مقالات

رحمانيّات ربانية للآمة المحمدية (21) وأشرقت الأرض بنور ربها- بقلم : المنتصر بالله حلمي

 بسم الله الرحمن الرحيم

( رحمانيّات ربانية للآمة المحمدية )
(21)
وأشرقت الأرض بنور ربها
 

 

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام والتسليم على خير الأنام سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ونحمده تعالى أنه أخذ على نفسه وعداً بأخذه للظالمين ، فيمهلهم ولا يهملهم ، ثمَّ يأخذهم أخذ عزيز مقتدر فيشفى صدور المؤمنين ويفرِحهُم ويفرّج كربهم ، وتلك من نِعَم الله تعالى عليهم .

ما أجمل شمس الحرية الدافئة عندما تشرق الأرض بنور الله تعالى فتدحر عتاة الظالمين الذين نهبوا وجوّعوا وحاصروا وفرّطوا وتبجحّوا وقتلوا وصدّوا الأبواب المشرّعة وغلّقوها ، ونهبوا قوت الناس وأسكنوه جيوبهم وجيوب أولادهم وأزواجهم وزبانيتهم ، فقاتلهم الله بعد أن أمهلهم ولم يهملهم ، وشفى صدور قومٍ مؤمنين ، وتلك بشارة من الله تعالى بأن الفرج ونصر الله تعالى قريب بدحر الظالمين الذين يسلبون الأرض والإنسان ، فتُفَتَّح الأبواب المغلقة لُيعزَّ الله تعالى ثلّة من المؤمنين وقفوا وقفة عزٍّ وشرف ، ونراه قريباَ بإذن الله تعالى .

من أجل هذا علينا التمسك والتوجّه دائماً إلى العليِّ القدير بالعمل ، ومن ثمَّ التوّجه بالدعاء إلى العزيز القدير ، والدعاء له أسرار عظيمة تُفتَح به بإذن الله تعالى الأبواب المغلَّقة . والظلم والشحِّ هو سلب حقوق الآخرين بغير حق ، وعدم القدرة على أداء فضلاً لأحدٍ ، وكل النواقص والرذائل من الظلم والشحِّ . والله تعالى يهلك الظالم والشحيح ، وفي هذا يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:‘‘ إياكم والشح فإن الشحَّ أهلك من كان قبلكم ’’ ، والويل لمن لا يتّعظ بغيره . جاء في الحديث الشريف عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‘‘ إنَّ الله تعالى يُملي للظالم فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ ( أي لا ينجو الظالم من أخذ الله سبحانه وتعالى ) ثم قرأ:‘‘ وكذلك أخذُ رَبِّكَ إذَآ أخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ ’’(سورة هود آية 102) . والله تعالى لا يغفل عن الظالمين في الدنيا ، وفي الآخرة لا أعذار لهم ولا ندم ، فقال جلَّ شأنه في سورة إبراهيم آية (42) : ‘‘ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَل الظَالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصَارُ(42) مُهطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرَفَهُمْ وَأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ(43)’’. والله تعالى يستدرج الظالم ويختبره فيعطيه من كل شيء بالرغم من معاصيه وظلمه ، وفي هذا يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:‘‘ إذا رأيتَ اللهَ يُعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يُحب فإنما هو استدراج ’’ ، ثم قرأ الآية الكريمة : ‘‘ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أخَذْنَاهُم بَغْتَةً فإذَا هُم مُبْلِسُونَ(44)(سورة الأنعام) ، ومبلسون:أي يائسون وقانطون من كل خيرٍ ورحمة .

والله تعالى يحمد نفسه على أخذه الظالمين فقال تعالى في سورة الأنعام : ‘‘ فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالحَمْدُ لِلّهِ رّبِّ العَالَمِينَ (45)’’ . ويوم القيامة بعد أن ينتهي الله تعالى من حساب الخلائق ويتقرر مصير كل مخلوقٍ إمّا جنات النعيم أو العذاب في جهنم - والعياذ بالله تعالى - يحمد الله تعالى نفسه جلَّ شأنه فقال في سورة الزمر:‘‘ وَتَرى المَلائِكَةَ حَآفِّـينَ مِن حَوْلِ العَرشِ يُسَـبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِم وَقُضِيَ بيْنَهُم بِالحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ ربِّ العَالَمِينَ (75) ’’.

والمؤمن حق الإيمان يتَّقي الله تعالى فلا يظلم أحداً ، فيبتعد عن الظلم راجياً الأمن والأمان من الله تعالى ، وخوفاً من ظُلُمات يوم القيامة ، فابتداءً لا يظلم المؤمن نفسه بابتعاده عن الهدى وإتّباعه طريق هوى النفس ولا يظلم أهله ورعيته وجيرانه وإخوته من المؤمنين ، لأنه ليس شحيحاً أي ظالماً باستلابه حقوق الآخرين ، مهتدياً بقوله تعالى في سورة الأنعام آية(82) : ‘‘ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ’’ . وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:‘‘ الظلمُ ظُلمات يوم القيامةِ ’’ . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ‘‘ من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقَّهُ خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرَضِين ’’ . وعدل الله تعالى يشرق دائماً حتى ولو تأخر لحكمةٍ بالغة من الله تعالى ، والله تعالى وصف عَدْلَهُ بالنور(سورة الزمر آية 69):‘‘ وَأشْرَقَت الأرْضُ بِنُورِ رَبّهَا.. ’’ .

وعن عِيَاضِ بن حِمارٍ رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:‘‘ أهل الجنة ثلاثةٌ:‘‘ ذو سلطان مقسط موَفَّق ، ورجل رحيمٌ رقيق القلب لكل ذي قُربى ومسلم ، وعفيفٌ متعفِّف ذو عيال ’’ . وروى الأصبهاني في الترغيب والترهيب ، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:[ يا رسول الله أي الناس أحبُّ إلى الله فقال:‘‘ أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تُدْخِلْهُ على مسلم تكشف عنه كُرْبَةً أو تقضي عنه دَيْنَاً ، أو تطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهراً ، ومن كظم غيظة ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاً ، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يقضيها له ثبّت الله قدميه يوم تزول الأقدام ’’ ، وذاك لا يفعله الظالمون والمتجبرون في الأرض ، بل يفعلون عكسه حتى يأتيهم أمر الله تعالى فيقصمهم ، وهذا ما نراه دائماً ولو بعد حين . يقول الله تعالى في سورة الكهف (49):‘‘ وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إلاّ أحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرَاً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًَ ’’ . وكما يقول حبر الأمة سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية الكريمة : ( أن الكبيرة هي الضحكة ، والصغيرة هي الابتسامة ) ، من أجل هذا فالمؤمن حذر في سلوكه مهما كان صغيراً أو كبيراً ، حتى في ضحكتة وابتسامته . ‘‘ يا أيُّهَا الِّذيِنَ ءَامَنُوا اصْبِروا وَصَابِروُاْ وَرَابِطُـواْ وَاتَّقواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُونَ (200)’’ ( سورة آل عمران ) .

نسأل الله تعالى السلامة وأن يثبّت العدل والخوف منه في قلوبنا ، وأسأله بقدرته وحفظه أن يتولانا برحمته وكرمه وجودِهِ وعزّته ومغفرته وهو أرحم الراحمين ، وأن يجمعنا بأحبتنا وأهلينا دائماً على الخير وعلى أرض الخير ، وأسأله أن يغفر لوالديَّ وموتى وشهداء المسلمين في الوطن والغربة ، وأن يمنَّ عليهم بكرمه وعطفه وجودِه ، ومغفرته وتوبته وهو أرحم الراحمين فيجعلهم في أعلى الجنان في عليين وأن يرحم ويغفر ويجعل في عليين من كان سبباً في هذه الرحمانيّات الربانية ، اللهمَّ آمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد