متفرقات

تجارة المصطلحات في السوق العربية- إياد خالد الشوربجي

 

يبدو أن السوق العربي يستوعب كل ما يُعرض عليه من بضاعة بحيث لا يرد أحداً على أعقابه إذا ما حاول ترويج ما لديه، هذا هو لسان حال العديد من الأمور في واقعنا العربي سيما في حقل السياسة والإعلام وما ينتشر فيه من مصطلحات لا حصر لها اختلط فيها الصالح بالطالح، لذلك لا بد لنا من وقفة مع هذه المصطلحات للتعرف على أبعادها الفكرية والسياسية وتحديد الموقف منها من حيث الرفض أو القبول، وتوظيف ما نقبله منها توظيفاً سليماً، حيث أن هذه المصطلحات في جلها هي مصطلحات دخيلة على ثقافتنا، وبعضها صيغ خصيصاً لهذه المنطقة لتوظيفها ضمن أدوات الصراع الدائر.

فلكل مصطلح مدلوله الفكري والسياسي المحدد، منها ما تم ابتداعه خصيصا لترويج وتسويق مخططات من ابتدعه فهو يعبر بالضرورة عن رؤيته وعن مصالحة بصرف النظر عما إذا توافقت مع مصالحنا نحن شعوب المنطقة أم تعارضت معها.

وللأسف فأن الكثير من الناس حتى في أوساط السياسيين والإعلاميين أصبحوا يتعاطون مع هذه المصطلحات وكأنها جزء أصيل من لغتنا وثقافتنا، وأن إعلامنا إلا ما ندر لا يكلف نفسه سوى عناء الترجمة من النص الغربي للخبر الذي بالضرورة يتضمن العديد من هذه المصطلحات، ولو عرفنا أن نسبة ما ينتجه الغرب يبلغ 85% من حجم المادة الإعلامية العالمية طبقاً لإحصاءات منظمة اليونسكو، فإن ذلك يدعونا للتنبه والحذر الشديدين في التعامل مع هذه المصطلحات التي تدخل في جلها ضمن أدوات الغزو الثقافي والفكري من قبل أعداء الأمة، والذي قد يتساوق معها الكثير منا بقصد أو بغير قصد.

وفي الواقع فإن ما يزيد المسألة سوءا هو افتقارنا للبديل النابع من ثقافتنا والمعبر عن واقعنا وقضايانا، فالإنتاج الثقافي المحلي من هذه المصطلحات يكاد يكون معدوماً ونسبة مساهمتنا في قاموس المصطلحات العالمي في حقل الإعلام كما هو الحال في مختلف المجالات يكاد يكون صفراً، فإلى متى يبقى الإعلام العربي سوقاً يتلقى كل ما يُلقى إليه من بضاعة غثها وسمينها؟

بالطبع ليس المقصود من هذا الكلام هو الرفض المطلق أو التشنج أمام كل ما هو منتج من خارج ثقافتنا فلا شك أن الأمم تتأثر ببعضها البعض ولا يمكن منع ذلك على الإطلاق لا سيما في ظل الانفتاح الكوني الكبير الذي نحياه في هذه الأيام، فليس كل ما نتأثر به هو سلبي بالضرورة، لكن ينبغي التمحيص في ما نستورده أو ما يُصدَّر إلينا من مصطلحات بحيث لا يؤدي الأمر إلى فوضى ثقافية وتميُّع وفقدان للهوية الوطنية والحضارية، فما يمكن تسميته بصراع المصطلحات هو جزء لا يتجزأ من الصراع الكبير والشامل التي تخوضه الأمة مع أعدائها على كافة الصُعُد والمستويات بدءاً بالفكر وانتهاءً بساحات الوغى.     

فعلى سبيل المثال فإن مصطلح "الشرق الأوسط" وهو من أكثر المصطلحات انتشاراً واستخداماً في السياسة والإعلام هو مصطلح ليس بريئاً على الإطلاق فهو وان كان يعبر عن رقعة جغرافية محددة من العالم بشكل يبدو محايداً إلا أنه يهدف في واقع الأمر إلى الترويض لقبول الكيان الصهيوني على قدم المساواة مع بلدان المنطقة، إذن فالحياد الذي يعبر عنه هذا المصطلح هو في الحقيقة مقصود وليس عبثي، لذلك لا ينبغي الوقوف عند سطحية النص بل لا بد من الولوج إلى أعماقه لمعرفة مدلولاته الحقيقية وخلفياته وما يرمي إليه.

 ومن المصطلحات الخادمة والمساندة لمصطلح الشرق الأوسط هو مصطلح "التطبيع" الذي يُكمِّل نفس الهدف المذكور آنفا،ً حتى باتت مجموعة هذه المصطلحات مع أخرى مشابهة تعبر عن مشروع واضح ومتكامل يجري تنفيذه لإحكام السيطرة على هذه المنطقة، وما يعرف بمشروع "الشرق الأوسط الجديد" منا ببعيد. ومما يدل على خطورة استخدام مثل هذا المصطلح هو أنه أضحى إلى حد بعيد بديلاً عن مصطلحات أخرى بدأت تختفي من القاموس السياسي والإعلامي العربي مثل "الوطن العربي" و"الأمة العربية" و"الأمة الإسلامية".

علاوة على ذلك فإننا نشهد تراجعاً في استخدام العديد من المصطلحات لصالح أخرى مستوردة ومصاغة خصيصاً للتعبير عن حالة سياسية معينة وربما تعكس درجة وحدَّة الصراع بشكل أو بآخر مثل مصطلح "القضية الفلسطينية" الذي أصبح يستخدم بدلاً منه مصطلح "الصراع العربي الإسرائيلي" ثم تراجع أيضاً إلى "النزاع العربي الإسرائيلي" ثم تراجع مرة أخرى إلى "النزاع الفلسطيني الإسرائيلي" ليس هذا فحسب بل أن المقاومة أصبحت إرهاباً والاستشهاد أصبح انتحاراً حتى أن الإسلام نفسه صار رديفاً للإرهاب في الإعلام الغربي ومن دار في فلكه.

كما يطلق مصطلح "المطالب الفلسطينية بدلاً من "الحقوق الفلسطينية" وشتان بين اللفظين من حيث الدلالة، فالمطالب يُحتَمل أن تكون بحق ويُحتَمل أن تكون ادعاءاً، بنفس المنطق يجري استبدال مصطلح "حق العودة للاجئين الفلسطينيين" بمصطلح "حل عادل لمشكلة اللاجئين" ويمكن بالطبع حذف كلمة "عادل" أو استبدالها بعد فترة وهكذا دواليك.

وعند التعامل مع المصطلح في اعتقادي ينبغي أن نراعي مجموعة من الاعتبارات هي:

1.     ضرورة فهم ومعرفة الدلالات السياسية والفكرية الظاهرة والباطنة للمصطلح بشكل دقيق.

2.     رفض المصطلحات التي تتعارض مع قيمنا وثقافتنا أو تحمل دلالات فكرية سياسية تخدم فقط مشاريع ومخططات أعداء الأمة.

3.     ضرورة إيجاد البديل النابع من فكرنا وثقافتنا ويعبر عن قضايانا في خضم الصراع الدائر.

4.     لا مانع من استخدام بعض المصطلحات الشائعة - مثل الأمور التي عمت بها البلوى في عرف الفقهاء - والتي نفعها أكبر من إثمها، وتوظيفها بشكل أمثل إذا ما تم توضيح مقاصدها.

وحيث أن الإعلام يعتبر من أشد وسائل التأثير في الرأي العام وتشكيل الوعي لديه – في ظل سيطرة غربية كبيرة على الفضاء الإعلامي -  فإنه يتحتم علينا الاجتهاد في إيجاد البديل من المصطلحات التي تخدم قضايانا بشكل سليم، كي لا نخسر المعركة الإعلامية التي كانت محسومة لعقود من الزمن وربما حتى هذه اللحظة لصالح الأعداء، وهذا ما تحاوله بعض أجهزة الإعلام "الوطنية" عندما تصر على استخدام مصطلحات مثل "المغتصبات" بدلاً من "المستوطنات" و"دولة الاحتلال" أو "الكيان الصهيوني" بدلاً من "إسرائيل" وهكذا. 

والله تعالى أعلم

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ إياد خالد صالح مصطفى صالح الشوربجي

يمكنك تلقي أحدث الأخبار أول بأول بانضمامك لإحدى مجموعات الواتساب الخاصة بالعائلة من خلال الضغط هنـا

اظهر المزيد