مقالات

رحمانيّات ربانية- 32- أمن الله وعافيته- أ. المنتصر بالله حلمي الأغا


(  رحمانيّات ربانية )
(32 )
أمن الله وعافيته


 
الحمد لله وأفضل الصلاة والسلام على سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، ونسأله تعالى أن يتم علينا نعمة الهدى والتوبة والمعرفة والأمن والأمان ، أنه هو السميع العليم المجيب .
 
عندما أتي سيَدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مكان بناء الكعبة دعى الله تعالى دعاءه كما ورد في سورة البقرة آية (126):‘‘ وَإذ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبََِ إجْعَلْ هَـذَا بَلَـدَاً آمِـنَاً وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَاليَومِ الأخِرِ ، قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أضْطَرَُهُ إلَى عَذَابِ النَّار وَبِئْسَ المَصِيرُ ’’ ، وكان هذا الدعاء قبل بناء الكعبة المشرّفة ، أمّا بعد أن بَنَى الكعبة المشرفة هو وولده اسماعيل عليهما السلام فكان دعاؤه كما ورد في الآية الكريمة (35) من سورة إبراهيم :‘‘ وَإذ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبَِ اجْعَلْ هَذَا البَلَدُ آمِنَا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ ’’ ، فورد الدعاء للبلد قبل البناء بلفظ ‘‘ بَلَدَاً ’’ بدون ( أل التعريف ) , وبعد البناء ورد الدعاء بلفظ ‘‘ البلد ’’ ، هكذا قال المفسرون في سرَّ التفريق بين الآيتين .
 
والأمن والأمان والعافية من أهم وأفضل النعم التي أنعم الله تعالى بها على عبادة المؤمنين ، من أجل هذا نجد أن المؤمن يبحث دائماً عن تلك النعم لا عن غيرها ، لذلك علّمنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأن نسأل الله تعالى دائماً نعمة العفو والعافية والأمن والأمان ، فنجد في الحديث الشريف عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يدعو:‘‘ اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي ، وأهلي ومالي ، اللهم استر عوراتي ، وآمن روعاتي واحفظني من بين يديَّ ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي ، ومن فوقي ، وأعوذ بك اللهم أن أُغتال من تحتي ’’ ، وهذا الدعاء حفظاً لمن يدعو الله تعالى به ليحفظه من الشيطان وذريته . وروى أنس بن مالك رضي الله عنة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ‘‘ الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة ’’ ، قالوا : فماذا  نقول يا رسول الله ؟ قال: ‘‘ سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ’’ . وقد علّمنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأدعية الكثيرة لا حصر في طلب العافية والأمن وألأمان من الله تعالى . ومن أجل هذا فإن ( أهل العافية ليتمنون في الموقف لو أن أجسامهم قُرضِت بالمقاريض في الدنيا لما يرون من حسن ثواب الله عزَّ وجلَّ ) .
 
وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:‘‘ إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية ’’ . وعنه أنه قال : ‘‘ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة يُقال له : ألَم أصحَّ بدنك وأروِك بالماء البارد ’’ . ويقول سيدنا عليّ رضي الله عنه أيضاً :( ما المُبتلى الذي اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعفى الذي لا يأمن البلاء ) . وقال سيّدنا على عند موته يعظ ولده : ‘‘ يا بَنِيَّ العافية عشرة أجزاء ، تسعة منها في الصمت إلاّ عن ذكر الله تعالى ، وواحد في ترك مجالسة السفهاء ...’’ . وقال رضي الله عنه أيضاً في قوله تعالى :‘‘ ثمَّ لَتُسأَلُنَّ يَومَئِذٍ عن النعيم ’’ ، هو الأمن والصحة والعافية .

وفي صحيح مسلّم عن طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله عنه قال: ( كان الرجل إذا أسلّم علَّمه النبي صلّى الله عليه وسلّم الصلاةَ ، ثم أمره أن يدعو بهذه الكلمات : ‘‘ اللهمّ اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني ’’ . وروى الترمذي عن عبد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :‘‘ من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في جسده عنده قوت يومه ، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها ’’ ، وسربه : أي نفسه وأهله أو قومه .

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: يًسأل العباد عن الأبدان والأسماع والأبصار فيم استعملوها ، وهو أعلم بذلك ، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها :( لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلاّ العفو والعافية ) . ويقول بعض الحكماء :( البحر لا جوار له ، والمَلِك لا صديق له ، والعافية لا ثمن لها ) .

 والله تعالى لا يغفل عن الظالمين الذين يسلبون عافية غيرهم فيمهلهم ولكنه لا يهملهم، وإذا لم يعودوا عن ظلمهم وسلب عافية الآخرين ، ففي الدنيا يأخذهم أخذ عزيز مقتدر وفي الآخرة لهم الذلِّ والخزي مصداقاً لقول الله تعالى في سورة إبراهيم : ‘‘ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَل الظَالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصَارُ(42) مُهطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرَفَهُمْ وَأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)’’ ، من أجل هذا ، المؤمن لا يظلم تيمناً بقول الله تعالى في سورة الأنعام آية(82):‘‘ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ’’ .
 
يقول الله جلَّ شأنه في سورة الحجرات آية(10):‘‘ إنّمَا المُؤْمِنُونَ أخْوَةُ ’’ ، فالمؤمن أخو المؤمن وهو لطيف ورقيق ورفيق مع أخوته المؤمنين ولكنه شديد البأس على الكافرين ، ولكننا في يومنا هذا قد نرى عكس ذلك . يقول الله تعالى في سورة الفتح آية(29):‘‘ مُحمدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ’’ ، نسأله تعالى أن نكون أشداء على الكفار والمنافقين الذين لبسوا أقنعة تخفي حقيقتهم ، وظاهرهم غير باطنهم ، ونسأله تعالى أن نكون رحماء فيما بيننا حتى ينصرنا الله تعالى على أعدائنا الحقيقيين الذين يتربصون بنا .
 
هذا غيض من فيض في فضل نعمة العافية والأمن والأمان ، ولمّا كان أعداء الأمة القريبون والبعيدون يدركون ذلك فإنهم يكيدون دائماً لنا لتقويض تلك النعم ، فينقضّون من كل ناحية على جسد هذه الأمة التي أصبحت الآن مغلوبة على أمرها ينهش ويقطّع في جسدها الأعداء ويعاونهم بعض المتخاذلين فيكيدون للأمة كيداً ويحاولون تنفيذ كيدهم على الأرض ، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد ويكيد لهم كيداً إن شاء الله فيخذلهم ويشفي صدور قوم مؤمنين .

‘‘ ربَّنَا لاَ تُزْغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ(8)’’ (سورة آل عمران). نسأل الله تعالى أن يتولانا بأمنه وأمانه ورحمته بجوده وكرمه وعطفه وهو ارحم الراحمين ، وأن يرحم أموات وشهداء المسلمين ووالديَّ وأن يجعلهم في الفردوس الأعلى مع عباده المخلَصين وحَسُنَ أولئك رفيقاً ، وأن يرحم ويغفر لمن كان سبباً وساعد في نشر هذه الرحمانيّات الربّانية ، اللهمَّ آمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد