مقالات

الإعجاز في رسم القرآن الكريم بقلم أ. سعيد خميس الشوربجي

بسم الله الرحمن الرحيم

الإعجاز في رسم القرآن الكريم

الحمد لله الذي أنعم علينا بالقرءان, وجعله لنا نورا وسراجا, وأنعم علينا بالإيمان, وأنعم علينا بالنبي العدنان, فجعلنا من أمته, أمة القرءان.أحبتي متابعي موقع النخلة المحترمين, كما وعدتكم من قبل أن أتحدث إليكم في موضوع رسم القرءان الكريم, وبيان الاختلافات التي رُسم عليها وتوضيحها ما استطعت, فها أنا أفي لكم بوعدي ولكن بعد طول غياب, وأسرد إليكم بعضا من هذه الاختلافات في الرسم, هناك الكثير من الكلمات القرءانية جاءت في كتابتها في المصحف الشريف مخالفة للكتابة الإملائية المعتادة, حيث يتم حذف بعض الحروف من بعض الكلمات القرآنية مثل: حذف حرف الألف وياء الإضافة, وياء المتكلم, والواو وغيرها, أو زيادة بعض الحروف في بعض الكلمات القرآنية مثل حرف الألف والياء والواو أو اختلاف الهمزة أو إبدال بعض الحروف بحروف أخرى أو وصل بعض الكلمات أو فصلها, وهكذا ولقد بحثت كثيرا في تلك الاختلافات بين العديد من الكتب والمؤلفات وفي الكتب الالكترونية, لأقف ولو على شيء يسير من تلك الاختلافات, حيث أنني كنت جازما في أن لكل كلمة مدلولها, وأن أي حرف تم حذفه ما حذف إلا لسبب, وأن أي حرف أضيف ما أضيف إلا لسبب, ولقد ثبت بالدليل القاطع أن هناك إعجازا ًرائعا في كتابة الكلمات القرءانية, حيث أن حروف الكلمات القرءانية توضح وترسم الصورة الحقيقية الصادقة للمعنى المراد من تلك الكلمة, إن الكلمة القرءانية حينما تحذف بعض حروفها تتلاصق حروفها وتقترب أكثر فأكثر فإن ذلك يوحي بمعنى يختلف عن المعنى الذي يوحيه تباعد حروف الكلمة عن بعضها البعض, كذلك فان الكلمة القرءانية حينما تزيد حروفها عن الحروف المعتادة سواء نطقت هذه الحروف أو لم تنطق  فان هذا يوحى بكبر المسألة وطول التفكر والتدبر, وعندما تقل حروفها قد يوحي ذلك بصغر المسألة وسرعة الوصول للهدف المنشود. وبعد البحث والتدقيق وجدت بعضا من تلك الصور نقلت منها بعض المعلومات, وأضفت عليها مما أعلم به لتعم الفائدة ولينالنا نصيب من خير وجزاء نرجوه من الله.

 واليكم أحبتي بعض الكلمات التي وردت في القرءان الكريم والتي حذف منها حرف الألف فمثلا : كلمة (صاحب) في الآية 34 من سورة الكهف ( وكان له ثمر فقال لصحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا واعز نفرا, ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا, وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا, قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) أنظر معي أخي الحبيب إلى كلمة لصحبه ولصاحبه الأولى بدون ألف وسطية والثانية بألف حيث بدا مالك الجنتين الحوار مع صاحبه  وكانا صاحبين قريبين من بعضهما البعض لذا جاءت كلمة صاحبه هنا هكذا (صحبه)  أي بحذف الألف الوسطية لتبين صورة صاحبين متلاصقين ثم تكلم مالك الجنتين و بدأ يكفر بالساعة ويكفر بالله حينئذ تغير رسم الكلمة (صحبه) إلى (صاحبه)  بألف وسطية لتوحي بنوع من الانفصال,  وقد جاء رد صاحبه بقوله له أكفرت سببا ًمباشراً للبعد عنه وسبباً لنشوء الألف الوسطية في كلمة صاحبه لتوحي بالانفصال, ولو تدبرنا كل كلمة صاحب في القرءان الكريم كله لوجدناها تأتى بصورتين مختلفتين إحداهما بدون ألف وسطية والأخرى بألف وسطية, وفي حالات وجود الألف الوسطية نجد أن هناك نوعاً من الانفصال فمثلاً حينما يتكلم القرءان الكريم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه الكافرين يقول( ما ضل صاحبكم و ما غوى)(ما بصاحبكم من جنة)(وما صاحبكم بمجنون) فكلها تحتوى على الألف الوسطية الفاصلة لأنه لا يوجد تقارب أيماني بينهم, ثم إنه حين يذكر القرءان الكريم سيدنا أبا بكر مثلا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتى كلمة صاحبه بدون ألف لتبين الصحبة الحقيقية والالتصاق الإيماني ( إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا ) كذلك تأتى كلمة  (صاحبة)  بمعنى الزوجة بدون ألف هكذا  (صحبة)  في القرءان الكريم كله لتبين التصاق الزوج بزوجته في بيت الزوجية,ــ وليس المقصود بالالتصاق الالتصاق الجنسي وإنما الالتصاق المعنوي ـــ  وكذلك تأتى كلمة أصحاب النار, وأصحاب الجنة كلها ملتصقة هكذا بدون ألف وسطية هكذا (أصحب النار وأصحب الجنة) لتثبيت خلود ودوام والتصاق أصحاب النار بالنار وأصحاب الجنة بالجنة,  كذلك حين يتكلم القرءان الكريم عن الأبوين الكافرين و الابن المؤمن فانه يخاطب الابن ( وصاحبهما في الدنيا معروفا) حيث جاءت صاحبهما بألف وسطية لتوحي بعدم وجود التصاق إيماني, أما حين يتكلم القرءان الكريم في سورة الكهف عن سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح (الذي يقال أنه الخضر) فانه يقول له (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبني) بحذف الألف لوجود الالتصاق الإيماني بينهما كذلك فان حذف بعض الحروف من بعض الكلمات القرءانية يوحي بمعان مختلفة حسب السياق القرءانى, فمثلا كلمة (بسم) في القرءان الكريم كله نجدها تأتى بوجهين, الأول: ( بسم) هكذا محذوفة الألف مثل بسم الله الرحمن الرحيم, وبسم الله مجريها ومرساها, والوجه الثاني: ( باسم ) هكذا بألف وسطية مثل( اقرأ باسم ربك الذي خلق )، (فسبح باسم ربك العظيم). وحذف الألف في كلمه (بسم) يوحى بسرعة الوصول إلى رحمة الله الرحمن الرحيم, أو إلى سرعة قراءة القرءان الكريم, أما الحالات التي جاءت فيها(باسم) بألف الوسطية فإنها جاءت بقصد التسبيح أو القراءة وهي أمور تحتاج إلى التفكر والتدبر والتمهل وطول فترة التسبيح والقراءة. كذلك فان حذف بعض الحروف من الكلمات القرءانية يمكن أن يفيد التقليل وقلة الشأن ونلاحظ ذلك جليا في كلام صاحب مالك الجنتين في سورة الكهف حين يقول له (إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً) فجاءت كلمة (ترني) هكذا (ترن) بحذف ياء ضمير المتكلم أي حرف الياء الأخيرة واستبدلت بالكسرة بدلا من الياء في مقام التقليل من الشأن وذلك ليوحي بأن مالك الجنتين يستصغره ويراه قليل المال وقليل الولد .

كذلك فان الكلام عن قواعد البيت في القرءان جاءت بالألف الوسطية (قواعد) هكذا (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت و اسمعيل) لتدل على عمق القواعد الثابتة في الأرض, كما أنه عندما يتكلم عن القواعد من النساء أي العجائز تأتى القواعد بدون ألف صريحة لتدل على انكماش النساء في الكبر وهمودهن وقلة حركتهن (والقوعد من النساء), كما أن الحذف يوحى بعدم الدخول في تفاصيل, أما في حالة وجود الألف فيوحي بنوع من التفصيل فنجد مثلاً كلمة ( سماوات ) وردت في القرءان الكريم 189 مرة بدون ألفين هكذا (سموت) ولم يتم ذكر أي تفاصيل عند الحديث عن السموات, ووردت مرة واحدة فقط (سموات) بألف ومن العجيب أن تأتى في هذه المرة في سورة فصلت حيث تم تفصيل السموات وأن لكل سماء أمرها (فقضهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها), كذلك نلاحظ أن كلمة ( والدة) جاءت في القرءان كله بدون ألف وسطية هكذا (ولدة) لتوحي بالتصاق الوالدة بولدها في جميع مراحل العمر أما (الوالد) ونظرا لأنه يكدح في سبيل لقمة العيش ويضرب في الأرض فقد جاء رسم الكلمة بألف وسطية في القرءان كله.

كما جاءت كلمة (أمهات) بدون ألف وسطية هكذا (أمهت) وفي المقابل جاءت كلمة (آباء) بألف وسطية لنفس السبب وفي القرءان كله.  كما نلاحظ أن كلمة (الحسنات) وردت في القرءان الكريم كله بدون ألف وسطية هكذا (الحسنت) لتوحي بان الحسنات تلتصق بالإنسان فور عملها, أما كلمة (السيئات) فجاءت في القرءان كله بألف وسطية فاصلة لتوحي بأنها لا تلتصق بالإنسان فورا فتكون بعيدة عنه ليغفرها الله في حال توبة فاعلها. حيث أن الآية الكريمة في سورة هود آية 114تقول (إن الحسنت يذهبن السيئات) حيث يوحي ورود كلمة الحسنت بدون ألف وسطية وورود كلمة السيئات بألف وسطية إلى تقارب حروف كلمة الحسنات وقلتها, واتساع كلمة سيئات وتباعدها وكثرتها بأن الحسنات القليلة تذهب السيئات الكثيرة. كذلك وردت كلمة (شاهد) بالألف الوسطية الصريحة في أربعة مواضع في القرءان مثل (وشهد شاهد من أهلها), وكلها تتحدث عن شهادة أشخاص, وعند الحديث عن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد تم حذف الألف الوسطية من كلمة (شاهدا) فرسمت هكذا(شهدا) مثل ( يا أيها النبي إنا أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا) وقد وردت 3 مرات في القرءان الكريم كلها خاصة به فقط صلى الله عليه وسلم حيث توحي بأنه صلى الله عليه وسلم ملتصق بنا برسالته وسنته وشفاعته وأحاديثه الشريفة, كذلك وردت كلمة (الألواح) بألف وسطية 3 مرات في القرءان كله وهى خاصة بألواح موسى عليه السلام حيث يوحي وجود الألف الوسطية بان هذه الألواح كانت منفصلة عن بعضها وكل لوح على حدة وذلك في  سورة الأعراف مثلا (وكتبنا له في الألواح من كل شيء (وانه حينما ذكرت ألواح سفينة نوح عليه السلام جاءت الكلمة بدون ألف وسطية هكذا (ألوح) لتناسب المعنى حيث يوحي عدم وجود ألف فاصلة وسط الكلمة أن ألواح السفينة كانت ملتصقة ببعضها تمام الالتصاق حتى لا ينفذ منها الماء وهذا ما يؤكد أن حروف الكلمة القرءانية ترسم صورة صادقة للمعنى (وحملنه على ذات ألوح ودسر). كذلك فان الحذف يوحى بالقرب حيث نلاحظ أن حرف النداء (يا) ورد في القرءان الكريم كله بدون ألف ( يقوم , يرب , يصلح , يأيها , يموسى) فهذا يرسم صورة رائعة للقرب حيث يوحى حذف حرف الألف بكامل القرب وبأن النداء لابد أن يكون من قريب ليوحي بالألفة, ونرى الإعجاز كاملاً في حذف حرف النداء من كلمة (يرب) لتكون فقط ( رب), ( ربنا ) لتوحي بالقرب الكامل من الله غز وجل, كذلك فان حذف حرف الألف يوحي بعدم التوسع في بعض الأمور فمثلاً حينما نتدبر الآية 229 من سورة البقرة (الطلق مرتان) نجد أن كلمة الطلق جاءت بدون ألف لتوحي بأنه مازال هناك مرات أخرى من الطلاق، وتوحي بأنه يجب عدم التوسع في الطلاق والعمل على بقاء الارتباط بين الزوجين في فترة العدة, كذلك وردت كلمة (مرتان) بالألف ولم تأتي مرتين أو ثلاث مرات لتوحي بانفصال كل مرة طلاق عن الأخرى ولا يكون الطلاق مرتين أو ثلاث دفعة واحده.

كذلك نجد أن إبدال بعض الحروف بحروف أخرى في الكلمات القرءانية يؤدي لتغير صورة الكلمة و بالتالي إعطائها معنى صادق, كما سأوضح ذلك بالأمثلة الآتية : وهي في كلمة ((رءا) و (رأى)) ، ((طغا) و (طغى)) فنجد كلمة (رءا ) وردت 11 مرة آخرها ألف ، ووردت كلمة (رأى) مرتين فقط آخرها حرف ياء, فالمرات التي وردت فيها كلمة (رءا ) بحرف الألف نجد أنها كلها رؤية بصرية ( فلما جن عليه الليل رءا كوكبا ) (فلما رءا قميصه قد من دبر) ولأن الرؤية بصرية جاءت نهاية كلمة (رءا) بالألف لتدل على وجود حاجز للرؤية أو حدود للرؤية, وأما كلمة (رأى) تنتهي بالياء لتوحي بالامتداد فتأتي حين يتكلم القرءان عن رؤية البصيرة النافذة أو رؤية الفؤاد وقد جاءت بهذا الشكل في موضوعين اثنين من القرءان الكريم خاصتين بالرسول صلى الله عليه وسلم (ما كذب الفؤاد ما رأى), (لقد رأى من أيت ربه الكبرى).

كذلك وردت كلمة (طغا) بالألف في آخرها حينما ذكر الله سبحانه وتعالى طغيان الماء المغرق لقوم نوح ( إنا لما طغا الماء حملنكم في الجارية) فجاءت بالألف في آخرها لتوضح أن طغيان الماء كان لأعلى بامتداد حرف الألف حتى يُغرق, ووردت كلمه ) طغى ( في آخرها حرف الياء الممتد حينما تكلم القرءان عن طغيان فرعون حيث يوحى ذلك بامتداد طغيان فرعون في الأرض طولا وعرضا (اذهبا إلى فرعون إنه طغى) والقرءان الكريم يحتوى على العديد من هذه الأمثلة.

 هذا ما وفقني الله إليه فإن كنت قد أصبت فبتوفيق من الله وكرم منه, وإن كنت قد أخطأت فمن نفسي والشيطان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. سعيد خميس سعيد يوسف مصطفى الشوربجي

اظهر المزيد