مقالات

رحمانيّات ربانية- 33- جيوب الكفن- أ. المنتصربالله حلمي

بسم الله الرحمن الرحيم
رحمانيّات ربانية
33
جيــــوب الكــفن

الحمد لله وأفضل الصلاة والسلام على سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، ونسأله تعالى أن يتم علينا نعمة الهدى والتوبة الرضا بما قسم الله لنا ، أنه هو السميع العليم المجيب .

كنت لأسباب موضوعيه خارجة عن الإرادة لم أزر ديوان النخلة العتيد منذ فترة ليست بالقليلة .وأخيراً طالعت مقال أخونا الحبيب أبو خلدون عن فضيلة العفو والتسامح تعليقاً على ما كان قد كتبه أخي وصديقي الشيخ ياسين طاهر والذي كان ملخص ما كتبه:( أناشد أهلي وإخواني أن يسارعوا إلى مغفرة من ربهم وإن يتقوا الله في أبناء عوائلهم ولا يدفعونهم إلى وراثة الحقد والكراهية...) . وطالعت أيضاً ما كتبه أستاذنا ومعلمنا أبو رامي حفظه الله عن الحاج محمد حمدان أسعيد الآغا ( ملك نوران ) رحمه الله تعالى ، وسعدتُ بما كُتب من كلام ومشاعر طيّبة وجميلة ، ودلالاته الإيمانية ، وإن شاء الله مقبول عفو وكرم أبا خلدون عند الله تعالى . وأحببت التعليقات الطيبة على ندرتها كما هو الحال دائماَ ! خصوصاً ما كتبه المحامي الأستاذ سليم السقا . ولست هنا في مقام التقييم ، ولكن أحببت أن أحشر نفسي وأضيف بعضاً من الأشياء تتعلق بهذا الموضوع لأهميته في تنقية وصفاء النفوس والقَصْد الذي قد يكون من أجله كتب الكتّاب الأجلاّء ما كتبوا .

جميعنا يدرك ويعلم أن الله تعالى يقبل توبة عبادة واستغفارهم لذنوبهم ويثيبهم ويبدل سيئاتهم حسنات ، فما بال بعض العباد لا يقبلون العودة عن الأحقاد والكراهية والاعتداء المادي والمعنوي على الآخرين ، فهذا يسرق من جيب ذاك ، وذاك يسرق أو يريد أن يسرق من أرض هذا بالصلف والجبروت والعنفوان ، وكثيرون يسرقون من أعراض الناس المادية والمعنوية بحجج واهية لا يقبله عرف أو شرع ودين وإيمان أو أخلاق ، وهاجس المعتدي أن يملأ جيوبه بالمال وقلبه الممتلئ ربما حقداً أو غلاّ ونفسه ممتلئة بعُقًدٍ ربما هي قديمة تعيش معه ، وربما يريد أن يرضي ذاته بالاعتداء على غيره ليشعر أنه ( رجلاً ) وقوياً ويستطيع أن يفعل بعض الأشياء في غيرة ليثبت وجوده ، وقد لا يكون له أصلاً وجود بين الناس وممن حوله بل قد لا يذكرونه لا بالخير ولا بالشر لأنه بينهم مجرد رقم ، وهذا واقع بيننا وفينا ! . وربما ذاك المعتَدِي يصلي الخمس ويصوم رمضان ويقوم بكل الشعائر الدينية ويعتقد في ذاته أنه ينافس أمراء المؤمنين جميعاً في تقواهم ، والواقع غير هذا لأنه أضرَّ الناس في مصالحهم وأرزاقهم ، وربما ينطبق عليهم قول الله تعالى في سورة الكهف:‘‘ قُلْ هَلْ نُنَبئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنيَا وَهُمْ يَحْسَبُونِ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَاَ(104) اُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَت أعْمَالُهُمْ فَلا َ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنَا (105)’’ .

وكلنا يعرف أن الإضَرار بالناس في شرعنا في مرتبة الشرك بالله تعالى ، ومن لا يعود عن عدوانه فله في الدنيا معيشةً ضنكاً في ماله وأولاده وكل حياته ، ويوم القيامة يحشره الله تعالى أعمى من أجل حفنة دنانير او حفنة تراب ! والبعد عن شرعة الله تعالى ، وما أكثر أولئك بيننا في حياتنا اليوم .

وهنا أتساءل كيف تصفو نفس إنسان على آخر وقد أضرَّه ذلك الآخر في مصالحه أو ماله أو سمعته أو كرامته ، وذلك الآخر لم يتب عمّا فعل بل يصرُّ على فعلته ومستمر فيها ؟! ، ذاك النوع من الناس كيف يمكن العفو عنهم والتسامح معهم ، وهم لم يتوبوا ولم يعودوا عن غيّهم أو ظلمهم واعتدائهم على الآخرين ، وشرط العفو : التوبة والاستغفار . وكيف يغسل من أُعتُدِيَ عليه قلبه ليصبح نقيّاً أبيضاً ، خصوصاً إذا لم يرجع من أخطأ عن خطأه وظلَّ يمارس عدوانه ويحاول أن يسرق ويختلس حقوق غيره ويمارس الكثير من الموبقات ؟ . إن الله تعالى يسامح التائب والعائد عن ذنبه ، أمّا المُمْعِن في غيّه واعتدائه على الآخرين ولم يصحح خطأه فكلنا يعرف الجواب ، فكيف بالبشر ؟! ، وهنا أتساءل عن رأي من كتب في التسامح والمسامحة في وضع كهذا قبل التوبة ورد الحقوق !!؟؟ .

أمّا عمنا المرحوم الحاج محمد حمدان ( ملك نوران ) ، فأقول لحبيبنا وأستاذنا أبا رامي : حفظك الله تعالى أبا رامي وأمدّك بالصحة والعافية والعمر الطويل ، آمين ، هل لو كان الحاج محمد حمدان رحمه الله يعيش بيننا اليوم وحصل معه ما حصل منذ عشرات السنين ، هل من اختلس شبراً أو متراً يعيده بِحُسْنِ خُلُقِ الحاج محمد ؟ ، وأظنك يا استأذنا الكبير تدرك تماماً الجواب ، أن الإيمان عند كثير من الناس ضاع في الهواء وتبخّر ، والجشع تربع على قلوبهم الغافلة ، فلا يفكروا إلاّ في زيادة انتفاخ جيوبهم ، وزيادة مساحة أراضيهم بكل وسيلة كانت ، غدراً وخيانةً وتآمراً وتزويرا للحقائق وبدسائس القانونية وضيعة لأقرب الناس إليهم (في العِرْق والدم). والحاضر الآن واليوم وغداً بين ظهرانينا يشهد بهذا ويتكرر ويجري كل يوم بالوقائع والحقائق وكلنا يعلم هذا ، فأخبروني بحقائق عكس هذه الحقيقة إلاّ من رَحِم ربّي ؟ . لقد كنت وأنا صغيراً اسمع من الكبار ( آنذاك ومعظمهم الآن في رحمه الله ): كيف أن بعض الورثة كانوا يغيّرون في ليلٍ ساكن بلا شهود ما عدا الله سبحانه وتعالى مكان(( الباصولة !!)) المزروعة لحدود بين أرضين من عشرات السنين ليزيدوا ميراثهم قليل من الأمتار ، ومن فعلها مات ولم يأخذ معه شبراً واحداً من تلك الأرض في جيوب كفنه .

أرجوكم يا من كتبتم أقول لكم : قليل جداً من قرأ ، وأكرر قليل جداً من يقرأ ، وأقل القليل من يعلّق ، ونادرٌ من يقر بما فعل لو كان قد فعل – إلاّ من رحم ربي - . وقد تكون أعداد التعليقات على افتتاح محلاً أو مكتباً تجارياً أو لعائدٍ من سفرٍ أكثر بكثير من التعليق على ما تكتبون ، لقد أصبحت بعض المناسبات والمظاهر الاجتماعية أهم من كل القيم والأخلاق الإيمانية وصلة الأرحام ، ومن أقرَّ وعاد قد يقول عنه غيره لبعض غيره:(ذاك مجنون !!)- والعياذ بالله وقيمتكم جميعاً في نفوسنا كبيرة وعظيمة ومحترمة - .

يقول بعض العلماء :[ لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له...] . ويقول ميمون بن مهران:[خرجت مع عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى المقبرة فلمّا نظر إلى القبور بكى ثم أقبل عليَّ فقال : يا أبا أيّوب ، هذه قبور آبائي بني أميّة كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم ، أما تراهم صرعى قد حلّت بهم المثلات واستحكم فيهم البلاء وأصابت في أبدانهم مقيلاً ، ثم بكى حتى غُشِّي عليه ، ثم أفاق فقال: انطلق بنا فوالله ما أعلم أحداً أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمِنَ عذاب الله عز وجلّ ] .

إن الحديث في هذا الأمر ذو شجون عميقة وكثيرة ولا يكفيها هذا المقال أو ما كتب أبا خلدون والشيخ ياسين وأستاذنا أبو رامي ، وأطلب من أولئك الكتاب الكرام أن يعودوا إليه ولكن بطريقة أخرى تكسوها الصراحة والصدق لتترسخ في نفوس الناس المفاهيم الحقيقة التي يجب أن يدركوها . ولو أني مقتنع أنه لا فائدة طالما لم يدرك البعض المدارك الإيمانية لديننا الحنيف . ولكن لا بأس فقد يعود إلى الله من اخطأ واغتصب أو يحاول أن يغتصب .

إن معلوماتي القديمة أن الكفن الذي يلف فيه الميت ليس له جيوب ، ولن يأخذ احدُ معه شيئاً ، لا أرضاً ولا مالاً اكتسبها غصباً أو عنوة أو بالدسائس - وقد تكون الدسائس قانونية !- ، أمّا إن كانت الأكفان تحاك الآن بجيوب فليفعل كلٌ ما شاء ويغتصب ما يشاء ويحيك الدسائس ما يشاء وليفعل كل الموبقات كيفما شاء على قدر جيوب كفنه ومن أراد أكثر فليعمل على تكبير جيوب كفنه ؟ . لقد وصف الله تعالى حال العصاة يوم القيامة فقال جلَّ شأنه في سورة المعارج:‘‘ وَلاَ يُسْئَلْ حَمِيمٌ حَمِيمَاً(10)يُبْصِرُونَهُمْ يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذَابِ يَوْمَئِذٍ بِبَنِيهِ(11) وَصَاحِبَتِهِ وَأخِيهِ(12)وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤِيهِ(13)ومَن فِي الأَرْضِ جَمِيعَاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)كَلاَّ إنَّهَا لَظَى(15)نَزَّاعةً لِلشَّوَى(16)تَدْعُواْ مَنْ أدْبَرَ وَتَوَلَّى(17)وَجَمَعَ فَأَوْعَـى (18) ’’ .

وفي سورة ( ق ) شيء قريب من هذا لمن جعل الطمع والمال وأمتار الأرض ومتاع الدنيا هي ربه الذي يعبده ونسي نزلة القبر والحق ، فقال تعالى:‘‘ وَجَاءَت سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هّذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هّذَا مَا لّدّيَّ عَتِيدٌ (23) ألْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٌ (24) منّاعٍ لِلخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إلَهَاً آخَرَ فَألْقِيَاهُ فِي العَذَابِ الشَّدِيدِ (26)’’.

فليجمع من أراد غصباً بالأحقاد والدسائس والرشى والحسد والكراهية أن يجمع من المال والأمتار أو حتى الأشبار من الأرض ما شاء ، فالورثة في الانتظار ، ومن يفعل هذا أقول لهم كبّروا جيوب أكفانكم ليتسع ما تجمعون !! ، وآنذاك بدلاً من أن تُقرأ له الفاتحة تقول الناس استرحنا منه ومن شرّه ، فقد جاء في الحدث الشريف عن معد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة بن ربعيٍّ أنه كان يحدّث:[ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرَّ على جنازةٍ فقال:‘‘ مُستَريحٌ ومُستَرَاحٌ منه ، فقالوا: ما المستريح وما المُستَراح منه ؟ فقال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب ’’ .

‘‘ اعْلَمُواْ أنَّمَا الحَيَاةُ الدُنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأولاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ(20) سَابِقُواْ إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءِامَنُواْ بِاللهِ وَرُسِلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ(21)’’. ( سورة الحديد).

‘‘ ربَّنَا لاَ تُزْغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ(8)’’ (سورة آل عمران) ، اعتذر عن الإطالة ، وأسأل الله تعالى أن يتولانا برحمته وجوده وكرمه والرضا بما قسم لنا والبعد عن الإضرار بالناس وهو ارحم الراحمين ، وأن يرحم أموات وشهداء المسلمين ووالديَّ وأن يجعلهم في الفردوس الأعلى مع عباده المخلَصين وحَسُنَ أولئك رفيقاً ، وأن يرحم ويغفر لمن كان سبباً وساعد في نشر هذه الرحمانيّات الربّانية ، اللهمَّ آمين ،

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد