مقالات

الروائي الفلسطيني ( أحمد عمر شاهين)في روايته( وإن طال السفر)- د. يحيى زكريا

 

الروائي الفلسطيني ( أحمد عمر شاهين)
في روايته( وإن طال السفر)
انشغل في حياته بالوطن والكتابة، ومضى منفرداً غريباً بعدما أثرى المكتبة بأدب رفيع-، وتسع روايات
 


إعداد الدكتور/ يحيى زكريا الأغا


إن ما يعنينا من الوقوف مع ذكرى هذا الأديب، إنما هو مدى ما يمكن لهذه الوقفة أن تغني اللحظة بما قدّمه من أدبٍ رفيع يُثري به الأدب بصفة عامة، والفلسطيني بصفة خاصة، وتمثّل هذا في ترجمات لها معانٍ ودلالات فكرية، وقصص رائعة، وروايات تحمل الكثير من القيم الإنسانية، استمدها من منظور الواقع المعاش من خلال محطاته المتعددة في زمن لم يكفل له ما يريد، وخاصة أمله بالعودة إلى مسقط رأسه" يافا" الذي تحطم على عتبات حرب 1967.
على فراقه تألمت كتلميذ له في الأول الإعدادي كما تألم العديد من أصدقائه المفكرين والأدباء في أنحاء فلسطين والوطن العربي، والخاصين منهم - وهم كٌثر-أمثال شاعر القطرين" معروف رفيق" و "نبيل خالد الأغا" و" يونس عبد نعمات الأغا"، لأن عطاءً يحمل معاني الإنسانية قد انقطع، تاركاً تراثاً ثقافياً متميزاً، خاض فيه بحراً لُجياً، لكنه استطاع أن يضيف إلى الأدب العربي لغة إبداعية متميزة.
في حياته انتصبت للأديب ثلاث محطات، أخذت منه مأخذها، بدءاً من الهجرة عام 1948 بكل آلامها، التي فتحت عليه وعلى الشعب الفلسطيني بوابة من المآسي ما تزال تترى مع كل يوم، والثانية بتاريخ 12/6/ 1967 عندما احتلت القوات الإسرائيلية مدينة خان يونس والتداعيات التي صاحبتها، والثالثة الهجرة القصرية الثانية إلى خارج الوطن، حيث قامت القوات الإسرائيلية مع قرابة ألف شخص من خان يونس بترحيلهم إلى مصر.

كانت حياته مملوءة بالألم والحزن، وألمه كالصقر الذي بُني له عش على الأرض، لكنه أبى إلا أن يكون محلقاً طيلة عمره حتى وافه الأجل المحتوم في مصر غريباً عن الوطن، لكن غربته عوّضت من مثقفي مصر، ومحبي الكاتب بدرجة تتوازى مع حبهم للأدباء والمثقفين، فقد أحبها لأنه اقترب من منهل الثقافة الذي تمناه، وأحبها لأنه تلمّس العلم في جامعاتها، بل وأراد أن يوطد حبّه بالمصاهرة، أما حزنه فكان مكبلاً بأغلال الزمان والمكان، لكنه لم يُغرق نفسه في الآهات، لذا بقي شامخاً، متأملاً في العودة، لكنه حبس دموعه في قلبه، ليحولها إلى مداد يُنير شهباً في سماء الثقافة الفلسطينية والعربية، فجاءت إصداراته المتنوعة تعكس ذات الفلسطيني أينما وجد، وصورة تمثّل الواقع المعاش بكل سلبياته، وإيجابياته وإنْ ندرت، وقد أشاد به قرّاؤه ومحبوه من كتّاب ومثقفين من مصر وفلسطين والدوحة وعالمه العربي الواسع، في حياته وبعد مماته الذي يصادف اليوم مرور أربعين يوماً على رحيله.
أمّا رواياته فقد أهديت إليّ من صديقه الوفي في محطته الثانية والثالثة" يونس عبد نعان الأغا" حيث كلاهما نهلا من منابع ثقافية واحدة، والتقيا فكراً على الكثير من القضايا الأدبية، ففتح " احمد" الباب على نفسه ليقرأه العامة والخاصة، أما صديقه"يونس" فكلّ قرّائه من الخاصة، وأنا منهم، فهل يفتح لنا بوابة كالتي فتحها "أحمد"، لأن الجمال الأدبي ليس ملكاً شخصياً بقدر ما هو ملك للآخرين، وهذه دعوة لكل المثقفين أن يخرجوا إلى الحياة بكل ثقة واطمئنان تحت أشعة الشمس.
عندما ولد الكاتب سجّل اسمه في دفتر المواليد بمدينة " يافا" الفلسطينية، عام 1942 فاشتم رائحة البرتقال التي سرت في جسده الغض، وبعثت فيه الحياة والأمل، وألصقته بترابها الطاهر حتى في غربته القصرية التي أُجبر عليها بعد ست سنوات من ولادته، ليستقر به المقام على شاطئ مدينة خان يونس، منتظراً العودة إلى " يافا". لكنّ المدينة الجديدة أصبحت ببحرها جزءاً من وجيب الروح الذي ينقله يومياً مع نسمات الصباح إلى ذكريات الطفولة لتبرز روايته ويقول سأعود إليك يا يافا " وإنْ طال السفر " وهو عنوان روايته التي نحن بصددها، فهل يمكن له أو غيره كفلسطيني أن ينسى ذاته ووجوده، وأرضه ؟! وهل يوجد فلسطيني لم يورّث حب الأرض لأبنائه، وأحفاده؟.

أما روايته فتنقسم إلى جزأين، لكنهما متصلان فكرة ومضموناً، الجزء الأول يتناول رحلة الهجرة ، والوصول إلى خان يونس، واضعاً إصبعه على منغصات الهجرة القسرية، فبدلاً من الاستمتاع بالطفولة، أجبرته قسوة الحياة على العمل ليساعد والده رغم صغر سنّه، فعمل في محل للحلويات، إضافة إلى دراسته، ليكون علاقات جديدة، وأصدقاء جدد، ويوطد هذه العلاقة كلما امتد به العمر، مسلطاً الضوء على صور المعاناة اليومية في المنازل التي تم تجهيزها خصيصاً للذين تركوا ديارهم هائمون على وجوههم لا ذنب لهم سوى أنهم فلسطينيون أجبروا على ترك أرضهم ليحل محلهم اليهود.
وفي نفس الوقت يُبرز صور التحدي لمواجهة هذه الحياة، فلا يهم – كما يقول- أن يقف في طابور لملء" صفيحة" الماء، أو " جرّة" من الفخار لينقلها إلى منزله، ولا يهم أن يقرأ على ضوء القمر، أو على "نوّاسة" تعطّل عدسة العين، أو تزكم الأنف من رائحة الدخان المنبعث منها، ولا يهم أنه أراد مساعدة أبيه في العمل وهو في سن مبكر، ولا يهم أن جنود الاحتلال أرادوا قتله، فلن يخسر شيئاً ما دام خسر الدار والأرض، وكل ما كان يهمّه هو تشبثه بالأمل في العودة، هذه الكلمة كان يقرأها في العديد من الكتب التي تناولها، والقصص والمجلات التي قرأها، وفي أحاديث الناس من أقارب وأصدقاء، بأن وجودنا في هذا " المعسكر" مؤقت، ومازال الوجود مؤقت! فمن المسؤول عن هذا؟.

لقد أراد من خلال هذه المقدمة في الرواية، أن يبرز مدى ما لحق به كفلسطيني من ظلم جرّاء قرار ظالم بمنح اليهود وطن قومي لهم في فلسطين.
أبرز قدرته على تحدي الواقع من خلال قدرته على توزيع نفسه بين الدراسة والعمل، والمطالعات، والانتساب إلى الأحزاب، لملء الفراغ بين واقعه وحلمه بالعودة، وبقي هذا الحلم مسيطراً على لغة الروايات التي كتبها، وخاصة الأولى والثانية منها، وهي التي نقف عليها.
وإذا تلمسنا كيفية صياغته وتشكيله لبنية الرواية، فإنه لم يعمد إلى بناء شخصية محورية أساسية، من بدايتها وحتى نهايتها، لكنه منح لنفسه في الرواية وجوداً متميزاً عن الآخرين، فعلى مدار 186 صفحة من الحجم الصغير، جعل الشخصيات كلها(فتحي، عمر، عصام، سعاد، ليلي، يحيى، أبوه، أمه، الأصدقاء، الخواجة...) أساسية في بنية الرواية، إضافة إلى جعل عنصري المكان والزمان مساعداً أساسياً للشخصيات لترجمة ما يعتورهم أثناء الحوار الداخلي.
ترك لكل شخصية حرية التفكير والكلام، والحركة، مبتعداً عن أسلوب المواجهة، كاشفاً من خلال علاقاتها عن جوانب متعددة في ذات الشخصية، سواء فيما يتعلق بارتباطها بالواقع، أم من خلال تعاملها مع الآخرين، مانحاً كل شخصية بما يتناسب مع فكرها وثقافتها ورؤاها.
لم يغفل الكاتب الأحداث وإن صغرت، وصولاً إلى إبراز بعض النوازع الغرامية التي استرقها عندما عمل في معمل للحلويات وهو صغير، لكن تصرفه غير المحسوب قوبل بإخراجه من العمل، وهذا يعكس القيم الاجتماعية التي كانت سائدة.

ركّز الكاتب على عنصر المكان بصورة يمكن اعتبارها البطل الحقيقي في الرواية، فتناول مدينته " يافا" سواءً صراحة، أم من خلال إيحاءات وتلميحات كلما سمح له الموقف بذلك، ولم يترك موقفاً إلا ويذكر المدينة، ليبّن لنا أنها ماثلة في العقل والوجدان، وستبقى كل المدن الفلسطينية كذلك في وجدان كل الفلسطينيين مهما تقلّبت الدنيا عليهم، لينتقل بعد ذلك إلى صورة الوضع بما عليه الحال داخل " المعسكر" راسماً صورة واضحة لهذا المعسكر، مبرزاً من خلالها مدينة خان يونس وكيف كانت تعيش هادئة في بطن الساحل، ثم انتقل إلى مصر مبرزاً طبيعة المرحلة والحياة، مغلفاً كل الأماكن بغلاف الانتماء والالتصاق به.
اعتمد الكاتب على الحوار القصير مع الآخرين، لأنه يريد أن تتمتع كل شخصية في الرواية بصورة البطل، وإن كان لشخصيته الأثر الكبير في أركان الرواية، ليس كبطل أساسي، بل كشخصية محورية يلتف حولها جميع الشخصيات، لكن كل شخصية تتمتع بميزات هذه الشخصية المحورية، حتى في الجزء الثاني من الرواية، جعل الجندي الإسرائيلي شخصية محورية من خلال الموقف الجديد، أو الأحداث الجديدة التي تبعت الاحتلال الإسرائيلي لمدينة خان يونس وما صحبه من قتل وتدمير، مما اضطر الناس للهروب "للمواصي" القريبة من المعسكر.

ويتناول في الجزء الثاني من الرواية شخصيات جديدة" العم ووليد وفتحي وعمر وخليل وسعاد". حيث يقول:" مات الكثيرون أثناء قصف البلدة بالمدافع المختلفة، (هارتزر، هاون، نابالم) ، هربت العائلات إلى شاطئ البحر مبتعدة عن أماكن القصف…" وهنا أراد أن يضع مفارقة بين الاستعدادات العربية للحرب من خلال الأسلحة اليدوية الفردية التي وزّعت على الناس، وبين أسلحة الجيش الإسرائيلي، فيقول: ما العمل؟ الرصاص أمام المدفع! كل طلقة بعشر قذائف…." ورغم دخول القوات الإسرائيلية المدينة بعد خمسة أيام من الحرب، إلا أنه لم يفقد الأمل في العودة كما قالت له خالته:" غداً سنرجع إلى يافا…." فيرد:" حتى الآن لم يُستخدم الطيران…. الحرب خدعة…".

ويتناول الكاتب في روايته الطريقة الهمجية التي رُحّل بها إلى مصر مع عدد من الشباب الفلسطيني، وهي المحطة الثالثة من الرواية، لتبدأ معها فصول جديدة من المعاناة والألم، لكن أقصى ما كان يُعانيه هو الابتعاد عن الوطن، ومع مرور الأيام بدأ يسيطر عليه شعور بالاستقرار، ليجد ضالته في الكتب والمكتبات، والمثقفين من الجنسين، فأشبع نهمه الفكري، وروّح الجسد بالقراءة والكتابة، رافضاً الذهاب إلى أي دولة عربية للعمل، معتبراً ذلك هجرة إلى اللاعودة للوطن.
نلاحظ مما سبق أن الكاتب كان معنياً في روايته بتسجيل الصورة الكلية لمرحلة فاصلة من مراحل حياته، وهذا ينطبق تماماً على الشعب الفلسطيني الذي هُجّر بعد النكبة، وعلى بقية الشعب الفلسطيني بعد احتلال 1967، هذه المرحلة فرضها الواقع بكل ما يحمل من سلبيات لا دخل للفلسطيني فيه، وإنما بسبب عوامل خارجية تكالبت عليه ، وأوصلته إلى هذه المرحلة .
الكاتب اقترب من الواقع، وعرض المواقف كما هي في الحقيقة، فغلب على الرواية الواقعية التسجيلية التي تقوم في الأساس على الوعي التام بالمرحلة الزمنية التي ترصدها الرواية، وفي الرواية الكثير من المواقف التي يتبدى بكل تفاصيله ودقائقه دون مواربة من ذلك حرص كثيراً على إبراز الأسماء بشخوصها، لكنه استخدم لنفسه صيغة المتكلم.

اهتم الكاتب في تصوير الأبعاد الفكرية لكل الشخصيات التي تناولها، وانعكاس ملامح الواقع الفلسطيني على أجزاء الرواية، حاشداً الكثير من الأحداث الواقعية ، وكانت بالطبع أقرب إلى الحيوية والحركة والإيقاع السريع، ففيها قدّم الكاتب صورة للصراع الداخلي الذي سيطر عليه، مع سيطرة روح العودة إلى " يافا" رغم رؤيته جنود الاحتلال في مدينة " خان يونس" مازجاً كل ذلك بتصوير رؤاه الشخصية، مما أضفى على الرواية تنوعاً في الدلالات، وغنى ثرٍّ في عالم الفضاء الروائي.

والكاتب عندما يبرز هذا الأمر يريد أن يُعطي صورة للواقع، ولِما يعتوره أحياناً من لحظات ضعف إنساني خاصة عندما استرق قبلة من فتاة في ظلمة بهو المنزل، لكنه يكون أكثر قوة وصلابة عندما يقابل اليهودي" الخواجة" وهو الجسم الغريب الذي دخل في الرواية، وفي حياة الفلسطيني.
ورغم أن الكاتب غلّب الجانب الفكري التحليلي في معظم الرواية، فإنه في مواطن متعددة وظّف بعض العناصر الدلالية لتوحي بحدث ما، أو برؤية أو تصور يثري الفكرة وينميّها، تاركاً للمتلقي تحليل بعض المواقف التي يعلم يقيناً بأن القارئ لا يجد كبير عناء في الوصول إلى الحقيقة، خاصة عندما تتملكه لحظات من القهر يقول:" أسير أحياناً وأنا لا اشعر بأني أسير، أشعر أني على وشك الجنون ولكني لا أجنّ.

أما إحساس الكاتب بالزمن فكان دقيقاً للغاية، فهو يربطه مع الشخصيات، متوخياً الدقة المتناهية في تسجيل اللحظات المتصلة بالأحداث الصغيرة والكبيرة، جاعلاً من الحدث الصغير بؤرة لحدث أكبر، راسماً حدود الزمن بالشخصيات وتنوعها، وكلما دخلت شخصية جديدة لا تشعر بها وإنما تتسربل داخل الأحداث بكل هدوء، لتساهم في تقوية الحدث، وتبرز الصورة، والشخصية المقابلة لها.

كما وظّف عنصر المكان بدءاً من مدينته " يافا" إلى " معسكر مدينة " خانيونس" إلى الحياة العامة في المدينة، إلى معسكر الاعتقال الإسرائيلي، ثم القاهرة، رابطاً كل مكان بما يناسبه من حيث العلائق الفكرية التي تساهم في تعزيز الفكرة، مبتعداً كل البعد عن الخيال الذي يكون أحياناً سمة من سمات الرواية.
والأماكن والشخصيات تمتد في معظمها إلى تسعة عشر عاماً هي الفترة الزمنية التي تغطي أحداثها الرواية.

وفي تقديري الشخصي أنه يمكن إجمال ما تناولت بأن هذه الرواية الواقعية" وإنْ طال السفر" محاولة جادة تعكس جوانب واقعية من حياة الشعب الفلسطيني قبل وزمن الاحتلال الإسرائيلي، من خلال رسم الملامح العامة لكل شخصية من خلال انتمائها الفكري والأيديولوجي والحزبي، وفي تقديري تمثل هذه الرواية إدانة صريحة "لإسرائيل" أولاً، وللعالم الذي فرضها في منطقة الشرق الأوسط،سالباً أرضاً من أصحابها، ومنحها لمن لا يستحق، فكانت الهجرة، وكانت حرب يونيو 1967، وتوالت الأحداث بعد الهزيمة وإلى يومنا هذا.

إن التركيز من الكاتب على استخدام أسلوب السرد الحكائي الذي ينطلق أفقياً من البداية عام 1948، وحتى النهاية 1967 وفق رؤى تعزز حضور الجانب الفكري في الرواية، وهي –بحق- شهادة تقدير تمنح له كواحد من أبرز كتّاب الرواية الواقعية الذين لم يعلنوا عن أنفسهم، وستبقى هذه الرواية كغيرها من الروايات التي تحمل بين سطورها مضامين متعددة أفرزها الكاتب من واقعه المر الذي عاشه على مدار تسع وخمسين عاماً، أثرى الحركة الأدبية بالعديد من الروايات، وهي:

ونزل القرية غريب عام 1977
وإنْ طال السفر عام 1977
زمن اللعنة عام 1983
توائم الخوف عام 1983
الاختناق عام 1985
بيت للرجم بيت للصلاة عام 1989
الآخرون عام 1989
المندل عام 1991
يوميات خليل كنعان السرية عام 1993
والعديد من الكتب المترجمة، والقصص...

رحم الله أستاذي الجليل، علّني أكون قد أوفيته جزءاً من وفاء حرف من حروف اللغة العربية التي تعلمتها على يديه في مدرسة عبد القادر الحسيني الإعدادية عام 1967.
 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد