مقالات

رحمانيّات ربانية (24) من فضائل يوم الجمعة- بقلم المنتصر بالله حلمي

بسم الله الرحمن الرحيم
رحمانيّات ربانية 24
من فضائل يوم الجمعة

 

 الحمد لله رب العالمين الذي أكرمنا وأعزّنا بنعمة الإسلام ، وهو الخبير فوق عباده ، له الحمد كما ينبغي لجلال وجه وعظيم سلطانه ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خير البشر مولانا وسيّدنا محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أكرم الله تعالى أمّة المسلمين بكرامات وَنِعَمٍ كثيرة لا حصر لها ، ومن تلك النعم العظيمة ‘‘ يوم الجمعة ’’ ، وذلك يوماً عظيماً . وتكريما ً وتعظيماً ليوم الجمعة وما فيه من خير انزل الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم سورةً سُمّيت ‘‘ سورة الجمعة ’’ ابتدأها الله سبحانه وتعالى بالتسبيح ( لله الملك القدوس العزيز الحكيم ). وقد سُميت الجمعةُ جمعهً لأنها مشتقة من الجمع ، فأهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة في صلاة الجمعة ، وكان يقال له قبل الإسلام (يوم العروبة) ، وثبت في الأثر أن الأمم قبلنا أُمروا به فضلَّلوا عنه ، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم عليه السلام ، واختار النصارى فيه يوم الأحد الذي أبتُدأ فيه الخلق ، والله سبحانه وتعالى اختار لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة ، فكان يوم الجمعة هو اختياراً ربّانياً لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، فهدى هذه الأمة إلى يوم الجمعة تكريماً لها وتكرّماً من الله سبحانه وتعالى عليهم . وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسـول الله صلّى الله عليه وسلّم:‘‘ نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تَبَعٌ ، اليهود غداً والنصارى بعد غد ’’ .
وجاء في الحديث الشريف عن محمد بن الأشعث رضي الله عنه عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أهل الكتاب:‘‘ إنهم لا يحسدوننا على شيءٍ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى القِبلَةِ التي هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين ’’ . وروى عبد الرحمن بن يزيد عن أبي لبابة بن عبد المنذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ‘‘ يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله ، وهو أعظم عند الله من يوم الفطر ومن يوم النحر ، وفيه خمس خصال : فيه خلق الله تعالى آدم ، وفيه أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض ، وفيه توفى آدم ، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله إياه ما لم يسأل حراماً ، وفيه تقوم الساعة ، وما من ملك مقرّب عند ربه ولا في سماء ولا في أرض إلا وهو يشفق من يوم الجمعة ’’ .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :‘‘ خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خُلِقَ آدم ، وفيه أُدْخِلَ الجنة ، وفيه أُخْرِج منها ’’ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:‘‘ لم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة ، وما من دابةٍ في الأرض إلاّ وهي تفزع ليوم الجمعة إلا الثقلين الجن والأنس ، وعلى كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الناس الأول فالأول كرجل قرب بدنةٍ وكرجلٍ قرَب شاةً وكرجلٍ قرّب طيراً وكرجلٍ قرّب بيضةً فإذا قعد الإمام طويت الصحف ’’ . وروى الطبراني عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسـلّم أنه قال:‘‘ تُحشَـر الأيام ، وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها يَحُفُّوْن بِها كالعروس تُهدى إلى خِدْرِها تُضيء لهم يمشون في ضوئها ’’ .
ويقول الفقيه أبي الليث السمرقندي: حدثني الثقة بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ‘‘ جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كفه كالمرآة البيضاء وفي وسطها كالنكتة السوداء ، قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال هذا يوم الجمعة يعرضها الله عليكَ لتكون لكَ عيداً ولأمتكَ من بعدك ولكم فيها خير ، من دعا فيها بخير هو له قِسْمٌ أعطاه الله إيّاه وإن لم يكن له قِسْـمٌ أُدِّخِر له ما هو أفضل منه ، وهو عندنا يوم المزيد ونحن ندعوه سيد الأيام ، قال : وَلِمَ ذلك ؟ قال : لأن ربِكَ اتخذ في الجنة وادياً أفيَّح فيه كثيب من مسكٍ أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة جاء النبيّون وجلسوا على منابر من نور مكلّلة بالجواهر ، ثمَّ حُفّ وراء تلك المنابر بكراسي من نور فجاء الصدّيقون والشهداء فجلسوا عليها ، ثم يأتي أهل جنة عدنٍ فيجلسون على ذلك الكثيب الأبيض فيقول لهم الرب تعالى : أنا الذي صدَّقتم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فسلوني ، فيقولون : ربنا نسألك رضوانك والجنة ؟ فيقول رضواني أحلكّم داري وأنيلكم كرامتي ، فيسألونه الرضا فيهديهم الرضا ويعطيهم فوق رغبتهم وأمنياتهم ، وذلك قدر منصرف أمامكم من الجمعة ، ويفتح لهم عند ذلك ما لا يخطر على قلب بشر ولم تَرَهُ عين ، ثم يرجع النبيّون والصدّيقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزيدوا فيه كرامةً ، فلذلك سمي يوم المزيد ، وفيه تقوم الساعة ’’ .
ومن فضائل يوم الجمعة أن للصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك اليوم فضل عظيم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ‘‘ من صلى عليّ ليلة الجمعـة أو يـوم الجمعـة مائـة مـره غفـر الله له خطيئة ثمانـين عامـاً ’’ . وقال ايضاً صلّى الله عليه وسلّم :‘‘ من صلّى عليّ ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مره قضى الله له مائة حاجه ووكل به ملكاً حين يدفن في قبره يبشره كما يدخل أحدكم على أخيه بالهدية ’’ ، وروى أوس بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ‘‘ إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه ، فان صلاتكم معروضةٌ عَلَيَّ ’’ .
ومن فضائل يوم الجمعة ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‘‘ من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغداة : أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غَفَرَ الله ذنوبَهُ ولو كانت مِثلَ زبد البحر’’ ، ( أي يستغفر ما بين ركعتي السنة والفرض في صلاة الفجر) . وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ‘‘ الصلوات في الجماعة والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر’’. وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:‘‘ من غسّل واغتسل يوم الجمعة ، وبكًّر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام واستمع ولم يًلْغِ ، كان له بكل خطوةٍ أجر سنة صيامها وقيامها ’’ . ويستحب الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى بعد صلاة الجمعة ، كما يستحب الإكثار من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة ساعة الإجابة . تلك بعضٌ وإطلالة قصيرة على فضائل يوم الجمعة وما أكثرها .
أمّا اليوم فأصبحت الجمعة عند البعض جمعات ، فجعلوها مرة جمعة غضب ، ومرة أخرى جمعة رحيل ، وثالثة جمعة الأطفال ورابعة جمعة حرية ... وهكذا ، ويا ليتهم جعلوها جُمُعَاتاً للتقرب والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالصلاة والذكر والتسبيح والتعبد والدعاء كما أمر الله سبحانه تعالى ، وتلك هي حقائق يوم الجمعة ، وهي عيد في الأرض وفي السماء ، والله تعالى الصمد لا يرد أيدٍ مُدَّت إليه بدون أن يملأها وهو الكريم .
ولو نظرنا في تاريخ دعوة سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وهو قدوتنا – مع الفارق في كل الظروف - وبالرغم مما واجه من جبروت قريش والكفار وظلمهم وعدوانهم ، فلم نره يسمي يوم الجمعة إلاّ باسمها ، فأعطاها حقّها من الدعوة والصلاة وذِكْر الله سبحانه وتعالى وابتغاء فضله (( لعلّكم تفلحون )) ، ولعلَّ هنا للتحقيق وليس للتمني ، أمّا بعد الصلاة فالانتشار ابتغاء فضل الله تعالى وليس التجمع ، ولم يجعلها جمعات غضب ورحيل وتجمّع وصخب ، وتلك خدعة قد تكون أتتنا من الغرب البعيد من لدى أبو عمامة وزبانيته عندنا ليبعدونا عن فضائل يوم الجمعة ، والهدف البعيد إبعاد المسلمين عن حقيقة إيمانهم وايّامهم المباركة ، فأوحوا إلينا بطرق كثيرة مباشرة وغير مباشرة بتسميات تلك الجُمَع لتحقيق أهدافهم البعيدة ، وهذا قول الله تعالى في سورة الجمعة: ‘‘ يَا أيُّها الَّذِينَ آمًنوا إذَا نُودِيَّ للصَّلاة مِن يَومِ الجُمُعَةُ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ الله وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إن كُنْتُمْ تَعْلَمُون (9) فَإذَا قُضِيَّت الصَّلاةُ فانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابتَغُواْ مِن فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرَاً لَعَلَّكُمْ تُفلِحُونَ (10)’’ .
أسأل الله تعالى أن يوفق كل مخلص ، وأن يتولانا برحمته وأن يمنَّ علينا بكرمه وجودِهِ وعزّته ومغفرته وحفظه وكرمه وعطفه وهو أرحم الراحمين ، وأن يثبّت العدل والخوف منه في قلوبنا ، وأن يجمعنا بأحبتنا وأهلينا دائماً على الخير وعلى أرض الخير ، وأسأله أن يغفر لوالديَّ وموتى وشهداء المسلمين في الوطن والغربة ومن كان سبباً في هذه الرحمانيّات الربّانية فيجعلهم جميعاُ في أعلى الجنان في عليين ، اللهمَّ آمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد