متفرقات

خميس عبداللـه الخليفي ..... أخي الذي لم تلدني أمه ..... يونس عبد الأغا(جسورة)

 

خميس عبداللـه الخليفي
أخي
الذي لم تلدني أمه


في صباح كل يوم سبت،على مدار عام كامل تقريبا، كنت أتواجد في الغرفة رقم(357) في مستشفى حمد بالدوحة، التي كانت تحتضن الاْخ خميس بن عبدالله الخليفي،وفي كل مرة كانت ابتسامته المعهودة هي رد التحية لكل من يزوره،وكان في بعض الاحيان يتمتم بكلمات .. لم أستطع أن أعرف كنهه، وهو بالتأكيد كان يود أن يقول شيئا ! وحينما كان يرى الحيرة تكسو وجهيَ، كان يشدّ على يدي،ويضغط عليها،كأنه كان يريد أن يؤكد لي بأنه عرفني،وكان دائما يحاول أن يوصِل رسالة، فاحيانا يطلب قلم، واذا احضرنا له القلم كان يشير أن أكتب، وما كنا ندري ماذا نكتب، فأرى الأسى في عينيه، فقد كان يعز عليه جهلنا بما يريد، وآخر مرة طلب مفتاح السيارة، وما كنا ندري أنه كان يود أن يوصل لنا رسالة... بأنه يتأهب للرحيل.

المرحوم خميس عبدالله الخليفي


في يوم السبت الأخير، قبل الخميس الحزين، كنت وحدي.. أتأمل الوجه الوادع،والجسد المستكين،وكان الهدوء مخيفا،وأعترف أنني لأول مرة يداهمني احساس بعدم الطمأنينة، وكانت تأتيني صور بعض الذين أحسن إليهم،وفرج كرباتهم،كانت الغرفة هادئة،لا تسمع فيها لاغية، إلا أنفاس خافتة كانت تنبعث من الصدر العليل،اقتربت منه وهمست في أذنه يا أبا عبدالله .. أيها الكريم ابن الأكرمين.. تأبى المروءة أن تكون عليلا... وعلى الموت أن يخجل اذا فكر في الاقتراب من نفسك .. مع يقيني .. بأن كل نفس ذائقة الموت،ولأول مرة أخفيت عن الأخ محمد ما أحسست به.

الاْمل في الشفاء كان قاسيا .. هذا ما أكده الاْطباء المتخصصون .. لكن رغم قسوة الاْمل،كنا نعتمد على قدرة الخالق العظيم، الذي خلق الداء والدواء،وهذا ما دعانا إلى استشارة أطباء من ألمانيا، والنمسا، وفرنسا، وتايلاند،وكان الاْخ محمد بن عبدالله الخليفي، يتابع بنفسه الاتصال بأصدقائه في ألمانيا، والنمسا، بينما كان ولدي عمرو يتابع مع فرنسا،وتايلاند، واستمرت اتصالاتنا معهم حتى اّخر لحظة.

لم نكن نحاول أن نمنع الموت، أو نبعده عن محيط تفكيرنا، لكننا كنا نتعلق بالأمل مع كل ابتسامة، وكل حركة،وكل تمتمة،ولو لم تكن مفهومة، وكان هذا الأمل يعطينا الحق في أن نصارع مع الاخ خميس الموت،ونحاوره بطريقة دبلوماسية،ونحاول أن نرجوه لكي يتريث قليلا، وأن يقبل أن يعقد هدنة، فربما تخمد رغباته الماكرة !! وكنت أوهم نفسي بأنه سيؤجل موعده، رأفة بالاْخ محمد بن عبدالله الخليفي، و بي،وبمحبيه من أهل وولد، وأقارب، وأصدقاء.

لكن الموت كان جشعا فلم يربأ بشيء ، حتى أنه لم يمهل الروح الطاهرة لتقول وداعا، ولتحتفل معنا بأول ضوء من فجر الخميس 11/2/2010م ، لكن .. لكن .. وبلا وداع..

مع ضوء فجر الخميس .. سكت قلب خميس ... سكت القلب .. الذي كان يفيض حبا، وحنانا،وانسانية .
خميس .. يا أخي .. لقد كنت أرى الدنيا بعينيك، وأعيش الحياة بقلبك، ترى كيف ستكون حياتي المتبقية!؟ بدون نبضات قلبك، ونور عينيك، وماذا أفعل أنا صباح كل يوم سبت، والى أين أتوجه؟!!

لقد كنت تفرح لفرحي.. وأفرح لفرحك،وأحزن لحزنك.. وتحزن لحزني، فمن يستطيع أن يوقف البكاء المخنوق في حنجرتي ؟؟
هل وصلت الى بغيتك أيها الموت؟ أعترف.. بأنك كنت الأقوى، لكنك أبدا لم تنتصر، فلا تبتهج كثيرا، فما أن رحلت حتى نزلت الملائكة، تشاركنا الصلاة على جثمانه الطاهر، وحملته معنا الى مثواه، إلى حيث الحياة الآخرة، وهي بالتأكيد الأجمل والأبهج من دنيانا الفانية.

في مجلس العزاء .. أحب أن أعيش مع الحزن في صمت، ولقد قلت سابقا وأقول الآن.. أن الصمت في مجلس العزاء.. عزاء.!
لذلك كانت تخنقني ثرثرة المعزين، فبعضهم لم يحترم لحظات الوداع القاسي،ولا أحسَ بألم الفراق الأبديّ، كان يحزنني بعثرة الأحاديث الخاصة والعامة ، وكلها بالطبع كانت تافهة، وما عرفوا وما أحسوا بحزني على أخي وصديقي الذي امتدت صلتي به لاْكثر من أربعة عقود ونصف.

كنت أحاول أن أبدو قويا متماسكا، وخاصة أمام الاْخ الاْكبر محمد بن عبدالله الخليفي، الذي فقد توأم روحه، ورفيق دربه في هذه الحياة، وأنا أعرف جيدا معنى أن يفقد المرء أخاه، فقد تجرعت مرّ هذا الكأس مرتين، الاْولى.. بالاْمس القريب حينما فقدت أخي ابراهيم، واليوم.. وأنا أفقد أخي خميس.

لم يكن بمقدوري أن أجد كلمات عزاء صامته لأقولها له، وما تبقى من صبري صبرا لأعطيه،لكنني كنت أدعو اللـه أن يمده بصبر من عنده، ليجتاز هذه المرحلة القاسية على نفسه وروحه، إن المصاب جلل، وقد أدركت هذا من أول لحظة،لأنني أعرف جيدا العلاقة الأخوية التي ربطت بينهما، ولم يكن ذلك لاْنهما تشاركا في سكنى رحم واحد، وانما كان نتيجة لما ورثاه من أخلاق وكرم ورجولة والدهما المرحوم عبدالله بن خميس الخليفي،ومما أغدقت عليهما والدتهما رحمها الله من حب وحنان.

الحقيقة أنني عرفت والدهما من خلال أحاديث علية القوم من رجالات قطر، الذين تعرفت اليهم بحكم وجودي القريب من أبنائه الكرام،الاْخ ماجد بن عبداللـه ، والاْخ خميس بن عبداللـه ، رحمهما اللـه ، والاْخ محمد بن عبداللـه حفظه اللـه ومتعه بالصحة، والعافية، وكانت الأحاديث كلها تجمع على أنه كان يتمتع بشخصية فريدة في الكرم، والشهامة،والرجولة، أما والدتهما رحمها اللـه، فقد تشرفت بمعرفتها،وكانت تغدق علىّ وعلى عائلتي من حنانها ما كان يخفف عنا وطأة البعد عن الاْهل والوطن، وتصادف أن تقابلت وأخي ابراهيم رحمه اللـه في لبنان، وأبدى رغبته في السلام على الاْخ خميس الذي كان في نفس الوقت في لبنان مع عائلته ووالدته، وكان لقاء حارا وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد، وقبل مغادرتنا البيت،استأذنا للسلام على الوالدة، وكعادتها أمطرتنا ترحيبا، ثم التفتت الى أخي ايراهيم، وقالت: \"يونس ولدنا، وأنا أعتبره ولدي الرابع\"، ومن هنا جاء عنوان هذه المقالة.

كانت أيام العزاء عصيبة وقاسية على الاخ محمد، ولكن جموع المعزين من مختلف العائلات القطرية، منهم رجال المال والاْعمال، و الوزراء، وأعضاء مجلس الشورى، وكبار موظفي الدولة، وأساتذة الجامعات، والاْصدقاء من المواطنين والمقيمين، ومن الشخصيات العامة والخاصة، قد خففت من حزنه، ولكنها لم تمحيه، فالحزن على الأخ.. وخاصة عندما يكون الاْخ هو خميس عبدالله الخليفي .. لا يمحى !

وبينما كنت حريصا على مواساته.. كنت أنا في حاجة لمن يواسيني، وكان كل من يعرف علاقتي بالمرحوم، كان يتوجه ليعزيني بحرارة، وقد سمعت أحد المعزين _ ولم يكن يعرفني_ من هذا الذي يتلقى العزاء بجانب عائلة الفقيد ؟
كنت أقول محدثا نفسي، ان الذي تعزون فيه هو أخي الذي لم تلدني أمه، وانتهت أيام العزاء،وعادت الأمور للكثيرين كما كانت إلا الذين أحببتهم وأحبوك يا أبا عبداللـه، فأنت في قلوب أهلك وذويك ومن أحبوك تعيش.

وبعد أيهاالأخ.. ها نحن قد عدنا لممارسة أعمالنا، وهي سنة الحياة، لكنك أنت كما أنت في القلب وفي العين، وسوف تبقى كذلك، ما دام في القلب نبض وفي الحياة وميض.

هذه روحك تجلس على الكرسي أمامي، المسبحة في اليد ، والابتسامة تملاْ وجهك، وحديث شيق نتبادله، وأمنيات كنت تود أن تتحق، وسوف باذن اللـه تتحقق، هـاهو عبداللـه، ولدك، قد حمل الأمانة وهو أهل لها، وسوف يبقى بيتك مفتوحا كما كان باذن اللـه، وسوف يحقق أمنيتك، ويتزوج، وسيكون أول مولود له، هو أنت، خميس بن عبدالله الخليفي، فنم قرير العين مع الصالحين والشهداء، وأنعم بهم من رفقة، وسوف تبقى أياديك البيضاء تطوق أعناق الذين أحسنت اليهم، من أرامل وأيتام في قطر وفلسطين.

واني على ثقة بأن دعاءهم لك، سيصلك باذن اللـه نقيا طاهرا، كقلوبهم،ولا يخامرني أدنى شك أن أسرتك وعلى رأسها ولدك عبداللـه، سوف لا تألو جهدا في ايجاد وسيلة تليق بمكانتك، كأن يقام مشروع خيري يكون صدقة جارية لك، تمشيا مع قول رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه \"اذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\".

بعد مرور أسبوع على وفاة الأخ خميس،تلقيت دعوة من أحد الاْصدقاء لحضور حفل زفاف ولده، فاعتذرت له،لكنه أصرّ على دعوته،ولم يكن يعرف مدى العلاقة التي تربطني بالأخ خميس، ولما شرحت له وبينت أنني لست في حالة تسمح لي بحضور مثل هذه المناسبة، رأيت الخجل في عينيه، وقال: \"أعذرني\" ، وأضاف : \"هذا ليس جديدا ولا غريبا عليكم آل الأغا، فالوفاء والتكريم دأب عائلتكم أينما كنتم\"، ثم أردف: \" أرجو أن تتقبل مني أحر التعازي\".

والآن.. فإني أود أن أتقدم بالشكر والعرفان لكل من حضر مراسم الدفن , ومن حضر للعزاء، ومن هاتف معزيا ومن نشر في الصحف، والشكر موصول لأصحاب ومديري الشركات في قطر وفي الخارج على تعازيهم لنا عبر البريد الالكتروني، وأود أيضا أن أتقدم بالشكر والعرفان الى كل من واساني من أبناء عائلتي المقيمين في الدوحة وأولئك الذين اتصلوا هاتفيا من خان يونس ومصر والامارات والسعودية ,وأسأل اللـه أن يحفظ الجميع والا يريهم مكروها في عزيز لديهم .

(وبعد )
أرجو من الجميع أن يردد معي هذا الدعاء:
اللهم ارحم الأخ خميس وأدخله فسيح جناتك، اللهم أبدل سيئاته حسنات، اللهم إن كان مسيئا فارحمه، وان كان محسنا فزده احسانا، وأسألك اللهم أن تبعده عن النار، ومتعه بنعيم جنتك ،انك ولـيّ ذلك والقـادر عليه.

 

(إنا لله وإنا إليه راجعون )


يونس عبد نعمان الأغـا (جسورة)
الدوحة في 18/03/2010
 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. يونس عبد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد