مقالات

القدس تحتضر في يوم الأرض

 


مازلنا نذكر ذلك اليوم من عام ست وسبعين من شهر مارس آذار عندما اخترقت رصاصات الغدر الإسرائيلي أجساد خمس طالبات  بالمرحلة الإعدادية بفلسطين، فامتزجت دماؤهن بتراب الأرض، ورسمن على الورق أبجدية الثورة، فاهتزت المشاعر، ثم ثارت في الجسد ثورة عارمة، ليفتحن صفحة جديدة من صفحات المجد، ويضفن يوماً أسودَ لأيام الحقد المتوالية  ضد إسرائيل.
لا أريد أن ابحث في ذاكرة الزمن الزمن الفلسطينية عن الأيام السوداء لأنها محفورة في القلب، والمجازر المتعددة ضد الشعب الفلسطينيي على مدار نصف قرن، والتي وصلت إلى 32 مجزرة، ولا أريد أن أسرد قصصاً عن معاناة الفلسطيني، بل أردت أن أمنهج لقراءة جديدة للأرض الفلسطينية وخاصة القدس، بعد احتلال مازال جاثماً لثلاثة عقود ونيف تم نهب جزء منها، وأسرلة آخر، وتجريف ما تبقى، ولم يبق أمامنا إلا كنتونات متفرقة.
إن رسالتنا اليوم في يوم الأرض ترتكز على التمسك بالأرض، وعدم التفريط بها مهما بلغت التضحيات، ومحاسبة كل من تسوّل له نفسه بيع جزء منها، وعلينا أن نعي خطورة القادم الأسوأ ، ووعورة الطريق أمام المفاوض الفلسطيني الذي يبذل مجهوداً كبيراً من أجل وقف هذا العمل الإجرامي ضد الأراضي الفلسطينية التي أصبحت مستباحة أمام طائرات ودبابات وجرافات وجنود الاحتلال.
إنه (يوم الأرض)  حيث تحركت جميع القوى السياسية في الوطن المحتل للتعبير عن رفضها لعمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، في مسيرات سلمية طافت أنحاء الوطن، حتى اخترق صوت التنديد رصاص الغدر ليصرع فتيات في عمر الزهور وهن في طريقهن للمدرسة، ليضئن بدمهن الطهور دروباً جديدة للنضال عبر مسيرة الشعب الفلسطيني الممزوجة أصلاً بالدماء طيلة نصف قرن، وهكذا أصبح يُعرف هذا اليوم بيوم الأرض.
إن الأخطر اليوم على الساحة الفلسطينية هو ما يحدث في القدس، حيث عملية التهويد للمدينة المقدسة بدأت منذ احتلالها عام 1967، من خلال توسيع مساحتها الكلية، وإقامة المستوطنات حولها، وربطها بحزام كامل لأكبر مستوطنات الضفة الغربية، بسرقة الأراضي الفلسطينية، وابتياع أراضٍ  وقفية بطرق غير مشروعة، وإزالة بعض المعالم الإسلامية حول المدينة، وأسرلة العديد من سكانها، ومنح الهويات الإسرائيلية لمعظم أهلها، مما تسبب في زيادة عدد قاطنيها من الإسرائيليين بنسبة 67./. ونقص حاد في عدد السكان ليصل إلى 33./. من مجموع السكان، إضافة إلى إقامة الجدار العازل حولها ليعزلها تماماً عن واقعها الفلسطيني.
لا أبالغ إن قلت بأن القدس تحتضر، ولم يبق أمامنا إلا سنوات لا تتجاوز أصابع اليد ليتم ضم المدينة المقدسة إلى أراضي فلسطين التي  احتلت عام 1948، أي داخل الخط الأخضر، وهنا سنقف عاجزين تماماً عن الحديث عن حدودها، ومساحتها، وبالتالي اعتبارها عاصمة لدولة فلسطين، فتسقط  هذه الورقة ( القدس) كما تحاول إسرائيل إسقاط الورقة الثانية التي مازلنا نتمسك بها وهي ( عودة ) الشعب الفلسطيني الذي هاجر من فلسطين عام النكبة.
إن هيكل سليمان المزعوم سيكون جزءاً من عملية التهويد الكلية، ولكن في المرحلة الأخيرة، خاصة بعد هدم المسجد الأقصى بأسلوب مسرحي، وإخراج إسرائيلي،  حيث يجري الآن وبدعم مالي خارجي من القوى الاقتصادية الإسرائيلية بتبني هذا التوجه من أجل بسط السيادة الكلية على المدينة المقدسة، وسيظهر الهيكل تحت جدران المسجد الأقصى كما يقولون الآن.
إننا أمام مرحلة صعبة، وجميع المهتمين بالمسجد الأقصى في فلسطين وخارجها يحذرون من محاولات إسرائيل طمس معالم المدينة الخارجية والداخلية، وحتى لا تضيع الفرصة، علينا كفلسطينيين التحرك في كافة الاتجاهات، وعلى جميع الصعد لإيقاف عملية تهويد المدينة المقدسة، وهذا خير من أن نبقى متفرجين على وضع نؤثم عليه.
الأقصى معراج رسولنا يستصرخ منذ عام 1967، عندما باشرت إسرائيل بعد أسبوع من احتلاله بهدم حارة المغاربة، وكأنها على موعد من أجل تهويدها، بل ولم يكن إجراء المسح السكاني لها في شهر سبتمبر من نفس العام، إلا لاستراتيجية وضعتها قبل احتلال المدينة، وها هي الآن المسرحية شارفت على انتهاء الفصل الأخير منها، ويُغلق الستار، ويصفق الحاضرون، ويُضاء المسرح .
إن التاريخ سيسجل بعد التهدئة التي تمت الآن أن أسباب ضياع الأرض الفلسطينية وإقامة الجدار العازل، والاستيلاء على أكثر من 12./. من أراضي الضفة الغربية لصالح الجدار، يرجع إلى ما حدث خلال السنتين الإخيرتين، حيث انتهزت إسرائيل العمليات الاستشهادية مبرراً لها للقيام بما تريد في فلسطين أرضاً وشعباً، وبدأت عمليات الاستيلاء على الأرض بشكل لم يسبق له مثيل، وكأنها تريد أن تحصل على ثمن لقتلاهم من الجنود والشعب اليهودي أرضاً فلسطينية، فكان الجدار العازل الذي قضم 12./. من مساحة الضفة الغربية.
إن التوجه العقلاني الآن في التعامل مع فرضيات الواقع كان من المفترض أن يكون قبل عامين ونصف، حتى لا نصل إلى ما وصلنا إليه،  لأنه يساهم في حل جميع المشاكل العالقة مهما كانت صعوبتها، بل والتسريع في البدء بعمليات التفاوض التي تقلل من حجم الخسائر على الأرض، سواء البشرية أو ما يتصل بمساحة الأرض الفلسطينية.
وهنا علينا أن نعترف تماماً أن أساليب الكر والفر في الحرب اليوم لا تجدي نفعاً، خاصة ونحن نتعامل مع قوة إسرائيلية يقول العسكريون بأنها من أقوى الدول تسلحاً، وهذا لا يعني الاستسلام، بل وضع الحسابات الصحيحة قبل الشروع في أي عمل يمكن أن ينعكس سلباً على الشعب الفلسطيني

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

يمكنك تلقي أحدث الأخبار أول بأول بانضمامك لإحدى مجموعات الواتساب الخاصة بالعائلة من خلال الضغط هنـا

اظهر المزيد