مقالات

مدن وقرى فلسطينية دمرها الاحتلال- الجزء الرابع- بقلم محمد سالم علي حمدان الأغا


أولاً : الناصرة
بلد المسيح عليه السلام



كتب : محمد سالم الأغا *

الوطن غالي لأنه الأرض التي أول ما رأت عيناك سهولها، وبطاحها، و تغلغلغت في رئتيك أنسامها ، ولعبت بين أحجارها، وأزقتها، وحاراتها، مع أقرانك، وهي التي تشدك إليها حبال الحنين، مهما بعدت عنها، وأسالوا أهلنا في المنافي وديار الغربة... سيجيبون بلسان واحد كما قال الشاعر :
كم مـنـزل فـي الأرض يـألـفــه الفـتي     وحـنـيـنـه أبـــداً لأول مـــنـــزل
 
وحديثنا اليوم عن مدينة الناصرة، وهي من المدن القديمة في فلسطين، وفيها ولدت مريم العذراء عليها وعلي من ولدته السلام،وبُشرت به، وفيها نشأ المسيح عليه السلام، وبها نما و ترعرع، ومن هنا بانت أهميتها تاريخياً، وأصبح أسمها يتردد علي كل لسان، وأخذت تنمو وتزدهر، وقد تحدثت الوثائق التاريخية أن أول كنيسة شيدت في الناصرة، كانت كنيسة البشارة.

ويروي التاريخ الإسلامي للمدينة، أن القائد الإسلامي شرحبيل بن حسنة دخلها فاتحاً سنة 634م ، ولمع أسمها وشهدت نزاعات كثيرة أيام الحملة الصليبية علي فلسطين بين الفرنجة والمسلمين، وبعد أن استولي الفرنجة علي القدس، دفعوا بجيوشهم الي الناصرة ، واستولوا عليها، ووضعوا حامية لهم بها، ثم أعادها المسلمون عسكرياً بعد معركة حطين، و بقيت هذه المدينة يتجاذبها المسلمون تارة والفرنجة أخري حتي أستولي عليها المسلمون علي يد خليل بن قلاوون سنة1291م،690هـ ، الي أن دخلت مدينة الناصرة بحوزة الدولة العثمانية سنة 1517م ،923 هـ ، وقد أستقر بها العرب المسلمون، وفي النصف الأول من القرن السابع عشر نزلها بعض العرب المسيحيين من موارنة لبنان للسكني فيها، أما اليهود فلم يجرؤوا علي دخولها حتي أوائل القرن التاسع عشر .

وبعد إشتعال الحرب العالمية الثانية سنة 1918م أنشئت القوات التركية وحليفتها ألمانيا مركز قيادة في مدينة الناصرة، وبعد هزيمة الأتراك وألمانيا ودخول الانجليز المدينة، دخلت الناصرة ، مع قريناتها المدن الفلسطينية مرحلة الانتداب البريطاني علي فلسطين، الذي مهد لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين ، وسقطت الناصرة بيد اليهود في 16 تموز 1948.

أهتم أهالي الناصرة بزراعة الأشجار المثمرة، والخضروات، و اشتغلوا بأعمال التجارة والصناعات الخفيفة مثل الحدادة، والدباغة والصباغة والخياطة ، وأعمال البناء والصناعات السياحية التذكارية من سجاد ونحاس وخشب محفور وصدف، و لديهم معاصر للزيتون والسمسم لاستخراج زيت الزيتون والسيرج والحلاوة الطحينية، ومن الجدير ذكره أن أهلنا العرب الذين صمدوا في مدنهم وقراهم وخاصة في مدينة الناصرة واجهوا سياسة إسرائيلية حاقدة وعنصرية، أحبرتهم علي عدم بروز اقتصاد عربي قوي، كما ضيقت الحكومات العنصرية الإسرائيلية المتعاقبة علي كافة المهن والمجالات الاقتصادية الأخرى، وترفض حتي الآن اعتبار الوسط العربي كمناطق تطوير ، ما ساهم في تأخير عجلة الاقتصاد لأهلنا عرب 1948، مقابل سكان المستوطنة اليهودية التي تُدعي " الناصرة العليا "، التي أقامتها دولة الاحتلال علي أراضي الناصرة والفري العربية المجاورة .

وهكذا نجد مدينة عربية كبيرة في فلسطيننا المحتلة كمدينة الناصرة، تخلو من المصانع، والمشاريع الاقتصادية الكبيرة، ما أضطر بعض أهالينا الي التوجه للعمل في المصانع والورش اليهودية، لتأمين لقمة عيش كريمة في وطنهم المحتل .
وقبل أن أختم مقالي هذا، يجب أن أشير الي ما كان يتمتع به أهل الناصرة، ووجهائها الكرام من إحترام وتقدير لعروبتهم ، و لدينهم الأسلامي الحنيف، فشيدوا المساجد، ودعوا المشايخ العظام لتفقيههم وتعليمهم علوم دينهم الأسلامي، وشعائره، وكان فضيلة الشيخ فهمي حافظ الأغا، رحمه الله ،أحد هؤلاء المشايخ الذين كانوا يلبون نداء الواجب في نشر سماحة الدين الأسلامي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن الجدير ذكره في هذا المقام، أن أهلنا هؤلاء كانوا يجمعون صدقاتهم ، وزكاة أموالهم ، ويحملونها أمانة لفضيلته ليوزعها علي فقراء خان يونس وقطاع غزة لسنوات عديدة، وكان رحمه الله يقوم بهذه الأمانة خير قيام .



ثانيا : قريتي إقرث، وكفر برعم


قريتي أقرث وكفر برعم ، قريتان فلسطينيتان نُظمت بحقهما أكبر خدعة ومكر يهوديتان ، فقد شاء القدر أن يصمد أهالي القريتين في قريتهم، التي تقع بالقرب من الحدود الفلسطينية اللبنانية، والفلسطينية السورية، وبعد بسط الاحتلال الإسرائيلي سيطرته علي الأراضي الفلسطينية 1948، أستغل ما يسمي بوزير الدفاع الإسرائيلي صلاحياته، وأعلن أن هذه المناطق هي مناطق عسكرية أمنية، ولما كانت هذه المنطقة المحاذية للحدود تحتوي علي العديد من القري العربية ومأهولة بسكانها الذين لم يهاجروا منها، فقد خدع اليهود وقادتهم العسكريين أهلنا العرب بأن هناك حرباً بين العرب واليهود ستنشأ ، وأن علي سكان أقرت أن يغادروا قريتهم القريبة من الحدود بصورة مؤقتة، و قد أذعن أهلنا للأوامر العسكرية التي صدرت لهم، وتوجهوا الي قرية الرامة التي تقع في وسط الجليل ما بين مدينة عكا وصفد، وهناك أقُيم مخيماً ليؤوي مهجري أقرث، وبعضهم تدبر أمره وسكن في بيوت الرامة، ولكن عيونهم بقيت شاخصة علي بيوتهم في قريتهم أقرث، فطلبوا السماح لهم بالعودة إلا أن المخادعين الإسرائيليون رفضوا طلباتهم، إلا أن أهلنا استمروا في طلباتهم العديدة والمتكررة، وقد لاقت طلباتهم علي مر السنين التأييد الكامل من كل المحافل والهيئات الإنسانية، والحقوقية، لعودتهم إلي قريتهم ، إلا أن الصلف والخداع الإسرائيلي بقي مصراً علي جريمته بحق أهلنا، فقاموا برفع مظلمتهم إلي المحكمة الإسرائيلية العليا أملاً في أن تُنصفهم وتعيدهم إلي بيوتهم التي تركوها بطريق الكذب والخداع ، وبقي لسان حال أهلنا يردد " لمين تشكي اللي أبوه القاضي " . حسبنا الله ونعم الوكيل .

وأما قرية كفر برعم فقد تم ترحيلهم عن قريتهم بعدما نجحت خدعتهم التي خدعوها لأهالي قرية أقرث بثلاث أيام، وقد وعد الصهاينة اليهود أهالي القرية بعودتهم الي بيوتهم بعد انتهاء الحرب المزعومة، فتوجهوا الي قرية الجش القريبة من أراضي كفر برعم ، فأقاموا في خيام وأكواخ من الصفيح علي أمل العودة الي قريتهم، ، ولما لم تكن هناك حرب كما زعم الصهاينة، وطال انتظار أهلنا الي عودتم الي بيوتهم، أفصحت السلطات العسكرية الإسرائيلية عن عدم السماح لأهلنا بعودتهم الي بيوت قريتهم ، وتحت إلحاح أهلنا بطلب عودتهم لقريتهم قام الجيش الإسرائيلي بتدمير القريتين أقرث وكفر برعم براً وجواً دون أبداء الأسباب التي دعتهم الي ذلك ، وفيما بعد قام الصهاينة بتقسيم أراضي القريتين علي المستوطنين اليهود وتسخير أهالي القريتين كأجراء وعمال باليومية عندهم.

ورغم مرور الأيام والليالي علي النكبة الفلسطينية 1948، فلا يزال أهالي أقرث وكفر برعم يتطلعون الي العودة الي بيوتهم وأرضهم، وعلينا في هذا المقام أن نشير الي الهمة العالية والوطنية ، المنقطعة النظير لنيافة المطران الفلسطيني يوسف ريا لقيادته آلاف المتظاهرين الفلسطينيين واليهود في مسيرة احتجاجية، انطلقت من بوابة يافا في القدس العربية الي مبني رئاسة الحكومة بالقدس الغربية، إلا أن كل الحكومات اليهودية المتعاقبة عارضت وتعارض حتي الآن عودة أهالي القريتين أقرت وكفر برعم لبيوتهم ومنازلهم، وستبقي هاتين القريتين مع كل القري والمدن الفلسطينية شاهد حي علي مدي الاضطهاد والعنجهية والعنصرية التي يلاقيها الفلسطينيون في وطنهم، وسيبقي الجميع شهود علي تمسكنا بأرضنا و وطننا .

وعلينا جميعاً كشعب فلسطيني أن نتماسك ونمسك بزمام أمرنا وأن لا ندع الأمور تفلت من بين أيدينا، وأن ننهي الانقسام بين شطري الوطن، الذي بات يأكل من لحمنا الحي، وأن نضع البرامج التثقيفية بإعلاء شأن الوحدة الوطنية، وأن نثقف شبابنا ونعرفهم بحقهم بالعودة وتعزيز انتمائهم لوطنهم، وهويتهم الفلسطينية، كي نحافظ علي حقنا الشرعي في العودة مع كل أبناء الي ديارنا التي أُخرجنا منها.

واسمحوا لي أن أناشد باسمكم، كل أولياء أمورنا ومن ينوب عنهم ، بأن لا يتعهد احد منهم لأعدائنا الصهاينة أو من ينوب عنهم بأي تعهد إلا بعد تحرير أرضنا والعودة الحقيقية لها، و وممارسة حقنا وحق أولادنا بتقرير مصيرنا كبقية شعوب الأرض، وبعدها لكل حادث حديث .
اللهم إني قد بلغت فاشهد .

* باحث وكاتب وصحفي فلسطيني

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. محمد سالم علي حمدان الأغا

اظهر المزيد