مقالات

مقالات عن المجاهد القومي أكرم زعيتر


وفاء له في الذكرى الحادية عشرة لرحيله ( 1 - 5)

المجاهد القومي أكرم زعيتر .. أمين ذاكرة الأمة

نبيل خالد الأغا- كاتب فلسطيني

(نشرت في جريدة الوطن القطرية من 1-5 مايو 2007)



أعترف بداية بأن صاحب هذه السيرة يحتل مكانة سامقة في قلبي وعقلي لا أفصل بينهما فكل منهما يكمل الآخر.

أما الجانب العقلي فيتمثل في موضوعية صاحب هذه المكانة، وسيرة حياته المضمخة بطيوب النضال والتاريخ والجهاد والصحافة والبلاغة والدبلوماسية والعروبة .. رحلة طويلة ومضنية بطلها وفارسها المجلي اكرم زعيتر، آخر العمالقة العرب الذي رحل عن دنيا الفناء إلى دنيا الخلود والبقاء قبل احد عشر عاما وتحديدا في الحادي عشر من شهر ابريل عام 1996م. والذي يعتبر بحق أحد ابرز الأعلام العرب في الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى العقد الاخير من القرن العشرين.

وقد ارتبطت حياته الخصيبة مع رفاقه من الرواد الاوائل بحركة التحرر العربي في سوريا والعراق ومصر ولبنان وفلسطين الهادفة لاستقلال الاقطار العربية وتحقيق وحدتها.

وبالنظر لروحه العربية القومية النابذة للشعوبية وللقُطرية فقد ظل طول حياته يعتبر القدس في دمشق، والقاهرة في بيروت وعمان في القاهرة والدار البيضاء لا فرق بين قُطر عربي وآخر إلا في خطوط الطول والعرض فحسب.

اما المكانة الساحقة التي يحتلها هذا المقال في قلبي فتعود لعلاقتي الروحية والوجدانية بصاحب هذه السيرة التي امتدت نحو اربعة عشر عاما، ابتدأت في عام 1982 لكنها لم تنته بارتقاء زعيتر إلى الرفيق الاعلى بل هي ما برحت ممتدة في اعماقي وما انفككت اذكره وادعو له بكل خير ضمن المنظومة الاخوية التي احببتها واحبتني في الله والتي تشمل الاحياء منها والاموات معا.

الصحفات اللاحقة ستنقل القراء إلى عالم هذا العملاق العربي الوحدوي والذي من حق الجيل العربي الحالي ان يتعرف عليه باعتباره رمزا خالد النضال امتنا العربية في فترة مفصلية من حياتها.

البلغاء يصيبهم العيُّ إذا ما حاولوا الاحاطة حتي ببعض معالم السيرة الخصبة لرجل من طراز اكرم زعيتر.

حسبه ونسبه

ينتسب أكرم زعيتر إلى مدينة نابلس الفلسطينية التي ولد فيها عام 1909 ونظرا لعراقة هذه المدينة الباسلة في النضال ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية فقد أطلق عليها زعيتر لقب «جبل النار» وذلك نعتا لهذا الجبل وأبنائه البواسل.

وأسرة زعيتر عريقة المحتد والأرومة ووالد اكرم هو المرحوم الشيخ عمر حسن زعيتر (1872 - 1924) رئيس بلدية نابلس ومؤسس نهضتها العمرانية وأخوه العلامة المرحوم عادل زعيتر (1895 - 1975) عميد المترجمين العرب في زمانه غير البعيد، أما ابن أخيه فهو الأديب الشهيد وائل زعيتر ممثل حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» في ايطاليا والذي اغتاله أحد مجرمي جهاز الموساد الإسرائيلي في روما عام 1975م.

تلقى اكرم تعليمه الابتدائي والثانوي في كلية النجاح (جامعة النجاح فيما بعد) ثم انتسب إلى الجامعة الأميركية في بيروت ومن ثم إلى كلية الحقوق في القدس حيث تخرج فيها حاملا شهادة الحقوق.

تأثر الفتي أكرم في باكورة حياته تأثرا كبيرا بالقرآن الكريم، حيث تعمق في دراسته وفهمه وحفظ اجزاء عديدة منه.

ثم تأثر بكتاب «نهج البلاغة» للإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه. كما تتلمذ على الجاحظ وابن المقفع وأبي حيان التوحيدي، وابن حزم. كذلك على شقيقه الأكبر عادل زعيتر وعلى أديب العربية محمد اسعاف النشاشيبي (1885 - 1948م) وعلى أمير البيان شكيب ارسلان (1869 - 1946) وغيرهم من عمالقة اللغة والأدب والبيان.

لكنه ارتبط برباط خاص ووثيق بالأديب المعروف المربي خليل السكاكيني (1878 - 1953) أحد ابرز الشخصيات الفكرية الفسطينية، وكان أكرم طوال حياته يتباهي بتتلمذه على هذا المفكر التربوي الكبير الذي سبق الفكر التربوي الحديث في آرائه ونظرياته في مجال التربية والتعليم، وقد بلغ من تأثر التلميذ بأستاذه أن اطلق اسم «سري» على باكورة ابنائه تشبها بخليل السكاكيني الملقب «يأبي سري» وبال مناسبة فإن كثيرا من العامة يلفظون اسم «سري» بكسر السين وكسر وتشديد الراء بمعني الكتمان . وهذا خطأ والصواب «سَرِيْ» بفتح السين وكسر الراء بدون تشديد وتعني الانسان البارز في قومه وجمعها «سروا فيها».

اشتغل اكرم في مقتبل حياته في سلك التدريس بمدرسة النجاح ذاتها التي تخرج فيها إلى جانب عمله في احدى الصحف المحلية، وعندما اشتعلت ثورة عام 1929 في فلسطين استقال من عمله وألقى بنفسه في خضم النضال الوطني، واختط لنفسه خطا قوميا عربيا صحيحا لا اعوجاج فيه، وان القومية العربية التي اعتنقها زعيتر وآمن بها وعمل من اجلها كانت ذات نزعة اسلامية صرفة وفق المعايير الاسلامية، ومحاربة التيارات الوافدة والاتجاهات المعادية للعقيدة السمحة. وكان من دعاة التضامن الاسلامي ضمن مجموعة من المخلصين الذين هجوا منهجه.

ونشر افكاره يومئذ في جريدة «مرآة الشرق» المقدسية لصاحبها بولس شحادة، ولم يمكث بها طويلا حتى استقال من منصبه حيث قبض عليه من لدن السلطات البريطانية واودع السجن بتهمة انخراطه في العمل ضد سلطات الانتداب البريطاني وحكم عليه بالابعاد من القدس إلى نابلس فصادف يومذاك اعدام الشهداء الثلاثة فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزيد فقاد المظاهرات التي اشتعلت ضد الانجليز بسبب اعدام الشباب الثلاثة.

وبعدئذ اسس مع عدد من رفاقه حزب الاستقلال في فلسطين عام 1933 الذي نادى بمقارعة الانتداب البريطاني وتوجيه المقاومة العربية توجيها سديدا بعيدا عن العصبية العائلية فكان اكرم أحد مؤسسيه وكان من جملة اقطاب الحزب عوني عبد الهادي، محمد عزت دروزة، صبحي الخضراء، رشيد الحاج ابراهيم، الدكتور سليم سلامة، فهمي العبوشي، حمدي الحسيني، حربي الأيوبي وعجاج نويهض وغيرهم.

كما طالب يومئذ بتغيير اساليب النضال وضرورة الاعداد الجيد لانبعاث حركة جهاد ثورية قائمة على اسس من التفاني والتضحية تعبئة الشباب الفلسطيني للانخراط في دائرة الكشافة تمهيدا لممارسة النظام العسكري الفاعل لمواجهة الخطر الصهيوني المرتقب، والذي يهدد الأمن القومي العربي برمته.

كما شارك زعيتر في تأسيس «عصبة العمل القومي» في سوريا ولبنان. وفي تلك الآونة قام حزب «الاستقلال» بإيفاده إلى بغداد ليمثله في رثاء الملك فيصل عام 1933، حيث عمل على تأسيس «نادي المثنى» و«الجوال القومي»، وقد اعتقلته السلطات البريطانية عدة مرات بالنظر لنشاطاته الوطنية ومن ضمنها توليه لأمانة سر اللجنة الوطنية بنابلس على اثر ثورة 1936 وتعبئة الجماهير العربية ضد السياسة الاستعمارية البريطانية، وأثناء مطاردة تلك السلطات له اضطر للجوء إلى دمشق ومنها إلى بغداد للمرة الثانية حيث شغل منصب «مفتش معارف» وعندما أخفقت ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الانجليز عام 1941 لجأ أكرم ومجموعة من أصدقائه إلى بادية الشام ومن ثم إلى الأناضول بتركيا، حيث قضى سنوات الحرب لاجئا سياسيا فيها حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية في استنبول ثم في عدد من المدن التركية.

وبعد إعلان استقلال سوريا في عام 1946 عاد إليها منتشيا بفرحة النصر السوري، وأصبح مقربا من الرئيس السوري شكري القوتلي وعمل مستشارا للوفد السوري لدى جامعة الدول العربية بالقاهرة، وعضوا دائما في لجنة فلسطين بالجامعة ذاتها.

في عام 1947 ترأس أكرم زعيتر وفدا عربيا إلى أميركا اللاتينية لشرح قضية فلسطين التي كانت تواجه يومئذ أصعب فترة في تاريخها، وأصدر بعدئذ كتابه «مهمة في قارة» واشترك يومئذ في معظم المؤتمرات الوطنية والإسلامية المنعقدة في الشرق العربي، ثم تولى أمانة سر الندوة الإسلامية في دوراتها الثلاث التي عقدت في بيت المقدس عام 1959. ومثّل الأردن في الدورة السادسة عشرة للأمم المتحدة وفي عام 1963 عين سفيرا للأردن لدى سوريا ثم سفيرا للأردن لدى ايران وأفغانستان، وفي عام 1966 عين وزيرا للخارجية الأردنية، وفي عام 1967 أصبح عضوا في مجلس الأعيان ثم وزيرا للبلاط الهاشمي، وفي عام 1971 أصبح سفيرا لدD لبنان واليونان حتى عام 1975 وعاد بعدئذ عضوا بمجلس الأعيان الأردني، وكان كذلك عضوا في مجمع اللغة العربية الأردني وعضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، كما كان عضوا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية مؤسسة آل البيت ورئيسا للجنة الملكية لشؤون القدس.


 


وفاء له في الذكرى الحادية عشرة لرحيله (2 ـ 5)

نبيل خالد الأغا- كاتب فلسطيني

ا : أكرم زعيتر .. جماع الجنسيات العربية قاطبة
 

 





لا بد من الإشارة في نهاية هذه النبذة عن حياة المناضل أكرم زعيتر إلى انه أثناء اقامته في لبنان ساهم بنشاط في الحركة الثقافية في لبنان وكان رئيسا للمركز الثقافي الإسلامي لسنوات طويلة. وقد استثمر فترات مهماته الدبلوماسية سفيرا في بعض العواصم الإسلامية في خدمة الإسلام والعروبة. وينطبق ذلك على فترة وجوده في طهران وكابول حيث حصل على وثائق ومراسلات مهمة بين جمال الدين الأفغاني وتلامذته. واعترف الرئيس الإيراني السابق السيد علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي ترجم كتاب زعيتر «القضية الفلسطينية» الى الفارسية، ان لأكرم زعيتر الفضل الأكبر في توعية الشعب الإيراني بقضية فلسطين، وقد لاقت الطبعة الفارسية للكتاب رواجا كبيرا لا يقل عن طبعته العربية.



زعيتر وطني حتى النخاع



مثلما يسري الماء العذب في جذع الشجرة وأغصانها وأوراقها وثمارها كذلك تسري الوطنية الأصيلة في جسم وأوردة وشرايين أكرم عمر زعيتر، كان هذا دأبه منذ تفتحت عيناه في نابلس وحتى وفاته في عمان بعد رحلة مضنية استمرت سبعة وثمانين عاما. وما بين الميلاد والوفاة حياة حافلة بشتى صنوف المكدرات والمسرات الحياتية المختلفة، وعلى كلتا الحالين لم يبدل زعيتر قناعاته التي آمن بها إيمانا قويا راسخا لا يتزعزع .. مثلما هو إيمانه بالقومية العربية وبالوحدة العربية وعمله الدؤوب من أجل تحقيق هذه الوحدة ــ الحلم. وهو القائل في ذلك «ان رسالتنا في وحدة العرب ومعركة الثأر لن يسلبها واقعنا المرير الفاجع روعة خيالها وفتنة جمالها، ولا بشائر المقبل المرجو من كفاحها ونضالها، وستنعم هذه الرسالة من سرائرنا بما ينديها ويعطرها، ومن دمائنا بما ينورها وينضرها، وسترف على هذه الجذوة من الألم نفحة الإيمان بالله وبالعروبة والمستقبل».



وفي مقدمة كتابه «القضية الفلسطينية» الذي صدر عام 1955 يقول: «قضية فلسطين قضية الأمة العربية كلها، والخطر الصهيوني خطر على العرب أجمعين، ووجود القومية العربية منوط بالاستعداد التام لدفع ذلك الخطر والقضاء عليه».



وفي ختام الكتاب يدعو الى استنفار الهمم وإعلان التعبئة العامة:



«والصراع بيننا وبين أعدائنا لن يكتب لنا فيه النصر النهائي إن لم نأخذ بأسلوب التعبئة الشاملة، عسكرية واقتصادية وجهودا وكفايات، بحيث يشترك فيها كل فرد من هذه الأمة اشتراكا جديا في جبهة القتال الأمامية أو الجبهة الخلفية. وإذا آمنا وعملنا جاء نصر الله والفتح».



ومن جانب آخر فهو يحمّل العرب كافة حكاما ومواطنين مسؤولية الأمانة التي يجب عليهم ان يضطلعوا بها «فلو كان معشر العرب كافة في الحكم والمواطنة أمناء لأمنَّا الغوائل والأرزاء، لو كنا أمناء لأمِنَّا الهزائم النكراء، ولو كنا أمناء لرفعنا عن مقدساتنا هذا البلاء».



وكان زعيتر يدرك ادراك العارف الواثق أن «من مصائب الأمة العربية أنها تقلد كبار الأعمال لصغار الرجال».



وكان يعتبر ان بريطانيا هي أس البلاء، ومكمن الداء. وفي فجر شبابه أرشد طلابه في مدرسة النجاح الوطنية فخاطبهم قائلا «تعلموا ان هذه الدولة هي البلاء والشر المطلقان، تذكروا ان هذه الدولة باغية غادرة، فقد غدرت بالعرب في الحرب العالمية الأولى، وفي الثانية غدرت بهم وبفلسطين، لقد خدعت العرب عامدة متعمدة حين كانت تؤكد لهم احترامها عروبة فلسطين واستقلالها بعد نهاية الحرب، تعلموا واحفظوا أنتم جيل المستقبل ان بريطانيا هي مصدر ما نحن فيه من عذاب وبلاء، هي التي فتحت باب الهجرة أمام يهود الأرض وكأنها ليست وطنا لشعبها وهوية». وكان يردد بيتا من الشعر يشير فيه الى بريطانيا الغادرة:



نساجلها العداوة ما بقينا



وإن متنا نورثها البنينا



لقد كان زعيتر شاهد إثبات على فترة من أخطر فترات النضال العربي وأكثرها حساسية، وكان مشاركا في كثير من أحداث الوطن العربي، واعتلى منابر الخطابة في العديد من العواصم العربية وفي مقدمتها دمشق والقاهرة والقدس وبغداد وعمان وبيروت، لم يكن زعيتر سوريا ولا مصريا ولا فلسطينيا ولا عراقيا ولا أردنيا ولم يكن لبنانيا بل كان جماع هذه الجنسيات وسواها من الجنسيات العربية.



وقد كان رحمه الله كالطائر الغرد ينتقل من غصن الى غصن في دوحة العروبة الوارفة، كل المدائن العربية في منهجه العروبي متساوية الزوايا والأضلاع، ولا فرق في ميزانه القومي بين عاصمة وأخرى إلا باختلاف خطوط العرض والطول.



يقول صديقه المفكر اللبناني المعروف منح الصلح في هذا الاطار «كان أكرم زعيتر فلسطينيا كاملا في فلسطين، والأردني الكامل في الأردن، والسوري واللبناني والعراقي والمصري والسعودي والمغربي، وما كان ذلك بالكمال الذي كانه إلا لأنه عربي صحيح العروبة، ومسلم صحيح الإسلام، يعيش قضايا الجميع حين يعيش قضية الواحد».



وأختتم الحديث عن عروبة أكرم زعيتر بعبارة وردت في احدى مقالاته تعبر عن عمق ايمانه بوحدة العرب فقال:



«اللهم انك قد علمت أنني عربي، آمنت بوحدة بلادي، ومنذ استطعت أن أقول وأن أعمل شرعت ادعو للوحدة وأعمل لها».



زعيتر .. جماع مواهب وفضائل



تفجرت طاقات المواهب والابداعات في سن مبكرة من حياة أكرم زعيتر، فقبل أن يكمل الخامسة والعشرين من عمره اعتلى منبر جريدة «الحياة» المقدسية التي لعبت دورا هاما في احداث عام 1931 بفلسطين، كما عمل مع بعض رفاقه في تأسيس حزب الاستقلال في فلسطين عام 1933، وهي نفس السنة التي انتخب فيها نائبا لرئيس عصبة العمل القومي في لبنان اضافة الى قيادته لبعض المظاهرات المناهضة للاستعمار والصهيونية وتعرضه للحبس والاعتقال والنفي.



ولعل في الأسطر القليلة التي صاغها في حقه أمير البيان شكيب أرسلان لشهادة حق وصدق في نبوغ أكرم المبكر في وعيه القومي، وعمق ايمانه برسالة الإسلام وما قدمه هذا الدين العظيم للعالم من معرفة وحضارة خالدة. ففي الثامن والعشرين من شهر أغسطس (آب) عام 1934م ارسل الأمير من مقره بمدينة جنيف بسويسرا الى الفتى أكرم زعيتر هذه الرسالة «الشهادة»:



ولدنا الحبيب الفاضل الأديب السيد أكرم زعيتر المحترم حفظه الله، إن كان قصر الى الآن بك سنك فقد نهض بك قدرك ورفع منك علمك، فصفك في صف الكبار ورصدك بين الذين تعتمد عليهم الأوطان، فأسأل الله أن يزيدك علما، ويؤتيك حكمة وحكما ويوفقك عملا، ويبلغك أملا، ولا تنس أن لك بي أبا حدبا والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ــ المخلص: شكيب أرسلان.



لقد انتمى زعيتر لجيل عظيم من الثوار والمناضلين الذين لم يساوموا على أرض ولا عرض ولم يفرطوا في حق أو يطأطئوا لعدو ويبرز من بعيد أولئك الفرسان العرب الاستقلاليون الذين جمعتهم المصلحة العربية العليا، والذين تطالعنا وجوههم النيرة من خلال مؤلفاته ومذكراته: يوسف العظمة وابراهيم هنانو وسعد الله الجابري ورياض الصلح وجعفر العسكري وياسين الهاشمي وعبدالعزيز الثعالبي وهاشم الأتاسي، وشكري القوتلي وسلطان باشا الأطرش وصبري العسلي ورشدي الكيخيا والدكتور ناظم القدسي، وعبدالرحمن الكيالي، وفارس الخوري ورشيد سليم الخوري وعبدالرحمن شهبندر، ونجيب الريس ونصوح بابيل، وأمين رويحة، وعادل ارسلان وخير الدين الزركلي وغيرهم وغيرهم.



أما اصدقاؤه في العراق فمنهم ياسين الهاشمي ونوري السعيد ورشيد علي الكيلاني وجميل المدفعي وفاضل الجمالي وعبدالجليل الراوي.



وكانت له صداقات مع الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله وآخرين، وصداقات في دولة الكويت ومنهم الشيخ عبدالله السالم الصباح رحمه الله، ونجله الشيخ سعد العبدالله السالم.



وفي مصر أعداد وفيرة من ضمنهم مصطفى النحاس باشا، ومحمد حسين هيكل وأسعد داغر، وعبدالوهاب عزام ووديع فلسطين.



وفي قطر ارتبط بعلاقة وثيقة مع الشيخ محمد بن أحمد آل ثاني وزير التربية والتعليم سابقا وقد توثقت بينهما الصداقة عندما كان الاثنان سفيرين لبلديهما في لبنان خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي.



وهناك شخصيات أخرى متنفذة لا يتسع المجال لذكرها، وهي أكثر من أن تحصى خاصة في فلسطين وأميركا اللاتينية، والأسماء التي ذكرناها مجرد عينة، ومعذرة لمن لم ترد أسماؤهم، وهكذا كان أكرم زعيتر صديقا للدول والرؤساء والأدباء والشعراء والصحفيين في كافة الأقطار العربية والإسلامية، ولا يكاد يذكر اسمه إلا مشفوعا بالتقدير والاحترام.



ولعل مما ساعد في اثراء تلك الصداقة المستدامة الخصال النبيلة التي كان يتمتع بها زعيتر فمن يلتقه يجد نفسه مشدودا إليه بقوة تزيد كلما زاد اللقاء به وكأنه يحمل في جعبته مغناطيسا يجذب الناس اليه، ولا يمكن تناسي المهمات الوطنية والدبلوماسية الكثيرة التي اضطلع بها زعيتر والتي ساهمت في زيادة أعداد أصدقائه ومحبيه، إذا تحدث سحر، وإذا خطب جذب، وإذا كتب أعجب.



 



وفاء له في الذكرى الحادية عشرة لرحيله (3 ـ 5)

أكرم زعيتر.. صاحب قلم أحَدُّ من السيف

نبيل خالد الأغا- كاتب فلسطيني



جلسات أكرم زعيتر المورقة بالعلم والأدب والفكاهة وخفة الظل، وحديثه المميز بالعربية الفصحى في كل حالاته حَدِّث عنها ولا حرج، وإنني لمكرر اعترافي مثنى وثلاث ورباع وخماس بأن شخصية أكرم زعيتر تسلمت موقع الإمامة في نفسي وعقلي، وتغلغلت في أعماق قلبي ووجداني، وما كنت أفارقه إلا لأجدد الشوق إليه، وما غادرت مجلسه الأنيس مرة إلا وشعرت بالرغبة الملحة في الاستزادة من هذه المجالسة، انه عينه الجليس الصالح الذي أثنى على أمثاله حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وكأني أمثل دور صديقه الصدوق الشاعر الكبير بدوي الجبل فأقول فيه: ان الحياة على همومها وأحزانها وحرمانها وسيمة كريمة، وأكرم ما فيها أنها جمعتني بأكرم، ووصلت وجداني بوجدانه، وإيماني بإيمانه، ولا يهم بعد ذلك أوَصل أم جفا؟ أذكر أم تناسى؟ فهو على حالتيه زينة لسريرتي، وحلية لقلبي، وغبطة تشمل كياني، وهناءة تبدد أحزاني.

وقد ازدادت صداقتنا رسوخا بمساهماته الرائعة في تحرير مجلة الدوحة الثقافية حيث كنت يومئذ أتولى مسؤولية سكرتير تحريرها (1977 ـ 1986) مبتدئا ذلك بالحديث عن «القروي شاعر العروبة.. سيرته في ذكريات»، وعلى مدى خمسة أشهر استمتع قراء المجلة بما أبدعه قلم زعيتر بحق صديقه رشيد سليم الخوري ابتداء من نوفمبر 1984 وحتى ابريل 1985.

وبعدئذ بدأ ينشر ذكرياته مع الشاعر العربي السوري الكبير محمد سليمان الأحمد تحت عنوان «بدوي الجبل وإخاء أربعين عاما»، وتم النشر على عدة حلقات ولاقت في حينها ترحيبا واسع النطاق.

وفي عام 1987 صدرت الذكريات في كتاب مستقل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت التي يمتلكها صديقنا المشترك الأستاذ ماهر الكيالي، وقد أهداني المؤلف نسخة ذيلها بهذه الكلمات «الى الاخ الاوفى والصديق الاشهم الاستاذ نبيل خالد الآغا آية المودة الخالصة، والتقدير البالغ، واعترافا بفضله في كتابتي هذه الذكريات. المخلص اكرم زعيتر - عمان - 21/7/1987».

جدير بالذكر ان استاذنا الناقد العربي المعروف رجاء النقاش كان يشغل يومئذ منصب رئيس تحرير مجلة الدوحة وهو الذي اطلق عليه لقب «عميد الادب العربي القومي»، وقال «انه فذ في لغته واسلوبه، فعندما كنت اقرأ فصول الكتاب قبل نشرها كنت اشعر انني امام ابي الفرج الاصفهاني، ان اكرم زعيتر هو اصفهاني القرن العشرين، وكتابه هذا هو فيض من المحيط الادبي الجبار الذي نسميه (الاغاني) انني لم اعرف اكرم زعيتر معرفة شخصية مباشرة، بل كانت صلتنا قائمة على الرسائل المتبادلة، واحيانا كنت اعتمد في الاتصال به على صديقنا المشترك الاديب الاستاذ نبيل خالد الأغا ولكنني مع ذلك لم اشعر لحظة واحدة انني بعيد عنه، فقد كنت اتابعه بحب واعجاب وكنت اشعر دائما انني اعرفه معرفة اقرب الناس اليه، وقد اكرمني بمحبته وثقته، فما طلبت منه يوما خدمة مباشرة او غير مباشرة الا واستجاب لي، كان مثالا نادرا للوفاء والشهامة».

ومن جملة مواهب زعيتر الجمة تمكنه من اللغة العربية فتكشفت له اسرارها وروعة اسلوبها فأسلست له قيادتها، وكان حريصا على التعامل معها حديثا وكتابة، وكان يستاء اشد الاستياء اذا سمع احدا يلحن بها، وكان اعضاء مجلس الاعيان الاردني يحسبون حسابا خاصا لحضوره لانه لم يكن يسكت عن اي زلل او خطأ في حق لغة القرآن الكريم، وقد اكد ذلك صديقه المرحوم محمود الشريف بقوله: كانت «الفصحى» تزدهر وتختال كبرياء حين يجري بها لسان اكرم زعيتر او حين تتدفق من قلمه دررا من روائع الكلم لقد كانت غيرته على اللغة اشبه بغيرة الحرة على شرفها وكثيرا ما كان يهاتفني في «الدستور» صارخا محتجا على «خطيئة» لغوية ارتكبها المحررون فأهدئ من غضبه بنكتة او اذكره بما قاله الرافعي عن جناية الصحافة على اللغة والادب.

كما كان حريصا اشد الحرص على تصويب اي خطأ يقع في مقالاته وكان يستعمل لفظ «الاغاليط» للتعبير عن الاخطاء واشتكى لي ذات مرة من كثرة الاخطاء التي تقع في مقالاته التي كان ينشرها شهريا في مجلة تدعى «القدس» وتصدر في القاهرة ولما تكررت الاخطاء او الاغاليط اعتذر برقيا لرئيس تحريرها عن مواصلة الكتابة بها استياء واحتجاجا.

وقد كان ضيفا عزيزا ومكرما ومرحبا به في كل مطبوعة عربية يتعامل معها خاصة في بيت المقدس ودمشق وبيروت وعمان وبغداد وجدة وغيرها وكانت جريدة «الشرق الاوسط» آخر مطبوعة عربية نشر فيها مقالاته.

كما انه امتلك ناصية الخطابة بكل ابعاد الامتلاك ومؤهلاته وشرائطه ومن جملة من امتدحوا مهارته في الخطابة الشاعر المهجري الكبير جورج صيدح بقوله «شهدت مواقف اكرم الخطابية فعرفت فيه خطيبا مصقعا فصيح اللسان وبليغ البيان ولا ينضب معينه مهما تكاثر عليه الرواد ولا يخطىء سهمه مهما تباعد المرمى».

وصيدح نفسه امتدح اسلوبه في الكتابة بقوله:

ان قلم أكرم زعيتر لمن اقوى الاقلام العربية واسلوبه سخي في المعنى مقل في المبنى يُفصِّل الكلام على قياس الفكر ويلبس المعنى اضيق الاثواب حتى لا تستطيع اطرافه ان تمتد على بحبوحة اللفظ.

ووصفه الناقد مارون عبود قائلا:

«أكرم زعيتر كاتب متمكن من لغته، واسلوبه انصع من الفضة الخالية من الزغل».

اما سعيد عقل فيقول «من الاقلام ما هو افعل من السيوف، اكرم زعيتر واحد منها».

وقال في مهارته الخطابية الاديب المهجري نظير زيتون:

«ما ذكرت موقف الخطيب الروماني شيشرون امام قرطاجنة عاصمة فينيفية الافريقية الا تبادر الى ذهني موقف اكرم زعيتر، بينهما تشابه في الصلابة والتحذير من الاخطار وتقارب في الدعوة الى الاستفسار والتجانس في بث العقائد والافكار». وعبر الاديب نصري المعلوف عن تقدير «للخطيب» اكرم زعيتر قائلا: «لكم خطب ابوسري فهز المنابر وحرك الهمم وايقظ الضمائر ولكم حدَّ فأدهش وفصَّل فأمتع واقنع، ولكم جال جولات المعلم الدارب المتمكن من ذؤابات الفكر والادب وسائر علوم المجتمع وهو لا ينفك يأسر قلب السامع ولبَّه».

والمؤرخ الاردني سليمان الموسى قال مقرظا: «كان اكرم زعيتر فذا في اسلوبه البياني وفي بلاغته وفصاحة عباراته سواء سمعته خطيبا على المنابر او قرأت له كاتبا في مجلة او صحيفة كان حقا سيدا من سادات المنابر وخطيبا في الطليعة بين خطباء العصر الحديث وفي الطليعة بين ارباب البيان والبلاغة من كتَّاب العربية».

وقال الكاتب السوري توفيق عبيد كان اكرم زعيتر يحمل قلما وسيفا، عندما تنشب المعركة يحمل السيف وعندما تهدأ المعركة يحمل القلم سيفه لم يعلق كما يعلق بعض العرب اليوم سيوفهم بل ظل يتكلم، بالعربية يتكلم، ولأجل العروبة يحارب خطيب تشتهيه الحقيقة ان ينطق بها لتتغاوى اجل تتغاوى مع البرق والرعد في العنفوان والانفة».

ونختم هذه الباقات من شهادات اصدقاء زعيتر ومحبيه وعارفي فضله بنص برقية معبرة قرأت نصها في كتاب «ذكرى اكرم زعيتر - أمين ذاكرة الامة الذي اصدره الصديق ابن الصديق المهندس سري اكرم زعيتر تكريما لذكرى وفاة والده رحمه الله.

والبرقية التي لفتت انتباهي تضمنت اكثر من ثلاثين صفة من صفات الفقيد مرسلة من بيروت وموقعة باسم «صديقيه وولديِّ صديقيه امين الحافظ وليلى عسيران ومؤرخة في 26/4/1996 اي بعد نحو اسبوعين من الوفاة وهذا نص البرقية:

آل زعيتر والامة العربية جمعاء، عندما يقال اكرم زعيتر فمعنى ذلك كل ما هو حسن وشريف وصاف وكريم وشهم وامين ووطني ومخلص ولبق ومهذب ولماح وذواق واديب ونحرير وأريب ولوذعي وألمعي وحدِّيث وقويم وورع وتقي وشجاع وعنيد وحازم وحاسم ولامع ورزين وباهر ورصين ومجاهد ومحاسب ومغند وداحض وبليغ وصديق وصديق وصديق الى ما لا نهاية.. مستحيل ان ننساه.

هذا وكان الراحل زعيتر يعتز بأصدقائه الكثر الكثر ويعتبرهم ضمن نعم الله التي لا تحصى فيقول: إنهم هؤلاء الاصدقاء الخلص الاوفياء الاكابر النجباء فأنا غني، غني بأصدقائي من نخبة الكرام وانعم بثقة صفوة الصفوة ومحبتهم ووفائهم وانا في اختيار اصدقائي صيرفي ماهر ولا فخر حباني الله القدرة على الاصطفاء».

[email protected]

 



وفاء له في الذكرى الحادية عشرة لرحيله (4 ــ 5)

أكرم زعيتر .. حياة حافلة بالعطاءات والتضحيات

} نبيل خالد الأغا - كاتب فلسطيني

نماذج من أسلوبه

يحار المرء في اختيار نموذج او اثنين من بين مئات النماذج التي تترى أمامه من فيوض أسلوب أكرم زعيتر المتميز ولكن حسبنا أن نختار سطوراً مما كتب عن ذكرى الشهداء «6 أيار ــ مايو» بعنوان «اشراقة قومية»، فبعد أن تحدث عن بطولة الأمة العربية في فترة عنفوانها يكتب عن فترة اضمحلالها وكأنه يتحدث عن واقع الأمة في هذا الزمن.

«... ثم قُدِّر للنور أن يخبو، وللفارس أن يكبو، وأعرضت الأمة عن سجاياها، وأخذت تفقد مزاياها، وسنن الاجتماع لا ترحم، فتخلى السؤدد عنها وتفرقت، فذهب ريحها، وإذا الرايات تطوى، وإذا الألوية تنكس، وإذا الكتب تحرق وإن هي لم تُغَرق، إذا بأمة النور تسبح في الديجور، كانت تصنع التاريخ فغدت عبرة التاريخ، وما الكرامة؟ قد نضب، وفتاة العرب تُسبى ولا معتصم ولا عمورية ولا عرب! جهل عميم، وظلم طميم، عدو يجتاح ، وحمى يستباح، حياة تعفر، وأنوف في الرغام تغبر، ألا يرى العرب ما هم فيه؟ إنهم عُمْي، ألا يسمعون؟ انهم بُكم، وقلوبهم ما فعل الله بها؟ انها غلف وعليها أكنّة».

وعن وحدة العرب يقول:

ان رسالتنا في وحدة العرب لن يسلبها واقعنا المرير الفاجع روعة خيالها وفتنة جمالها ولا بشائر المستقبل المرجو من كفاحها ونضالها، وستنعم هذه الرسالة من سرائرنا بما ينديها ويعطرها، ومن دمائنا بما ينورها وينضرها، وسترف على هذه الجذوة من الألم نفحة الإيمان بالله وبالعروبة والمستقبل.

وبرغم انشغاله في القضايا الوطنية والقومية التي ملأت عليه حياته، إلا انه كان شديد الاهتمام بالتواصل الاجتماعي وصلة الأرحام بشكل خاص، وكانت علاقته بأسرته متميزة ويتابع كل دقيقة من دقائقها باهتمام لافت وبمناسبة عيد زواجه الثامن والعشرين كتب لزوجه «أم سري» رسالة تفيض حبا وحنانا قال فيها:

أشهد انني في هذه السنوات ما عبس يوم حتى بددت ابتسامتك عبوسته، وما أزمتني أزمة حتى كنت طباب أزمتي، إذا ألمَّ بي ضيق كان لي من شجاعتك ورباطتك فرجا، إذا عصف بي اعصار لقيت السكينة والرحمة لديك، ولقد عددت اقتراني بك تكفيرا من الدهر عما اجترح وبلسما لما جرح».

أما «المؤرخ» أكرم زعيتر فيقدم نصيحة تاريخية مهمة في قالب أدبي مرهف الى مؤرخي القضية الجدد:

«إن على من يؤرخ أحداث الأمس ان يقدر ظروفه ومنطقه ودواعيه كأنه يعيش فيه، وإذا هو راح يعلل الأحداث بمنطق الحاضر وظروفه، كما فعل بعض مؤرخي القضية الجدد، انزلق الى التجني، واسترسل في الظلم، وغلب الإجحاف على الإنصاف».

ويبرر في مكان آخر نشر الثناء على الكاتب أو المؤرخ إذا ورد على ألسنة الآخرين «وفي اجتهادي ان حجب بعض الثناء باصطناع التواضع، أو اغفاله دفعا لشبهة التمدح، هو أدنى الى الجحود، وإن في اثباته تحدثا بنعمة الإخاء، وعرفانا للجميل..».

وقد وردت هذه العبارة في كتابه الماتع «بدوي الجبل وإخاء أربعين عاما» والذي يعتبر من روائع ما كتب زعيتر.

الآثار القلمية

لقد ترك المناضل الكبير وخطيب الثورة وكاتبها إرثا نضاليا يُعد مرجعا هاما للقضية الفلسطينية ماضيا وحاضرا، ومن أهم مؤلفاته حسب تسلسلها الزمني:

«تاريخنا» صدر عام 1935 بالمشاركة مع درويش المقدادي، «المطالعة العربية» 1939 بالمشاركة مع محمد ناصر، «التاريخ الحديث» 1940 مع مجيد خدوري، «رسالة في الاتحاد» 1945 بالاشتراك مع ساطع الحصري وكامل مروة، «مهمة في قارة» 1951، «القضية الفلسطينية» 1955، «الحكم أمانة» 1979، «بدوي الجبل وإخاء أربعين عاما» 1987، «أوراق أكرم زعيتر .. وثائق القضية الفلسطينية» (1918 ــ 1940)، «يوميات الثورة الكبرى والإضراب العظيم» (1936 ــ 1939)، «وثائق الحركة ا لوطنية الفلسطينية» (1918 ــ 1939)، «يوميات أكرم زعيتر .. وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية» (1935 ــ 1939)، «من أجل أمتي ــ من مذكرات أكرم زعيتر» (1939 ــ 1946)، «بواكير النضال» 1994، «صفحات ثائرة» 2002 (من مقالات أكرم زعيتر).

الرحيل إلى الرحاب الإلهية

رغم تقدمه في العمر، وتكالب الأمراض على جسده النحيل، إلا ان شيخنا المجاهد ظل صابرا محتسبا، كما استمر يجامل أصدقاءه الكثر من رجال الفكر والأدب والسياسة والثقافة ومحافظا في الوقت ذاته على روحه الطيبة المرحة، ولغته العربية السليمة مائة بالمائة، وفي صيف عام 1995 اعتمرت العاصمة الأردنية ذاهبا إليها ــ كالعادة ــ من الدوحة، والتقيته عدة مرات سواء في مكتبه باللجنة الملكية لشؤون القدس أو في منزله العامر. وعند انتهاء الإجازة ذهبت لاستئذانه ووداعه، فجلسنا سويا في حديقة المنزل نتجاذب أطراف الحديث، وإذ به يفاجئني بالقول: لقد رحل أبناء جيلي كلهم يا أبا خلدون، ولم أبق إلا أنا على قيد الحياة! فأسقط في يدي وقلبي، واستشهدت ببعض آي القرآن الكريم، والحديث الشريف لشد ازره، ورفع معنوياته، وهو الذي كان دوما يشد الأزر ويرفع المعنويات لأمة بأسرها. وإن كنت ساعتها في حاجة لمن يشد أزري ويرفع معنوياتي، تعاطفا مع الأحب الأغلى أكرم زعيتر! وودعته وأنا ــ يعلم الله ــ أغالب دموعي التي غلبتني بعد عدة أمتار من وداعه.

لكن لم تلبث صحته ان تداعت تحت وطأة أمراض الشيخوخة، فخفت صوته، وخف سمعه، وضعفت ذاكرته، ووهن عظمه، فاضطر إلى ملازمة بيته، واعتزال زواره، حتى نفذت ارادة الحق تبارك وتعالى وارتقت روحه الى بارئها مساء يوم الخميس الحادي عشر من ابريل (نيسان) 1996، فصلى المحبون المفجوعون على جثمانه الطاهر في مسجد مدينة الحسين الطبية ووري الثرى في المقبرة الإسلامية ببلدة سحاب القريبة من عمان.

{{{

لقد كانت حياة أكرم زعيتر حافلة بالعطاءات والتضحيات، كان فارسا شهما في كل الساحات، وكان مدرسة للوفاء والمكرمات والمروءات، كان عملاقا لا يجارى في نضاله الحقيقي وعروبته الصادقة، وبلاغته الصافية، وصداقته الفذة ووفائه النادر وانسانيته العذبة، وفكاهته الندية، وروحه المرحة، وأرومته النقية وارادته الفولاذية، وذاكرته الحديدية.

هذه بعض صفات أكرم زعيتر «عميد الأدب العربي القومي» و«أصفهاني القرن العشرين» و«أمين ذاكرة الأمة» و«آخر العمالقة العروبيين» وغير ذكل من الألقاب الرفيعة التي لقبه بها عارفو أفضاله ومقدرو نضالاته. وجدير بالأمة التي عمَّدته لأدبها، وأمَّنته على ذاكرتها ان تكون وفية لذكراه، أمينة على تراثه، قمينة بتخليد سيرته.

أحد عشر عاما مرت على وفاته كنا نتمنى على الدول العربية وبوجه خاص الدول التي كان له دور ما في استقلالها، أو في نهضتها، أو في تمثيلها ان تحتفي بذكرى ميلاده أو ذكرى وفاته أو تطلق اسمه على أحد معاهدها او شوارعها أو قاعات جامعاتها، أو اشهار جائزة ما باسمه في الخطابة أو البلاغة او التاريخ أو الوطنية أو القومية العربية، أو إعادة طباعة كتبه أو بعضها وتوزيعها بأسعار رمزية، وتكوين لجنة «قومية» تختص بجمع تراثه وتصنيفه والإفادة منه في إذكاء روح الوطنية والقومية في شباب الأمة العربية والإسلامية الذين تترصدهم بل وتغزوهم أفكار العولمة وأدواتها.

[email protected]

 



وفاء له في الذكرى الحادية عشرة لرحيله (5-5)

أكرم زعيتر.. صفحة ناصعة في التاريخ العربي

نبيل خالد الآغا-كاتب فلسطيني


السلطة الفلسطينية مطالبة اكثر من غيرها برغم همومها وغمومها، أن تساهم بالقدر الذي تستطيعه في تخليد ذكرى اكرم زعيتر وبالمناسبة فان الذكرى المئوية لميلاد زعيتر ستحل بعد عامين وتحديدا في العام 2009 وهناك متسع من الوقت لأية عاصمة او مؤسسة او جهة ما، تود المشاركة في احياء هذه المناسبة بالطريقة التي تراها مناسبة وبهذه الناسبة نحيي مؤسسة الاسوار للتنمية الثقافية والاجتماعية واتحاد الجمعيات العربية الاهلية «اتجاه» في مدينة عكا المحتلة منذ عام 1948 التي اقامت حفل تكريم ضخما «لفقيد الصحافة والنضال الوطني الفلسطيني اكر م زعيتر في الذكرى العاشرة لرحيله (11-4 - 2006) وذلك في قاعة مؤسسة الاسوار في عكا القديمة وبمشاركة كريمة المحتفى به المهندسة رزان اكرم زعيتر مديرة الجمعية العربية للطبيعة التي حلت ضيفة على أهل عكا والجليل وبحضور مدعوين من واحد وعشرين موقعا فلسطينيا من المثلث والجليل ومن عكا الاسوار.

رحمك الله يا ابا سري فلقد انطوت برحيلك صفحة مشرقة من صفحات تاريخنا الفلسطيني العربي المبين فلقد كنت بحق رجل القومية الشامخ ورجل المبادىء الاشم، رحمك الله أخا واستاذا ومرشدا وقدوة وفوق كل ذلك انسانا بكل ما في الانسانية من انسانية.

ورحم الله والديك اللذين انجباك وربياك وعلماك وغرسا فيك روح الجهد والبذل والعطاء بلا حدود.

وليرحمنا الله تعالى بعدك فما اشد حاجتنا اليك في هذا الزمن الموجع المغمس بالقهر والذي تغلبت فيه المصالح على المبادىء وغلبت فيه القيم المادية على القيم الروحية.

وما اصدق شهادة صفيك وخليلك دوي الجبل «محمد سليمان الاحمد 1903/1981» التي قالها فيك: أأكرم ما تضوعت الغوالي

بأعطر منك مأثرة وعرفا

صهرت من الخطوب فزدت قدرا

وتلك سجية الذهب المصفى

وسلام الله عليك يا ابا سري ورحمته وبركاته.. يا اكرم الراحلين يوم ولدت ويوم رحلت ويوم يبعثك العزيز القدير ولا حول ولا قوة الا بالله وانا لله وانا اليه راجعون.

أزاهير الوفاء

فيما يلي مقتطفات مما سجلته أقلام شخصيات مرموقه عن أكرم زعيتر صاحب المواهب والعبقريات والسمات المتعددة:

ان اكرم زعيتز رجل مفكر ومجاهد وعالم، كان لوطنه ولأمته الأمين على ولائه، والعنيد في ائتمانه. ولم يزل يعطي يعمق المفكرين وأمانة العلماء وشجاعة المجاهدين، وقد ربطتنا به دائما رسالة الثورة العربية الكبرى، وشرف الجهاد من أجل فلسطين وقدسنا الشريف، كما عرفنا فيه المواطن العربي الجاد في نضاله. والكريم بعمله وفكره وعطائه لكل ما فيه خيرنا جميعا وطنا ورسالة وأمة .

الملك الحسين بن طلال

{ أكرم زعيتر كاتب متمكن من لغته، وأسلوبه أنصع من الفضة الخالية من الزغل.

مارون عبود

{ يا تربة الأردن الطيبة، احفظي جثمان هذا القائد القومي فهو ليس ملكا لك حدك، هو ملك لتربة العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

دكتور رياض القصاب

{ سيبقى أكرم زعيتر خير ذاكرة للجهاد الفلسطيني والجهاد العربي الشامل إلى حد بعيد بما حفظ وما دون وسجل للأجيال القادمة.

د. قسطنطين زريق

{ لا أعرف قلما مداده الوفاء، وطابعه المحبة كقلم أكرم زعيتر، ولا أعرف عربيا يحرص على ان ينصف الراحلين ويؤبن الخالدين، بكل الدقة، وكل المودة، وكل الحكمة، وكل السرد العبقري مثل اكرم زعيتر.

ناصر الدين النشاشيبي

{ أكرم زعيتر.. رجل عقيدة وكفاح، خطيب مفوه لا يشق له غبار، كاتب علامة، مدقق بحاثة، مؤرخ أصيل سياسي صحفي. دبلوماسي، تربوي وذو خلق وأخلاق، هذه بعض سجاياه.

د. حازم نسيبة

{ كان اكرم زعيتر فلسطينيا كاملا في فلسطين. والأردني الكامل في الأردن، والسوري واللبناني والعراقي والمصري والسعودي والمغربي، وما كان ذلك له بالكمال الذي كانه الا لأنه عربي صحيح العروبة، ومسلم صحيح الإسلام، يعيش قضايا لجميع حين يعيش قضية الواحد.

منح الصلح

{ من الاقلام ما هو افعل من السيوف.. اكرم زعيتر واحد منها».

سعيد عقل

{.. هذا رجل عروبي من هامة الرأس الى اخمص القدم آمن بقضية أمته وهو ما زال في ريق العمر، ونذر حياته كلها لخدمتها دون ان يتمذهب او يركب موجة من الموجات الغوغائية التي ابتلي بها عالمنا العربي.

وديع فلسطين

{ كانت حياة فقيدنا الكبير اكرم زعيتر حافلة بالعطاء وزاخرة بالتضحية.. مقدما لوطنه ولامته وللاجيال ما تحفظه في ذاكرتها من دروس وعبر تستقيها من سيرة حياته العطرة الطيبة.

الحسن بن طلال

{ لقد اكسب تواضع المرحوم «أكرم زعيتر» وعمله حب وتقدير الكثيرين فكان صديقا للرؤساء والادباء والمثقفين والقراء والصحفيين على امتداد العالم العربي ولا يذكر اسمه الا وتذكر كل الخصال الحميدة التي يمكن ان يتمتع بها انسان كريم.

عبدالمجيد شومان

{ .. وهكذا يا اكرم جاهدت بيدك وبلسانك وقلمك وحين ضاقت بك السبل واعجزتك الوسائل جهدت بقلبك وكنت دائما المثل والقدوة في نبل المقصد وعلو الهمة.

د. ناصر الدين الأسد

{ ان اكرم زعيتر هو اصفهاني القرن العشرين وهو عميد الادب العربي القومي.

رجاء النقاش

{ أبو سري ابن مدينتي، لم اعرفه عن قرب الا بعد انحسار الحجاب عن وجهي، كانت أصداء صوته الحار المدوي تخترق الجدران الحريمية لتصل إلي ولتملأني بالدهشة والانبهار، وترسم في خيال تلك البنت المراهقة الرومانسية صورة باهرة لفتى جميل، ووطني غيور تمازجت حياته الفتية ثمازجا عضويا بالنضال الوطني، يتخذ من السياسة وسيلة كفاح ونضال من اجل تحرر وطنه من اذرع اخطبوط الاستعمار والصهيونية التي اطبقت على فلسطين في ليلة غدر.

فدوى طوقان

{ .. وكان اخلاصه لمبادئه وجرأته في الدفاع عنها يعرضه لغضب الحكام احيانا او لتحامل السفهاء احيانا اخرى، لكنه كان دائما المكافح الذي لا يهدأ والمؤدب المترفع عفيف اللسان صافي القلب، ان خسارتنا بفقد أب مثل اكرم زعيتر فادحة وعظيمة ، ولكننا ونحن اهله وابناؤه نشعر بالفخر ونحن نرى ان سيرته وأفكاره وذكرى جهاده مازالت حية فاعلة.

المهندس سري اكرم زعيتر

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد