني بتواضعه ووقاره وزهده
حاولت في البداية اطراء ما قرأت من مؤلفاته فلمست فيه ازورارا واعراضا عن اطراءاتي معتمدا على عدم تحبيذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لمثل هذا النوع من المديح وبلباقته ادار دفة الموضوع وحولها الى الحديث عن بطولة الشهيد عبدالقادر الحسيني وافاض في شرح شخصيته العسكرية الفذة وفي جهاد شعب فلسطين وتحدث بحميمية لافتة عما لمسه شخصيا من بطولة ذلك الشعب خلال وجوده في مدينة جنين باعتباره كان الحاكم العسكري العراقي فيها خلال عام 1948 وهم جزء من اهل فلسطين الذين افتقدوا لمثل هذه الشهادة الممهورة في سجل التاريخ والتي تكاد لا تجد لها صدى مسموعا في ظل المؤامرة الكبرى التي لم تستهدف فقط اضاعة فلسطين وتشريد شعبها بل التشكيك في مصداقية هذا الشعب في دفاعه عن حقوقه المشروعة ولكن ستبقى شهادة المؤرخ المنصف محمود شيت خطاب وامثاله من المؤرخين الصادقين اوسمة مجد وفخار تزين هامات الفلسطينيين على مدى التاريخ

يتبع غدا
 



وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة
نبيل خالد الأغا : شهادة موثقة عن الشهيد عبد القادر الحسيني
2/6



ورد ضمن شهادة اللواء محمود شيت خطاب عن الشهيد عبد القادر الحسيني قوله خلال الاحتفال المهيب الذي جرى أمام النصب التذكاري لشهداء العراق عند مثلث جنين - نابلس - قباطيا تمجيده لبطولة جنين وأهلها:

أجنين إنك قد شهدت جهادنا وعلمت كيف تساقطت قتلانا
أجنين لا أنسى البطولة حية لبنيك حتى أرتدي الأكفانا
أجنين بلد الكرام تجلدي ما مات ثأر ضرجته دمانا
لا تعذلوا جيش العراق وأهله بلواكم ليست سوى بلوانا
ان السنان يكون عند مكبل بالقيد في رجليه ليس سنانا

واختتم الشاعر الفارس قصيدته بقوله:
المخلصون تسربوا بقبورهم والخائنون تسنموا البنيانا
ان الخلود لمن يموت مجاهدا ليس الخلود لمن يعيش جبانا
هذا جزء من شهادته شعرا اما شهادته النثرية فقد ورد جزء منها في كتاب "جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن" لمؤلفه المرحوم صالح مسعود بويصير وزير الخارجية الليبية التي كان يستقلها الذي استشهد فيما بعد اثر اسقاط الطائرة المدنية الليبية التي كان يستقلها من قبل سلاح الجو الاسرائيلي ابان احتلال اسرائيل لشبه جزيرة سيناء بداية عقد السبعينيات، وقد سجلت جانبا مما سمعته من اللواء خطاب شخصيا في كتاب "مدائن فلسطين: دراسات ومشاهدات" الذي صدر عام 1993 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت وقد أوردت شهادات اللواء خطاب في معرض حديثي عن "مدينة جنين .. الماء والخضرة والوجه الحسن" ولا أرى بأسا من "
ايراد بضعة اسطر مما ورد على لسانه:
"وإني لأشهد بأن الفلسطينيين كانوا جنودا بكل ما في الجندية من معاني الضبط والنظام والتضحية والفداء، وكانوا ملء العين قدرا وجلالا وبطولة وشجاعة، وقد اتاحت لي الظروف ان اتولى منصب الحاكم العسكري لمدينة جنين، بالاضافة إلى منصبي ضابط ركن، جحافل اللواء العراقي الرابع، فأصبح اتصالي مباشرا بأهل المدينة، والنازحين إليها من منطقة حيفا من الفلسطينيين المدنيين.
كما ان اهل جنين يرعون العراقيين رعاية لا توصف، بيوتهم مفتوحة للجميع، يتلقونهم فيها بالاحضان، ويغدقون عليهم من كرمهم وأريحيتهم فكانوا بحق أهلهم بعد أهلهم"

الشهيد الحي عبد القادر الحسيني

لقد كان للمعلومات الجيدة التي استقيتها من فقيدنا الراحل وكذا توجيهاته وتشجيعه الاثر الطيب في صدور الكتاب المرتجى عام 1980 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت بعنوان قضية فلسطين في سيرة بطل "الشهيد الحي عبد القادر الحسيني"، والذي كان باكورة مؤلفاتي واستغرق تأليفه وجمع مادته الوثائقية النادرة من القدس والقاهرة ودمشق وبغداد وعمان والدوحة نحو عشر سنوات، ولقد كان لأخي وصديقي الناقد العروبي المعروف رجاء النقاش فضل كبير في طباعة الكتاب ونشره بواسطة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت حيث كانت تربطه علاقة ود حميم مع مدير المؤسسة ومؤسسها الشهيد عبدالوهاب الكيالي وأخيه الاستاذ ماهر مدير المؤسسة حاليا.

جدير بالذكر أنني أثناء إعداد مادة الكتاب طرقت أبواب المكتبات الرسمية في العواصم الآنفة ونفضت طبقات الغبار المتراكمة على الكتب والدوريات المتعلقة بالموضوع إضافة الى اتصالي الشخصي المباشر وغير المباشر عبر الرسائل المتبادلة بشخصيات معينة كان لها دور جهادي فاعل أو دور معلوماتي مهم ومن أبرزهم الفضلاء الذين أحسبهم اليوم ينعمون بالنعيم المقيم مع الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا: الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الاكبر ورئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين (ابن أخته الشهيد عبد القادر الحسيني) المجاهد الدكتور قاسم الريماوي، المجاهد كامل عريقات (رئيس مجلس النواب الأردني فيما بعد) القائد الاردني المجاهد عبدالله التل، المجاهد بهجت أبو غربية، المجاهد حلمي أحمد الاغا، المجاهد عبد الرحمن علي شحدة (من قرية لفتا) المجاهد صبحي ياسين، الشاعرة أسمى طوبي، الاستاذ محمد رفيق اللبابيدي (أحد زملاء الشهيد عبد القادر الحسيني أثناء دراستهما في الجامعة الاميركية بالقاهرة) وكذلك الحاج رشاد الشوا رئيس بلدية غزة الاسبق وزميل الشهيد بالجامعة الأميركية والاستاذ محمود الشريف صاحب "الدستور" الأردنية، والمحامي اميل الغوري وغيرهم
هذا اضافة الى وزارة الإعلام العراقية الممثلة في شخصية السيد عامر رشيد السامرائي حيث أمدتني بأسماء بعض الشخصيات العراقية التي كانت مقربة من الشهيد الحسيني أثناء إقامته في بغداد مع عائلته وهم الفضلاء عبدالله عبد المجيد، طالب مشتاق، عبد المحسن شنشل، الذين وافوني بمعلومات غاية في أهميتها.
واهتبل هذه الفرصة لأوصل رسالة ائتمنتني عليها المجاهدة الصابرة المرحومة السيدة وجيهة الحسيني (أم موسى) حيث قالت لي: يا بني . ناشدتك الله إذا ما تحدثت في كتابك عن فترة اقامتنا في العراق فلا تنس أن تذكر أهل العراق بكل خير فهم والله العظيم أهل شهامة ومروءة وكرم، وقد أغرقونا بأفضالهم، وأدعو الله تعالى أن يثيبهم عنا خير الثواب وأجزله.
وهأنذا قد بلغت الرسالة للمرة الثانية يا أم موسى فلتهنأ نفسك ولتقرّ عينك.

وعودة ثانية الى الكتاب المطبوع حيث وصلتني عدة نسخ منه عن طريق أخي الاستاذ رجاء فبادرت بإهدائه النسخة الأولى اعترافا بفضله في طباعة ونشر الكتاب بينما أهديت نسخة أخرى الى اللواء خطاب وطلبت منه في حال إعجابه بالكتاب أن يتكرم بكتابة مقدمة الطبعة الثانية لأن الطبعة الأولى صدرت دون مقدمة بل مجرد إهداء (الى الفارس المغوار الذي سيغرس لواء التحرير على ربوة القسطل اليه والى كل فارس صدوق أهدي سيرة القائد الباسل عبد القادر الحسيني).

وفور تسلمه الكتاب بادر بكتابة الرد التالي الذي أنقله حرفيا عن الرسالة الاصلية والتي تضمنت شكره لي مرتين أولاهما على ارسال الهدية (الثمينة) والثانية على كتابتي عن الشهيد عبد القادر كما تضمنت تأكيده على وعده السابق بكتابة مقدمة الطبعة الثانية في حال عزمي على إعادة الطبع (عزمت مرارا على إعادة طبعه لكن الضغوط الحياتية حالت دون تحقيق ذلك) وكذلك اشارته الى وجود بعض الاخطاء المطبعية واللغوية الطفيفة.

الوثيقة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الأعز الاستاذ نبيل خالد الاغا - حفظه الله -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تسلمت رسالتكم الكريمة المؤرخة في 8 رمضان 1400 مع نسخة من كتابكم القيم: الشهيد الحي عبدالقادر الحسيني عليه رحمة الله
واشكركم مرتين: على هديتكم الثمينة اولا وعلى كتابتكم عن هذا الشهيد، فقد تكاسل غيرك عن الوفاء بحقوق امثاله الابطال، وبعد مدة من الزمن يدخلون في طي النسيان، فلا يعرفهم احد، وينساهم الناس، فجزاكم الله خير الجزاء
ولا ازال عند وعدي في كتابة المقدمة فاذا عزمت على اعادة طبعه فأخبرني حتى اقوم بقسط من واجبي تجاه البطل الشهيد وتجاه الكاتب الوفي
ولقد رضيت عن الكتاب بصورة عامة واعتقد انكم لاحظتم الاخطاء المطبعية وهي واضحة جدا وهنات الكتاب اللغوية طفيفة يمكن تداركها وما عدا ذلك فالامر سائر على احسن حال في التبويب والترقيم وحشد المعلومات.
وعدني المسؤول عن الصحافة في سفارة قطر هنا ان يبعث لي مجلة الدوحة ولكنه لم يف بوعده فسكت عن المطالبة بها ووجودك فيها ضمان لها وسند
سلامي على الاهل والاصدقاء رعاكم الله ووفقكم
العنوان
العراق- بغداد- اليرموك
أخوكم
محمود شيت خطاب
يتبع غدا
 



وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة
نبيل خالد الأغا- تحذير مبكر من اللواء خطاب إلى الأمة
3/6
 


.. ومضت الأيام وشاءت ارادة الله تبارك وتعالى ان تشهد الدوحة انعقاد المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية بمناسبة بداية القرن الهجري الخامس عشر، وكنت يومئذ اشغل منصب سكرتير تحرير مجلة الدوحة الثقافية الشهرية، فسعيت للقاء اخي الأكرم محمود شيت خطاب الذي شارك في أعمال المؤتمر وقدم بحثا مهما بعنوان "تاريخ جيش النبي صلى الله عليه وسلم"
وقد اكتسبت فرصة وجوده في الدوحة وسعدت بلقائه مرات عديدة وأجريت معه حوارا صحفيا مسهبا تم نشره في عدد شهر ابريل 1980 بمجلة الدوحة ذاتها.

وردا على أحد الأسئلة أجاب بقوله: إن من واجب العرب ان يدرسوا تاريخ الحروب ليأخذوا منها العظات والعبر، وعلى العرب ان ينتجوا السلاح النووي ليصاولوا به العدو الصهيوني دفاعا عن انفسهم وحقوقهم واستنقاذا لأرضهم وعرضهم وإلا فسيصبحون لاجئين اليوم أو غدا، اني أنذر فهل من سميع مجيب أم على قلوب أقفالها؟
وحتى ندرك مدى مصداقية رؤية اللواء خطاب علينا مراقبة ما حدث من محن للوطن العربي بعد ادلائه بآرائه تلك،
وكنت قد اتفقت معه للمساهمة بكتابة مقال شهري تركت له حرية اختيار موضوعه حسب الاتجاه العام للمجلة فبرَّ بوعده.

الوثيقة الثانية
تتضمن هذه الوثيقة عدة نقاط مهمة هي: اخباري بأن اللواء خطاب كتب مقدمة الطبعة الثانية فعلا وبعثها لي.
- اطراؤه لي شخصيا واعتباري ولده يفرح بلقائي ويسر كثيرا بمقالاتي التي كنت انشرها بصورة مستمرة تحت عنوان "وجه مدينة من فلسطين" ويعتبرها "مقالات من اعصاب لا من كلمات تهز من يقرؤها هزا."
- تأكيده على مواصلة الكتابة إلى مجلة الدوحة (مختارا البحوث التي توقظ العرب وتطلعهم على الواقع لا المقالات التي تسليهم وتدغدغ أحلامهم.)
- عبر عن فرحه بتولي الاستاذ رجاء النقاش رئاسة تحرير المجلة، ووصفه بأنه "طيب جدا، وأسلوبه واضح، وفي مقالاته حياة، وسينجح في مهمته بإذن الله"
- وجه لي دعوة لزيارة العراق وأحل ضيفا على (أخي) أو (عمي) في (داري) ببغداد"
وهذا هو النص الحرفي للوثيقة الثانية:
الوثيقة الثانية
21 ربيع الآخر 1401
26 فبراير 1981
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الأعز الاستاذ نبيل رعاه الله وحماه
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
تسلمت رسالتكم أمس، بعد ان امضت في تطوافها بالبريد شهرا كاملا، فسرّنى ان تكونوا مع الأهل على أحسن حال والحمد لله.
لقد كتبت مقدمة كتابكم: الشهيد الحيّ عبد القادر الحسيني عليه رحمة الله، وبعثت بها إليكم، وأعتقد أنها وصلت إليكم، وأرجو أن تكون قد أعجبتكم، فقد كان المرحوم صديقي، وكان أهله أصدقائي من بعده، وطالما زرتهم في دارهم بمصر الجديدة، أما أنت فأعتبرك ولدى وأفرح بلقائك وأسر كثيرا بمقالاتك وبخاصة الفلسطينية منها، فهي مقالات من أعصاب لا من كلمات تهز من يقرؤها هزا.

وسأواصل الكتابة إلى المجلة، مختارا البحوث التي توقظ العرب وتطلعهم على الواقع لا المقالات التي تسليهم وتدغدغ احلامهم، والتوفيق والتسديد من الله عز وجل
ولم اطلع على مقالاتي المنشورة، لأن وصول المجلة إلى الباعة غير منتظم، فأرجو ان تبعثوا لي بنسختين من كل عدد فيه مقال لي ابتداء من أول ما نشر عندكم، وسأكون لكم شاكرا
وقد فرحت بتولي الاستاذ رجاء النقاش رئاسة تحرير المجلة، فهو طيب جدا، وأسلوبه واضح، وفي مقالاته حياة، وسينجح في مهمته، بإذن الله، أرجو ان تبلغوه تحياتي وتقديري
سلامي على أهلك وأولادك ومن حولك ومن تحب، وأرجو إخباري بوصول مقدمة كتابكم إليكم، وإخباري بما تريد، وياحبذا لو قدمت العراق وحللت ضيفا على أخيك أو عمك في دارك ببغداد، وهاتفي 0551496 للاتصال بي متى شئت
والسلام علكيم ورحمة الله وبركاته.
بغداد - اليرموك
محمود شيت خطاب
الوثيقة الأكثر أهمية
هذه الوثيقة هي محور الرحى، والعمود الفقري لهذا الموضوع برمته، ولا مندوحة من ابراز بعض الحقائق قبل الإبحار في أعماق الوثيقة حسب الاتفاق الأخوي الذي تم بيني وبين اللواء الركن محمود شيت خطاب فقد تعهد بكتابة مقدمة الطبعة الثانية من كتاب "الشهيد الحي عبد القادر الحسيني"
وبرغم صدور الطبعة الثانية .. الا ان المقدمة " أو الوثيقة" لم تنشر فيها!! ولا أمتلك تفسيرا لذلك الا باعتباره إرادة الهية بحتة ورب سائل يقول: ولماذا؟
وبنفس المنطق أجيب بأن ارادة الله تعالى شاءت ان يطبع الكتاب عام 1986 في شمال فلسطين المحتلة منذ عام 1948 وتحديدا في مدينة عكا وليس في عمق العاصمة اللبنانية بيروت كما حدث عند صدور الطبعة الأولى عام 1980 ولكن كيف حدث ذلك؟
برغم مرور أكثر من ربع قرن على صدور طبعة بيروت الا ان الطبعة البيروتية الثانية لم يكتب لها الصدور حتى كتابة هذه السطور في شهر مايو 2007م اقرر هذه الحقيقة بداية ومضيفا إليها حقيقة ثانية بأن ما من كتاب صدر عن الشهيد عبد القادر الحسيني بعد ذلك إلا واعتمد مؤلفه على كتابي كمصدر اساسي لتوثيق كتابه حتى ان احد الباحثين ذكر اسمي تحديدا أو اسم كتابي ثلاثا وعشرين مرة في متن كتابه عدا المرات التي غفل فيها عن ذكر أي من الاثنين.

كما ان "الموسوعة الفلسطينية" التي صدرت في دمشق عام 1984م وضعت اسمي واسم كتابي "قضية فلسطين في سيرة بطل الشهيد الحي عبد القادر الحسيني" أول مرجع رجعت إليه في كتابة معلوماتها عن عبد القادر الحسيني، و"المرجع" الثاني مجلة "شؤون فلسطينية" والثالث والأخير مجلة "العربي" الكويتية، وذلك في المجلد الثالث من الموسوعة وتحديدا في الصفحة رقم مائة وسبعين.
أقول هذا من باب التقرير والاعتزاز ليس إلا
ولكن .. لماذا تم طبع الكتاب في عكا الحبيبة تحديدا؟

يتبع غدا
 



وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة
نبيل خالد الأغا : شهادة موثقة عن الشهيد عبد القادر الحسيني
4/6
 


في عام 1984 اعتمرت العاصمة الأردنية قادما اليها من الدوحة وذلك دأبي صيف كل عام. وكنت قد وعدت شاعرة فلسطين النابغة فدوى طوقان أن أزورها في بيت شقيقتها حنان بجبل الحسين لتنسيق مساهمتها الادبية في مجلة الدوحة بناء على اتفاق مسبق مع الاستاذ رجاء النقاش
واستقبلتني استقبالا محفوفا بكل مظاهر التقدير والترحيب وأهدتني نسخة من ديوان أخيها الشاعر الاشهر ابراهيم عبد الفتاح طوقان الذي طبع يومئذ حديثا في عمان وكتبت عليه إهداء رقيقا هذا نصه: هدية إلى الأخ العزيز الاستاذ نبيل الأغا، ذكرى أول لقاء في عمان مع كل الاعزاز والمودة. فدوى طوقان 24 أغسطس 1984
ونقلت لي أثناء الزيارة تحيات الاستاذ يعقوب حجازي صاحب ومدير "مكتبة الأسوار الكبرى" في عكا ورغبته في اصدار الطبعة الثانية من كتاب "الشهيد الحي عبد القادر الحسيني" معتذرا سلفا - في حال موافقتي - عن تقديم أي مبلغ مادي مقابل ذلك!!

حقيقة شعرت باعتزاز وفرح غامرين من جراء ذلك الخبر المبهج، فإن مجرد وصول الكتاب الى ذلك الجزء الغالي من فلسطيننا يعتبر مكسبا وطنيا مشرفا، فوافقت على الفور مع رجاء التكرم بتزويدي بعدة نسخ من الكتاب في حال صدوره، وقد تم ذلك فعلا
وصدر الكتاب في طبعته الثانية بعد عدة شهور من الاتفاق الشفوي، وهكذا لم يقدر لهذه المقدمة - الوثيقة - أن ترى النور ولأن ما تضمنته من شهادات ومعلومات صادرة عن مؤرخ اسلامي عسكري له وزنه ومكانته في الوطن العربي فلا بد أن ترى النور ليطلع عليها القراء ويغتني بها المختصون في دراساتهم وبحوثهم عوضا عن بقائها حبيسة الادراج والملفات
فما أهم العناصر التي تضمنتها المقدمة/ الوثيقة؟

أولا: شاب فلسطيني زاره في شقته المتواضعة بمصر الجديدة في ليلة من ليالي عام 1970 وحدثه بأنه يعمل منذ سنوات في تأليف كتاب عن الشهيد عبد القادر الحسيني ولاحظ اندفاعا وحماسا لدى الشاب وعبر اللواء الخطابي عن فرحه بهذا المشروع المثمر.

ثانيا: التاريخ العربي يعج بصنوف كثيرة من الأبطال من أمثال الحسيني وذكر أن نسبة الشهداء ثمانون بالمائة من مجموع الصحابة الكرام.

ثالثا: رجع الى التاريخ الحديث الذي نكب فيه العرب والمسلمون بالاستعمار، وكان من خططه إسدال الستار على البطولة الحركية في تاريخنا المجيد.
وأشاد اللواء خطاب ببطولة الفلسطينيين الذين ما هانوا ولا استكانوا وتذرعوا بالصبر الجميل.

رابعا: مضت السنون دون اتصال بين الاثنين وأثناء انعقاد مؤتمر السيرة والسنة في الدوحة (الذي شارك فيه اللواء خطاب) فوجىء بالشاب الفلسطيني يزوره ويخبره بأن الكتاب سيصدر قريبا، وبعد فترة وجيزة وصله الكتاب فعلا وهزه الفرح بصدوره هزا عنيفا وعكف على قراءته واطلاع أصدقائه في بغداد عليه.
خامسا: تحدث عن الكتاب القيم الذي لا يخلو من الأخطاء المطبعية واللغوية القليلة جدا
وتحدث عن صاحب السيرة الشهيد عبدالقادر الحسيني أثناء فترة وجوده في بغداد عام 1938، والذي مازال أصدقاؤه وتلاميذه يذكرونه بفائق التقدير والاحترام، فقد علمهم الإخلاص كما علمهم العلم، وحضر أثناء ذلك دورة لضباط الاحتياط فأصبح ضابطا واستطاع أن يُكَوِّن جماعة ضخمة من العراقيين المتحمسين الذين شاركوا فيما بعد في مواقع مختلفة في العراق وفلسطين
سادسا: إنصافا للتاريخ ولأقدار الرجال العرب والمسلمين المجاهدين قال: إن البطل عبدالقادر الحسيني كان حسنة من حسنات مفتي فلسطين الأكبر الحاج أمين الحسيني، فقد كان الحسيني الكبير يرعى الحسيني الصغير رعاية لا حدود لها.

وشهد اللواء خطاب شهادة تاريخية من واجب المؤرخين الذين يتناولون شخصية الحاج أمين الحسيني ان يدونوها في صلب شخصيته اعترافا بفضله، وكذلك بالنسبة للمؤرخين الذين يؤرخون لثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الانجليز (عام 1941) (1)، وورد قوله حرفيا "لقد عرفت الحاج أمين الحسيني عن كثب حين كنت ضابطا صغيرا في ثورة رشيد عالي الكيلاني، ولمست صلته العارمة بالفرسان الأربعة وبرشيد عالي الكيلاني، وأستطيع أن أؤكد أن الحسيني الكبير كان روح الثورة العراقية، ودماغها المفكر، وكان قادتها يأخذون بتوجيهاته وينفذونها فورا، ويحتفلون بها أيما احتفال."
وتحدث بعد ذلك عن الخلاف الذي نشب بين الرجلين أثناء وجودهما في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية، وقرر اللواء خطاب بعد حديثه معهما عن أسباب ذلك الخلاف أنه "اختلاف الرأي الذي يراد به البناء، لا اختلاف المبادئ الذي يراد به الهدم."
وتحدث بعدئذ بإسهاب عن شخصية الحاج أمين الحسيني، خاصة بعد سقوط القدس في السادس من يونيو عام 1967، وزيارته له بمقر إقامته بلبنان، وثباته على مبادئه وعدم تزحزحه عنها حتى ذهب إلى جوار ربه.
ثم عرج على "أشباه الرجال" الذين يتطاولون على الحسيني الكبير ليغطوا عيوبهم، وليشاركوا في تحطيم الشخصيات العربية الإسلامية خدمة للمستعمر لكنهم فشلوا
سابعا: تحدث بإسهاب ومدح باستفاضة شخصية المؤلف، نختصرها بقوله جزاه الله خيرا "وبكلمات معدودات فإن نبيل خالد الأغا هو العربي الأصيل، المسلم الحق، المجاهد الصادق، يعيش لخدمة هذه المثل العليا، ولولاها لما كان لحياته قيمة ولا معنى"
ثامنا: لنتأمل نصوص الوثيقة/المقدمة، ونتدبرها ببصر وببصيرة وهذا نصها الحرفي:

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة كتاب الشهيد عبدالقادر الحسيني
اللواء الركن: محمود شيت خطاب
-1-
في ليلة من ليالي سنة 1390هـ (1970) زارني شاب فلسطيني في شقتي المتواضعة التي تقع بمصر الجديدة بالقاهرة وحدثني بأنه يعمل منذ سنوات في تأليف كتاب عن الشهيد عبدالقادر الحسيني. ولمست في الشاب الزائر حماسة واندفاعا وصدقا وايمانا وعزما وتصميما ففرحت بلقائه أعمق الفرح وبمشروعه المثمر اعظم السرور. وسر فرحي بلقاء هذا الشاب ما لمسته فيه من حيوية متدفقة وجَدَتْ لها متنفسا في التأليف وعهدي لداته في شغل شاغل عما يفيد بما لا يجدي ولا يفيد.
وسر فرحتي بمشروعه المثمر ان الامة العربية انجبت ابطالا في هذا العصر وفي كل عصر فلم يقابلوا من بني جنسهم بما يستحقون من اكبار وتقدير وكان نصيب اكثرهم العقوق والنسيان. وتكريم الابطال في حياتهم وبعد موتهم لا يقتصر نفعه على اشخاص الابطال بل يشمل الشباب بخاصة ومختلف افراد الشعب. فإن هذا التكريم يشجع الآخرين على اقتفاء آثار الأبطال عملا وتضحية وفداء. أما اذا تنكرت الشعوب لأبطالها فاقرأ على تلك الشعوب السلام.
-2-
والتاريخ العربي الاسلامي يعج بصنوف كثيرة من الابطال يندر ان نجد امثالهم كَمَّا ونوعا في سائر التواريخ لمختلف الامم القديمة والحديثة.
وكان العربي قبل الاسلام يفخر بخصلتين: الشجاعة والكرم، والذين يدرسون كتب الانساب العربية يجدون ان اغلب العرب ماتوا بحد السيوف ولم يموتوا على فراشهم وكان شعارهم: النار ولا العار.
وجاء الاسلام فنظم هذه الشجاعة فجعل الشهادة من اجل العقيدة ولم يبق الموت من اجل حماية الذمِّار.
والكتب التي سجلت سير صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كطبقات ابن سعد وأسد الغابة والاصابة والاستيعاب تشير الى أن كل خمسة من الصحابة الكرام استشهد منهم أربعة اي ان نسبة الشهداء ثمانون بالمائة من مجموع الصحابة عليهم رضوان الله، فلا تسأل كيف تم الفتح الاسلامي بهذه السرعة المذهلة، فالفتح الذي اذهل العالم تحقق بالشهداء لا بالكلام
ولا أعرف عقيدة من عقائد السماء والارض كرمت الشهداء كما كرمهم الاسلام في إسباغ مبدأ الحياة الدائمة المستمرة عليهم: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون" "الآية الكريمة من سورة آل عمران 3-169
يتبع غدا

 

هامش: استمرت الثورة التي حملت اسم قائدها رشيد عالي الكيلاني نحو شهرين، ساعد الألمان خلالها الثوار العراقيين وكانت تهدف لتحرير العراق من الاحتلال البريطاني، بدأت الثورة في 2 إبريل (نيسان) 1941 وتسلم الكيلاني السلطة، لكن الانجليز تدخلوا عسكريا وأسقطوا حكومته في 30/5/1941م.
 


 



وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة
نبيل خالد الأغا : عبد القادر الحسيني .. شهيد علَّم طلابه الاستشهاد
5/6
 


فيما يلي نواصل نص المقدمة/ الوثيقة التي سطرها اللواء محمود شيت خطاب

نُكب العرب المسلمون بالاستعمار في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي فكان من خططه الخبيثة اسدال الستار على البطولة الحركية في تاريخنا المجيد وشاع الفراغ في عقول الناشئين وكل فراغ لا يبقى فراغا بل يملأ بالحق أو بالباطل فملأ المستعمر هذا ا لفراغ بأسماء غريبة على قومنا بعيدة عن ديننا وأصبح العربي والمسلم يعرف عن نابليون اكثر مما يعرف عن خالد بن الوليد!

ومضى المستعمر يعمل عمله التخريبي في العقول والنفوس العربية والاسلامية فإذا بالمسلم العربي يهمل ابطال امته وعقيدته ويستورد ابطالا من جنس آخر وعقيدة أخرى والمذهل حقا أن الابطال المستوردين هم الذين استعمروا بلاده وامتهنوا أمته وعادوا عقيدته وحاولوا ذبحها بغير سكين

وجاء حين من الدهر على المخلصين من العرب والمسلمين يتساءلون فيه :أما لهذا الليل من آخر وفي أية ساعة من الليل نحن؟

وطالما تساءلوا: ما ذنب هذا البطل العربي المسلم؟ ألأنه عربي ولأنه مسلم يقابل بمثل هذا التنكر والاهمال، أهي جريمة أن يكون المرء عربيا أصيلا ومسلما حقا؟

وإذا كان هذان العيبان يغمران كل عربي مسلم بحجاب من الدخان الكثيف فإن أهل فلسطين جمعوا ثلاثة عيوب: أن يكون عربيا أصيلا ومسلما حقا ، وفلسطينيا مجاهدا!

ويالله لأهل فلسطين المجاهدين، فقد تكسرت في أجسادهم النصال على النصال فما هانوا ولا استكانوا وتذرعوا بالصبر الجميل.

ــ 4 ــ

وكأنني كنت في حلم لذيذ حين زارني ذلك الشاب الفلسطيني قبل عدة سنوات، فقد مضى خياله عن عيني ولكن حديثه بقي يراودني بعد حين، وكانت أمنيتي أن أعرف هل أنجز الشاب ما وعد أم أن وعده في طريق التنفيذ.
وسألت عنه كل من أعرف من آل الحسيني الكرام ومن المعنيين بالشؤون الفلسطينية فكنت أسمع أخباره السارة تارة وأخباره المثبطة تارة أخرى.

وفي مؤتمر السيرة النبوية الذي عقد في الدوحة بقطر جاءني الخبر اليقين فقد رن جرس الهاتف في غرفتي فإذا بالمتكلم فلسطيني يريد زيارتي فما كاد يستقر في مكانه إلا وبدأته بالسؤال عن المؤلف والكتاب وكم كان سروري هائلا حين علمت أنه المؤلف وأن الكتاب سيصدر قريبا

ولم أفرح لشيء فرحي بهذا الخبر اليقين الا عندما فرحت حين تسلمت الكتاب فقد هزني الفرح هزا عنيفا وعكفت على قراءته فور تسلمه ونسيت ما أنا بصدده من قراءة وتأليف بل لم أسمع صوت تلك التي في بيتي تذكرني بموعد الغداء.

وتوقف الزمن بالنسبة لي حتى فرغت من قراءة الكتاب

وشغلني الكتاب أياما لا يحدثني أحد في الهاتف الا وذكرته له وبشرته بصدوره وما زارني من أحد إلا واقتصر حديثي عن الكتاب وقد استعاره مني عدد كبير من الاصدقاء قبل أن يصل الى المكتبات وما زال يطوف بين القراء من الاصدقاء.

وقلت لنفسي: لقد بزغ الفجر الصادق بعد ليل طويل وسيسفر الصبح قريبا إن شاء الله

لقد نال عربي اصيل ومسلم حق وفلسطيني مجاهد حقه وهذا أول الغيث الذي سينهمر بإذن الله

ــ 5 ــ

ولا بد أن أتكلم قليلا عن الكتاب أولا وعن المؤلف ثانيا والكتاب قيم للغاية في مبناه وفي معناه، فمبناه جيد التبويب حسن الاخراج لا يخلو من الاخطاء المطبعية واللغوية ولكنها قليلة جدا لا تقلل من شأن الكتاب وقيمته.

وأما معناه فجليل حقا لأنه يتحدث عن شهيد (الشهيد عبد القادر الحسيني) جاد بروحه الطاهرة من أجل الدفاع عن الارض المقدسة واستشهد مقبلا غير مدبر فاستحق اعجاب العدو والصديق على حد سواء.وقد كان المرحوم يتمنى الشهادة ويبذل أقصى جهده لينالها فحقق الله له أمله في الاستشهاد.

وكان وجوده في العراق منذ أواخر سنة 1357 هـ (1938 م) فرصة لإعجاب العراقيين به قائدا وإنسانا، ولا يزال تلاميذه وزملاؤه يذكرونه بفائق التقدير والاعجاب فقد كان يدرِّس الرياضيات في مدرسة التفيُّض الاهلية وفي الكلية العسكرية وكانت ساعة الدرس خمسين دقيقة يقضي خمس عشرة دقيقة منها في تعليم الرياضيات ويقضي خمسا وثلاثين دقيقة في الحديث عن فلسطين وأهمية الدفاع عنها والاستشهاد في سبيلها وكثيرا ما كان يبكي ويُبكي طلابه وهو البطل الذي لا تبكيه الاحداث ولا تهزه النكبات كأن الشاعر أراده بقوله:

لا تقولي أفيبكي رجل يملأ الأعين قدرا وجلالا

حكمة الجبار فينا جعلت من صروف الدهر ما يُبكي الرجالا

وطلابه لا ينسونه أبدا فقد علمهم الاخلاص كما علمهم العلم ولم يهمل واجبه العلمي على حديثه الفلسطيني بل كان متميزا في القسمين ولكنه لم يقتصر على واجبه التعليمي بل كان يدرب الفلسطينيين الذين يتسللون الى العراق ويجري تدريبهم في منطقة «ابي غريب» التي تقع بين بغداد والفلوجة وكانت في حينه قليلة السكان بعيدة عن الانظار وكان الفرسان الاربعة الشهداء: صلاح الدين الصباغ، ومحمود سلمان، وفهمي سعيد، وكامل شبيب، يجمعون العتاد اقتصادا من الرمي السنوي ويسلمونه في ابي غريب للشهيد عبد القادر الحسيني الذي يُسرِّبه بطريقته الخاصة الى المجاهدين الفلسطينيين.

وشهد في الكلية العسكرية العراقية دورة لضباط الاحتياط مدتها ستة أشهر تلقى خلالها المعلومات المركزة في الناحيتين العملية والنظرية فنجح في هذه الدورة بتفوق على أقرانه وأصبح ضابطا في الجيش.

ويومها كان شابا في ريعان الشباب فاستطاع ان يكون له جماعة ضخمة من العراقيين الذين توسم فيهم الاخلاص والحماسة، منهم الطالب في مدرسة التفيُّض وفي الكلية العسكرية ومنهم المعلم في المدرسة والكلية ومنهم الزميل المشارك في الحرص على الدفاع عن فلسطين ومنهم الجار في الكرادة الشرقية والاعظمية ببغداد وفي مدينة زاخو والعمارة وقد أثر في اصدقائه تأثيرا حاسما فاستشهد منهم في ثورة مارس سنة 1941 في العراق وفي معركة استعادة جنين سنة 1948 وفي مقاومة انحراف الحكم في العراق خلال سنة 1959م حتى ثورة 14 رمضان 1963م فكان من اصدقائه وطلابه من اقتحم الاذاعة واستولى عليها.

والخلاصة أن أكثرية اصدقائه وطلابه فازوا بالشهادة وأقلهم حظا من فاز بالسجون والمعتقلات ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا

لقد كان الشهيد البطل معلم الشهداء واستاذهم، والاخلاص ينتقل بالعدوى من نفس الى نفس وقد انتقل اخلاصه الفذ الى نفوس طلابه وأصدقائه فأنار قلوبهم بنور من نور الله الذي لا يقل ولا ينطفىء. أما بطولته في ثورة رشيد عالي الكيلاني عليها رحمة الله فحدِّث عن البحر ولا حرج ، فقد كان يقود رجاله من الامام يقول لهم «اتبعوني ولا يقودهم من الخلف» وكان القدوة لرجاله ولولا قدر الله لاستشهد مرات في تلك الثورة الميمونة، ولكن النفس لا تموت الا اذا استوفت اجلها والآجال بيد الله سبحانه وتعالى.

يتبع غدا


 


وثائق ومعلومات تنشر لأول مرة
نبيل خالد الأغا: عبدالقادر الحسيني.. حسنة من حسنات مفتي فلسطين
6/6



فيما يلي نستكمل نشر المقدمة، الوثيقة التي سجلها اللواء محمود شيت خطاب:
انصافا للتاريخ ولأقدار الرجال العرب المسلمين المجاهدين الذين كثيرا ما يغمط العرب والمسلمون حقوقهم تطمينا لرغبات اعداء العرب والمسلمين. وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا، فإني اذكر ان البطل عبدالقادر الحسيني كان حسنة من حسنات مفتي فلسطين الاكبر الحاج امين الحسيني، فقد كان الحسيني الكبير يرعى الحسيني الصغير رعاية لا حدود لها، ويعتبره اقرب المقربين الى قلبه ونفسه معا، لا لأنه قريب القرابة منه، ولكنه كان صديقه الروحي الذي يعتمد عليه ويثق به. والقرابة دم والصداقة روح. وشتان ما بين صلة الدم وصلة الروح، فكيف اذا اجتمعت الصلتان القرابة والصداقة؟!
لقد عرفت الحاج امين الحسيني عن كثب حين كنت ضابطا صغيرا في ثورة رشيد عالي الكيلاني. ولمست صلته العارضة بالفرسان الاربعة وبرشيد عالي الكيلاني. واستطيع ان اؤكد بأن الحسيني الكبير كان روح الثورة العراقية، ودماغها المفكر، وكان قادتها يأخذون بتوجيهاته وينفذونها فورا، ويحتفلون بها ايما احتفال..وبعد اخفاق تلك الثورة هاجر الحسيني الكبير مع قادتها الى ايران، ولجأ الى المانيا لا حبا بالالمان ولكن كرها للانجليز الذين احتلوا فلسطين وباعوها بثمن بخس للصهاينة، ولم يتركوها الا على انقاض اهلها العرب بعد ان اصبح للصهاينة في الارض المقدسة كيان ودولة وعلم!
ولم يباغت الحسيني الكبير بما حل بالارض المقدسة فقد كان عليه رحمة الله يتوقع كل ما حدث وكأنه يقرأ عن ظهر قلب في كتاب مفتوح.

ودار الزمن دورته حتى جاءت سنة 1385هـ (1965) فعرفت الحسيني الكبير زميلا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة وفي المؤتمرات الاسلامية شرقا وغربا، كما عرفته صديقا صدوقا اسعى اليه في لبنان وفي كل مكان يستقر فيه، وأشهد أنني لم أر بحياتي شخصية عربية إسلامية كشخصية الحسيني الكبير في إخلاصه وحبه لوطنه فلسطين وللبلاد العربية كافة وللمسلمين جميعا، واستعداده للتضحية بروحه وبما يملك في هذه الحياة الفانية دفاعا عن أرضه وعقيدته وأمته.

وقد سمعت أن خلافا بين الحسيني الكبير وبين المرحوم رشيد عالي الكيلاني نشب لما كانا في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية فسألت كل واحد منهما على انفراد: ما أسباب هذا الخلاف؟، فأثنى كل واحد منهما على أخيه ثناء عاطرا، بما هو أهله، وفهمت منهما أن الخلاف لم يكن على المبدأ، ولكن كان على الأسلوب، ولكل واحد منهما اجتهاده، فلا يعرف أحد بما لا يعرف بعد اليوم، فمن المستحيل ان يختلف بطلان من ألمع أبطال الأمة العربية المسلمة على أمور تافهة، بل كان اختلافهما لمصلحة العرب والمسلمين واختلاف أمتي رحمة، كما قال عليه الصلاة والسلام، وهو اختلاف الرأي الذي يُراد به البناء، لا اختلاف المبادئ الذي يراد به الهدم.

ولما سقطت القدس بيد الصهاينة يوم 6 يونيو من سنة 1967 عزيت نفسي سلفا بالحسيني الكبير، فهرعت إلى المنصورية بلبنان، ويومها كان مريضا، فعلمت أن أهله كتموا عنه الفاجعة القاصمة، ولكن الأمر أكبر من أن يُكتم، فمازال يردد: سقطت القدس، في صوت هو حشرجة الموت، وتنهمر عيونه بالدموع السخان حتى فارق الحياة شهيدا من شهداء القدس التي كانت أعز عليه من روحه ومن أهله وماله وكل عزيز، وما هجر فلسطين وعاش بعيدا عن أحب أرض الله إلى نفسه، وما لجأ إلى العراق وكان الحاضر لثورة رشيد عالي الكيلاني، وما لجأ إلى إيران وإلى ألمانيا وايطاليا والى مصر والسعودية ولبنان ثم مات غريبا مثقلا بالهموم الا كرها للانجليز وحبا لوطنه واخلاصا لعقيدته وايمانا بقضية فلسطين. وأشهد انه لو اراد ان ينصب ملكا على فلسطين على ان يلين ولو قليلا للمستعمر لأصبح ملكا من اعظم ملوك العرب فقد عرض عليه الانجليز هذا المنصب الرفيع وعرضوا عليه الاموال الطائلة فما

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *