مقالات

من يوقف العربدة الإسرائيلية

14/03/2006


من يوقف العربدة الإسرائيلية
الشعب الفلسطيني ليس مسرحاً لعملية الانتخابات الإسرائيلية
د / يحيى زكريا الأغا
المستشار الثقافي

عملية عسكرية إسرائيلية  لا يمكن أن يصفها كل متتبع لها على الفضائيات سوى القول بأنها عربدة إسرائيلية بامتياز، فما قامت به إسرائيل يوم أمس بمحاصرة المقاطعة في أريحا، والسجن المركزي التابع للمقاطعة يمثل انتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان، وتعدياًٍ صارخاً على الحقوق المدنية للشعب الفلسطيني غير آبهة بأي نوع من الانتقادات يمكن أن توجه إليهم طالما أن الدول التي كانت تحمي السجن بمن فيه انسحبت دون تنسيق يُذكر مع القيادة الفلسطينية، مما جعل الكثير من المراقبين يفسرون انسحاب القوات الدولية ( الأمريكية والبريطانية) بالمؤامرة من أجل اعتقال سعدات ومن معه في السجن، خاصة وقد تردد في الأونة الأخيرة بأن إطلاق سراحهم هي مسألة وقت..

إن ما حدث بالأمس يعكس الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي، بأنهم دعاة حرب،  وغير معنيين بعملية السلام، سواء كان مع الرئيس أبو مازن، أو غيره من القيادات الفلسطينية، وهذا يزيد من عدم الثقة الموجودة أصلاً بين إسرائيل وحماس، بل ويزيد من إصرار حماس على مقابلة أي تفاهم مع الإسرائيليين بتفاهم يكون سقفه أعلى حتى لا تسقط الورقة الفلسطينية في الهاوية، ولا أستبعد أن ما تقوم به القوات الإسرائيلية اليوم هو بداية الحملة الانتخابية الإسرائيلية، وكأن الشعب الفلسطيني مسرحاً للأحزاب الإسرائيلية من أجل عرض برامجهم الانتخابية.

بعد فوز حماس طالبت دول العالم من حماس بالاعتراف بإسرائيل كشرط لبدء عملية السلام، وهنا نقول بعد ما شاهدنا :أي اعتراف هذا الذي يمكن أن تقوم به حماس في ظل ما يحدث من انتهاكات صارخة لكل المبادئ والقيم والاتفاقيات والتفاهمات؟ وأي لغة يمكن أن يتم التعامل بها مع الاحتلال الإسرائيلي؟ وأي زعيم فلسطيني يمكن أن يثق بالقيادات الإسرائيلية ؟

إننا نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تقتضي من إسرائيل أولاً قبل حماس من إظهار حسن النية تجاه الشعب الفلسطيني، فلديهم قرابة ثمانية آلاف معتقل يعانون أسوأ أنواع الاعتقال، إضافة إلى قضم مساحة فلسطين من خلال الجدار العازل، ودفن أطنان من النفايات في الأراضي الزراعية الفلسطينية قبل انسحابها منها، والقائمة تطول، فعليهم أولاً التعامل مع هذه القضايا بموضوعية وصدق، ولكن كيف يمكن ذلك، وقد نقضوا كل ما تم الاتفاق عليه سابقاً.

إن هذه الانتهاكات الإسرائيلية التي تمارس ضد الشعب والقيادة تمثل تصعيداً كبيراً للوضع بشكل عام، وتنبئ بحالة من عدم الاستقرار ربما تستمر لفترة طويلة، لا يعلم عواقبها أحد، وستساهم بشكل كبير في عودة الوضع الفلسطيني إلى نقطة الصفر، وربما ستفتح بوابة من المواجهة لا تقتصر على منطقة بعينها، بل ستتجاوزها إلى أنحاء الوطن بأسره.
لكن ما حدث في أريحا لا يمكنه إلا أن يزيد من ترابط الشعب الفلسطيني والالتفاف حول قيادته بكل توجهاتها حتى لا تُترك فريسة للاحتلال، وحسبي أن الجميع سيقف صفاً واحداً دون النظر إلى الانتماء التنظيمي، فالكل مستهدف، والرصاصة لا تفرّق بين تنظيم أو آخر، وهذا يقودني بالذاكرة إلى السبعينيات في بيروت، فرغم وجود أكثر من عشر تنظيمات فلسطينية إلا أن القيادة كانت واحدة.

إن الرهان اليوم وخاصة ممن يفكر بسطحية مبادئه أن الشعب سينقاد إلى حرب أهلية سببها الاختلافات والخلافات، إضافة إلى أن ما يحدث اليوم من تصعيد عسكري إسرائيلي سيساهم في تأجيج ما يراهنون عليه، بل نقول إن هذا سيقوي من عزيمة الشعب الفلسطيني، وسيقوده إلى بر الأمان، وسيخلق حالة من الترابط والتلاقي على المبادئ والمثل والأهداف غير مسبوقة، وتاريخنا الفلسطيني المشرف لم يذكر لنا مواجهة تؤدي إلى اقتتال داخلي مهما علا سقف خلافاتنا.
لقد واجهنا الكثير من حالة الاحتقان التي سببها الإسرائيليون لنا، لكننا تجاوزناها بحكمة قيادتنا السابقة واللاحقة، واستطعنا تفويت الفرصة على المراهنين الذين يعبثون في الظلمات من أجل أن تبقى القضية الفلسطينية مرهونة بأيدي تجار المصالح، واليوم سيتخطى الشعب الفلسطيني هذه المحنة بتكاتفه وتوحده بعيداً عن الحزبية الضيقة التي لا يمكن أن نجني منها سوى الدمار.
 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد