مقالات

مرادفات في القرآن الكريم (الجزء الثاني)- سعيد الشوربجي

 

بسم الله الرحمن الرحيم


 


الحمد لله والصلاة والسلام على معلم البشرية محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين , وبعد : أيها الأحبة الكرام أحييكم تحية الإسلام , السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . لقد تكلمنا في الجزء الأول عن بعض الكلمات التي وردت في القرآن الكريم وقد وردت معها كلمات في ظاهرها مرادفات , وفي التمعن في معانيها ليس بمرادفات ، فقد سردت لكم أحبتي بعضا من هذه الكلمات موضحا معانيها , وسنتابع معا في هذه الجزء ما فتح الله به علينا من كلمات أخرى ، وسأتطرق إلى معانيها باختصار لعدم الإطالة , حيث أنني سأتكلم في كل جزء عن خمسة عشرة كلمة فقط , والله من وراء القصد .

2,1: ( الصَّبُّ ) و( السَّكب ) :
السَّـكب: هـو الـصَّب المتتابع، وقـد ورد هـذا اللفظ في موضع واحد في القرآن الكريم: )وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ , وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ).
أما الصَّبُّ ففيه القوة والعنف : ( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)
و قوله: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْـحَمِيمِ )
واستعمال لفظ الصب في العذاب يوحي بالشدة والعنف , وهذا ليس موجودا في لفظ السكب.
إذ نلاحظ القوة والعنف مع الصب، والهدوء والسلامة مع السكب.

5,4,3: (الاستماع ( و(الإنصات) و(الإصغاء)
الاستـماع : هـو إدراك المسـموع وفهمه .
أمـا الإنصـات: فـهو السكوت بغية الاستماع لشـيء مـا، وعلـى ذلـك فقـد جمع الله بينهما في قوله:
(وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
حيث إن الواجب على المسلم الاستماع للقرآن دون حديث أو حركة وذلك هو الإنصات.
أما الإصغاء فمعناه في اللغة: الميل، والإصغاء يكون للسمع وغيره , فإذا مال الإنسان بسمعه قلنا: أصغى سمعه، وإذا مال بقلبه قلنا: أصغى قلبه، وقد قال الله تعالى : (إن تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) .
وقال : (وَلِتَصْغَى إلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) .

7,6: (الزواج) و(النكاح) :
الزواج والتزويج والفعل زوّج لا يستعملان إلا بعد تمام العقد والدخول واستقرار الحياة الزوجية ، فنلاحظ استعمال الفعل زوّج بصيغة الماضي الذي يدل على وقوع الحدث، كما في قوله: )كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ(
وكما في قوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) .
أما النكاح فإنه يعني الرغبة في الزواج ، أو إرادة وقوعه، أي قبل أن يتحقق الزواج فهو نكاح ، لذلك نجد أن الأفعال التي تؤدي هذا المعنى في القرآن الكريم جميعها دالة على المستقبل كما في قوله): قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ)
وكما في قوله: )فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ)
وجميع الآيات التي وردت في القرآن الكريم والتي تتحدث عن النكاح المقصود بها العقد فقط أو الرغبة في الزواج , إلا في موضع واحد فقط قال الله فيه : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فكلمة تنكح هنا المقصود بها المعاشرة الزوجية أو الوطء المحقق في الفرج , ولله في ذلك حكمة عظيمة من تأكيد الجماع الحقيقي ، وكأن الله يقول لهذا الرجل أترضى لنفسك أن تطلق زوجتك ثم يواقعها رجل غيرك ثم تعود إليها , فكيف تقبل على نفسك ذلك , ولو كان المقصود بكلمة تنكح هنا العقد فقط لكان الكثير من الناس طلق زوجته مرارا واستأجر لها تيسا مستعارا وعقد عليها ثم طلقها فراجعها زوجها , ولكن الله شدد على ذلك لعدم وقوع الطلاق حفاظا على قدسية الحياة الزوجية .

9,8: (النَعمة) و (النِعمة)
نَعمة بفتح النون قوله تعالى : )وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ)
وقوله تعالى : ( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً )
لم ترد في القرآن إلا في السوء والشر والعقوبات.
أما نِعمة بكسر النون جاءت في مواضع كثيرة في القرآن منها :
( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لا َتُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
دائماً تأتي في الخير.

11,10 : (فتحت أبوابها) و( وفتحت أبوابها)
الفرق بين وصف دخول الكفار إلى النار ودخول المؤمنين إلى الجنة
حرف واحد غيّر معنى الآيتين وهو حرف الواو, ففي وصف دخول الكفار النار قال تعالى : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) .
وفي وصف دخول المؤمنين الجنة قال تعالى : ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) فقد ذكر الله هنا حرف الواو قبل كلمة فتحت فأصبحت وفتحت , ولم تذكر الواو في وصف دخول الكافرين النار , والفارق أن جهنم هي كالسجن أبوابها مقفلة لا تفتح إلا لداخل أو خارج فالأصل أن تكون الأبواب مغلقة ولا تفتح إلا لإدخال العصاة إليها , وفي هذا الوصف تهويل ومفاجأة للكفار الذين يساقون ثم فجأة وهم لا يدرون أين يذهبون تفتح أبوب النار فيفاجئوا ويصابوا بالهلع.
أما في حال المؤمنين فالجنة أبوابها مفتوحة على الدوام كما في قوله: (جنّات عدن مفتّحة لهم الأبواب)
وأهلها يتنقلون فيها من مكان إلى آخر في يسر وسرور وهم في طريقهم إليها يرونها من بعيد فيسعدون ويسرّون بالجزاء والنعيم الذي ينتظرهم وكأن الله تعالى يريد أن يعجّل لهم شعورهم بالرضا والسعادة بجزائهم وبالنعيم المقيم الذي ينتظرهم.

14,13,12(السَنَة) و(العام) و(الحَول)
تعال معي أخي الكريم نقرأ هذه الآيات أولا : ـ
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)
وقال سبحانه : ـ
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) .

عند التمعن في الآيات السابقة نجد أنه عندما تذكر السنة أو السنين فذلك يعني الشدة والتعب والدأب والظلم وطول المدة , وعلى العكس عندما يذكر العام فذلك يعني السهولة واليسر والرخاء وقصر المدة.
ففي الآية الأولى والخاصة بمدة الرسالة التي قضاها نوح عليه السلام في قومه بما فيها من شدة ونصب وتكذيب واستهزاء ، ثم ما كان من يسر ورخاء لنوح عليه السلام بعد الطوفان الذي أغرق الكافرين وبعد أن عاش مع المؤمنين , فقد ذكر القرآن الكريم أن نوحاً عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
أي أنه لبث في الشدة 950سنة وفي الرخاء بعد هلاك الكافرين بالطوفان خمسين عاماً.
وفي الآية الثانية من سورة يوسف فقد جاءت (سبع سنين) مع العمل الدءوب والجهد والتعب ثم جاءت (سبع شداد) وهي صفة للسنين مع الضنك و القحط , أما لفظ (العام) فقد جاء مع الغيث والمطر واليسر والرخاء .(عامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.)
أما السنة فإذا رجعنا إلى آيات القرآن الكريم التي وردت فيها كلمة السنة والسنين لوجدنا صفة الشدة والطول هي الغالبة على المعنى , ومن الأمثلة على ذلك قول الله تعالى في أكثر من موضع : ـ
(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ).
( فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) .
( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ) .
( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)
( فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى).
وهذه الآية فيها لفتة عظيمة حيث تدل على الأجل الذي قضاه موسى عليه السلام في مدين وأن هذا الأجل هو عشر حجج حينما خيّره والد الفتاة (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ) .
فقد جاءت الآية بأن موسى عليه السلام قد لبث سنين في أهل مدين ومعنى السنين هو طول المدة فإن ذلك يعني أن موسى عليه السلام قد قضى أطول الأجلين أي عشرة سنوات .
أما العام فتعني اليسر والرخاء وقلة المدة أو قصرها حسب الحالة النفسية للشخص أو الأشخاص , ومن الأمثلة على ذلك قول الله تعالى :
( أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) .
وتعني: قصر المدة التي تتم خلالها الفتنة.
( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ )
وهي تعني اليسر والرجاء.
( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ )
وهي تعني الحب والفرح بالوليد خلال فترة الرضاعة.
(أما الحول) فالحول يعني المدة الزمنية التي تساوي سنه والتي يتم فيها فعل الشيء بلا انقطاع فمعناه يختلف عن معنى السنة ويختلف كذلك عن معنى العام لأن السنة والعام هي فترات زمنية يأتي خلال أي جزء منها الحدث أو الفعل وليس شرطاً أن يكون الحدث أو الفعل مستمراً خلالها، أما الحول فيكون الحدث أو الفعل فيه مستمراً بدون انقطاع , واليكم الآيتين اللتين وردت فيهما كلمة الحول:
( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) . وهي تعني أن يكون المتاع طوال العام مستمراً بدون انقطاع.
وللعلم فقد نسخت هذه الآية حكما وبقيت رسما بالآية التالية : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) والمقصود بنسخها حكما أي أنه لا يعمل بها ولكنها بقيت مكتوبة في المصحف , وهذا ليس موضوعنا ولكن وجب علي التوضيح.
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) .
وهي تعني أن الرضاعة مستمرة بلا انقطاع طوال العامين .

وأكتفي بهذا القدر , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. سعيد خميس سعيد يوسف مصطفى الشوربجي

اظهر المزيد