مقالات

إصلاح ذات البين- فريضة ربانية وضرورة اجتماعية- أ. خالد فتحي

 

الحمد لله، وبعد:
فقد جرت سنة الله تعالى في المجتمعات والأمم أن لا تنهض أمة منها إلا بأسباب كونية قدرية من أعظمها: ما بين أبنائها من التآلف والتلاحم، وشرط نهضتها أن تلتقي جهود أفرادها لقاء تعاون وانسجام وتوافق، كما تلتقي أعضاء الجسد الواحد على بلوغ مراده، بحيث لو شذ منها عضو واحد تعين رده إلى حال الموافقة أو قسره على ما فيه مصلحة المجموع.
وإذا كان الإنسان من جسد وعقل وروح، وكلها تجتمع على مصلحته، فإن قوام المجتمع جسد وعقل وروح أيضا، ولا بد من اجتماع هذه الثلاثة على أحسن الوجوه لبلوغ الغاية المرجوة من رقيه وتقدمه، فجسدُ المجتمع مجموع أفراده المنتسبين إليه، وروحُه الأخلاق والآداب التي تسكن في قلبه وضميره، وعقلُه التشريعات والقوانين والأعراف والتقاليد التي تحكم سلوكه.
وكلما كانت غاية الأمة أعظمَ، والمكانةُ التي تسعى إلى تحقيقها أكبرَ، تعين عليها أن تتخذ من التدابير والإصلاحات أعلاها، وما تفعله البلاد والأمم من التأصيل لمعنى الوطنية والانتماء للوطن، وما ينادى به من المساواة بين المواطنين في الحقوق، والتنبيه على استقلال المجتمع بجملة من العادات والتقاليد التي يتميز بها عن غيره، ومناهج التربية والتعليم، ووحدة التاريخ والثقافة، ووحدة المصير والهدف،....وغير ذلك؛ كله يراد به مادة التلاحم والتماسك لإحكام بناء المجتمع والأمة.

والإسلام فوق هذا كله!...
فإنه دين ودولة، وهو جُمّاع مصالح الدنيا والآخرة، وقد قضى الله تعالى له ولأمة المسلمين كونا وقدرا، ودينا وشرعا أن يكون السابق لجميع الأمم في كل ميدان من الميادين، فلا جرم أن يحوز من قواعد وأصول الاجتماع لبناء دولته المدنية أعلاها، ولا جرم أن تأتي أحكامه كلها منطوية على حكم وأسرار تخدم الغاية الكبرى من التأليف بين أفراد الأمة الواحدة، ولست تجد في دين من الأديان، أو فلسفة من الفلسفات، أو نظرية سياسية أو اجتماعية، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يَشَدُّ بَعْضُهُ بَعْضاَ!)، وقوله: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)!، وأحلف بالله يمينا برا صادقا متحدثا بنعمة الله تعالى علي وعلى إخواني من المسلمين أنني قضيت أكثر من عشر سنين أتأمل بين حين وآخر هذين الحديثين؛ وأعمل فيهما الفكرة بعد الفكرة، وأعرض عليهما كل ما مرّ بي من إشكالات وعقبات ومنعطفات في تاريخ العالم الإسلامي؛ ليظهر لي مكمن الخلل ولأقفَ على علاجه، كما أعرض عليهما واقع العالم الإسلامي اليوم، لأخلص إلى معرفة القواعد الكلية في سياسته والنهوض به، والتي يصلح بتطبيقها وصلاحها كثير من الجزئيات فتوفر الوقت والجهد وتختصر على شداة الإصلاح الطريق – ومن ذلك إصلاح ذات البين، فوقفت من ذلك على نفائس قيدتها بوثاق القلم، وأعجب من هذا أنني كلما وقفت على سر من أسرار الحديثين وما دلا عليه من قواعد السياسة وأصول البناء! وظننت ذلك نهاية الغاية وقصب السبق تَبَدّى لي من وراء ذلك لَقَمٌ أَفْيَحٌ -(طريق واسع)-؛ وغايةٌ أنجح، فسبحانَ من آتى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه جوامع الكلم، وإني لأشهد أن لا إله إلا الله؛ وأشهد أن محمدا رسول الله حقا وصدقا.

وإذ الأمرُ على ما بيناه فإن كل ما يُناقضُ أصلَ الاجتماع والائتلاف على الوجه الذي يرتضيه الشرع هو جنايةٌ على الأمة كلّها، وتأخير لها عن الغايةِ والمكانةِ التي أراد الله تعالى لها؛ وكلفها تكليفا شرعيا ببلوغها، أقَلّ ساعٍ من ذلك أو أكثرَ، وإنما يحمل الرجل وزره وأوزار جنايته على مجتمعه وأمته، ولا يظلم ريك أحدا.
ولذا غلظ الشرع في فساد ذات البين، لإفضائه إلى الإضرار بمصالح المجتمع وتفويتها جملة، في نحو قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}؛ ونحو حديث أبي الدرداء عند الترمذي من قول النبي عليه الصلاة والسلام: فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين.
واعلم أن تشبيه الأمة بالبنيان قاضٍ بدوام علوها ورقيها ما كانت الدنيا، لأن المقصود بها هي الأمة إلى قيام الساعة، فكلما جاء جيلٌ زاد في بنيانها منزلة؛ ورفعه درجةً؛ وخلف من سبقه في المحافظة على ما وَرّثَهُ، ولهذا كان إصلاح ذات البين عظيمَ الأجر؛ ماضيَ الثواب؛ لأنه يقوي قواعد البناء، ويديمه، ويهيئُه لمن بعده، فيتم ما أمر الله بإتمامه، فيكون إصلاح ذات البين من العمل الذي لا ينقطع ثوابه بعد الموت إلى قيام الساعة!، وليس كذلك من وَرّثَ منزلة واهية الأركان، مصدّعة الجدران، فإن بنى عليها الوارث كان بنيانه على شفا جرف هار، وإن توقف عندها وقف به وبالأمة المسير!، وإن رام إصلاحها وتقويمها – وفرضٌ عليه أن يفعل – أنفق من عمره دهرا كانت الأمة أحوج إليه في إكمال البنيان والمحافظة على قيادة قافلة الحياة.
ولهذا كان الرعيل الأول من الأمة خيرها، وأعلاها منزلة، وأعظمها أجرا، لما كان بينهم من التآلف واجتماع الكلمة، حتى فتح الله بهم مشارق الأرض ومغاربها قلوبا وبلادا في سنوات يسيرة، وما من مسلم على وجه الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إلا وهو ينعم ببركة اجتماعهم وتآلف قلوبهم، وما أَرْسَوْهُ من القواعد وأحكموه من البناء، ولذا كان تآلفهم من أعظم النعم؛ كما قال تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}.

ولما كانت قوة البنيان في تلاحم لبناته، وقوة اتصالها بعمده وأركانه، وكانت أيضا في تعاضُدِ أركانهِ واتصالها على جديلة واحدة بين كل طبقة والتي تليها، أمر الله بإصلاح ذات البين في امتداد المجتمع الأفقي المكاني، كما أمر به في امتداده التاريخي الزماني، كما قال تعالى:  {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فهو دعاء يشمل السابقين من الصحابة ومن بعدهم، كما يشمل المؤمنين إلى قيام الساعة، وذكر الغِل مُنَكّراً في سياق النفي ليشملَ كثير الغِل وقليلَه، لأنه إذا انتفى ثبتَ ضدُّه وهو المحبة والألفة بين المؤمنين.
                
أصول الشرع في إصلاح ذات البين:
قاعدة الشرع هنا، هي قاعدته في جميع التكاليف والأحكام، رعاية السنة الكونية القدرية، ورعاية السنة الدينية الشرعية:
فأما الكونية القدرية: فنحو رعايةِ تفاوت منازل الناس، ورعايةِ اختلاف أقدارهم، ورعايةِ طبائعم وما جبلوا عليه؛ كما اغتفر الهجر إلى ثلاثٍ رعاية لحال القوة الغضبية التي جبل الإنسان عليها، ونهى عن الهجر فوق الثلاث تغليبا للمصلحة العامة على الخاصة، وكما لم ينكر عليهم سؤالهم الأنفال يوم بدر؛ رعاية للطبيعة البشرية القاضية بحب المال، وإنما أنكر عليهم فساد ذات البين لأجلها، ثم قسمها بينهم قسمة عدل وأعطى كل ذي حق حقه.  
وأما الدينية الشرعية: فمن طريقين: تخلية، وتحلية....
فالتخلية هي: المنع من كل ما يفضي إلى فساد ذات البين...ومن أمثلة ذلك مع الإشارة إلى شيء من حِكَمِ النهي ما يلي:
- النهي عن موالاة الكافر وإعانته على المسلم؛ ولم يقع في تاريخ الإسلام من أسباب فساد ذات البين شر من هذا، ولم يزل ذلك معول هدم في صرح الأمة، كما لم يزل منفذا لخصومها يتوصلون به إلى تفريق صفها وتقويض بنيانها، ولذا كان في حكم الشرع من نواقض الإسلام والتوحيد.
- النهي عن قتل النفس بغير حق، وليس بعد الشرك بالله تعالى ذنب أعظم منه، ولا غلظ الشارع في معصية بعد الكفر بالله تعالى كما غلظ فيه، حتى جعل قتل النفس الواحدة ظلما وعدوانا كقتل الناس جميعا، وجعل إحياءها كإحياء الناس جميعا، والمراد التسبب في إحياءها؛ كما لو اعتدى شخص على آخر يريد قتله فحال بينه وبين ذلك ثالث وحماه من القتل؛ كان كمن أحيا نفسا، ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا أنفس الناس جميعا، ولهذا المعنى كان فكاك الأسير عظيم الثواب؛ لأنه في معنى إحياء النفس، وإذا كان الوعيد في قتل الكافر المعاهد والذمي والمستأمن أن تبرأ منه ذمة الله ورسوله، وأن لا يجد ريح الجنة، فكيف بالمسلم الذي يصبح ويمسي في ذمة الله تعالى؟، فكيف إذا اجتمع مع الإسلام حق الجوار؟؛ فكيف إذا انضاف إليهما حق القرابة؟؛ فكيف إن كان في الأماكن الفاضلة والأزمنة الفاضلة التي خصها الله تعالى بتعظيم الحرمةِ دون غيرها؟. وإنما بلغ التغليظ في عقوبة القتل هذا القدر لأنها عدوان على حق الله تعالى أولا؛ ثم هي عدوان على الأمة والمجتمع ثانيا بإخافة السبيل؛ وانعدام الأمن؛ وشق الصف؛ وتفريق الكلمة، وعدوان على الماضين والموجودين والقادمين من أجداد القتيل وآبائه، ومن ذويه وإخوانه؛ ومن أبنائه وذريته؛ ثالثا، وعدوان على صاحب النفس المعصومة رابعا.
- والنهي عن عقوق الوالدين، لأنه إن أفسد ما بينه وبين والديه مع كونهما أصله وسبب وجوده؛ ومع عظم حقهما عليه؛ فإنه أشد إفسادا لما بينه وبين غيرهما من الناس، ولذا لا تجد عاقا لوالديه تدوم مودةٌ بينه وبين أحد من الخلق كائنا من كان.
- والنهي عن السحر، فإنه تقطيع لوشائج القربى، وظلم عظيم بتعطيل المرء عن وظائفه ومصالحه في الحياة، وإذا تعطل بعض أعضاء الجسد عن وظيفته أضر ذلك بالجسد كله، والأمة جسد واحد؛ وهو عضو من أعضائها، ولذا كان حد الساحر القتل.
- والنهي عن شهادة الزور، لأنه دليل على خروج المرء عن منظومة المجتمع والأمة، وخلو القلب من معاني الرحمة والمحبة اللذينِ هما أساس التكافل في المجتمع، ولا شيء أسرع في إشعال نيران الفتن منها.
- والنهي عن الفرار يوم الزحف، لأنه فتح لباب الإرجاف والتخذيل، وتسليط للعدو على أهل الإسلام كافة، ولأن الفارّ قد يتهم بالتواطؤ مع العدوّ؛ فيفضي إلى التنازع والاختلاف، واستباحة المسلمين بعضهم دماء بعض، مع أن الأجل مكتوب لا يزيده الفرار ولا ينقص منه الثبات، فانظر كيف أمر الشرع بالمخاطرة بالنفس رعاية لمصالح الأمة وحفظ هيبتها واجتماع كلمتها!.
- والنهي عن الغيبة والنميمة والحسد، لأنها مثار الخصومات؛ ومشعل الأحقاد، وقطع لوشائج المودة وأواخي الإخاء.
- والنهي عن السخرية والاستهزاء، وعن التنابز بالألقاب، لأن المسلمين كالجسد الواحد، ومن الحماقة أن يسخر المرء من بعض أعضائه!، أو أن ينبزها بما يكون سبة له مدى الدهر!.
- وفي تعظيم حرمة المسلم كثير من المنهيات، فلا يحل له من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه، كما نهى عن أكل مال اليتيم، وكما نهى عن أخذ حاجة المسلم مازحا، وعن دخول داره بغير إذنه، وعن الجلوس على أريكته بغير إذنه، وعن استراق النظر المحرم إلى بيته وحرمه، وعن الإشارة إليه بالسلاح ولو مازحا، وعن المرور بالنبال في أسواق المسلمين دون أن يمسك على نصالها؛ وألحق العلماء به كل ما يؤذي حمله؛ كالحديد؛ والعصا؛ والشمسية؛ ونحوها، فلا يحمله على وجه يؤذي به الناس، وكما نهى عن ظلمه، وعن إسلامه لعدوه؛ أو لمن يظلمه في نفسه أو أهله أو ماله، وعن خذلانه، وعن خيانته والغدر به، وعن غشه وخداعه، وعن البيع على بيعه؛ ومثله الشراء على شرائه بغير إذنه في زمن خيار المجلس عند بعض العلماء؛ وزمنَه وبعدَه عند آخرين فهو عامٌّ؛ وهو الصواب، وعن الخِطْبَة على خطبته،  وعن احتقاره؛ قال عليه الصلاة والسلام: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.

فكل هذا وغيره؛ إذا تأملت في حكمة النهي عنه وجدتها سدّ كل باب يفضي إلى وقوع الشحناء والتباغض المفضيين إلى الخصومة والتنازع؛ وذلك وسيلة ولا بد إلى تفريق الصف وذهاب الشوكة، فيتخلخل تماسك المجتمع؛ وتضعف الدولة؛ وتجد الأمم الأخرى سبيلا للتسلط عليها.
ومن اللطائف في تناسب سور وآيات القرآن الكريم أن يأتي الحديث عن إصلاح أحوال المجتمع وبنائه وتقويمه في سياق آيات الجهاد مثلا؛ كما وقع في سورة النساء، تنبيها على أن سياسة الأمة مع غيرها من الأمم؛ ودورها في نشر دعوة الإسلام موقوفة على صلاح أحوال المجتمع وتماسكه.

وأما الطريق الثاني من الدينية الشرعية فهو:
التحلية: ويدخل في هذا جميع أوامر الشرع وأحكامه، ومنها الأمر بمحاسن الأخلاق وجميل الصفات، وما من شيء منها إلا وينطوي على حكم بالغة في تشريعه يراد منها المحافظة على تماسك بنيان المجتمع وتلاحمه، حتى ما يلوح منه الشدةُ بادئ الأمر، كقتل  القاتل؛ وقطع السارق؛ ورجم الزاني؛.....ونحو هذا، فإنه مبني على تقديم مصحلة المجموع والأمة على الفرد، ولأن لهذا النوع من المعاصي تأثيرا على الطبائع والأنفس؛ فإن من قتل مرة انكسر في نفسه حاجز الرهبة والهيبة من إراقة الدم؛ واستيقظت فيه الطبيعة السبعية فتمكنت من القوة الغضبية، فاستمرأ القتل وهان عليه، ولهذا مَثَلٌ في غير الإنسان؛ وهو الأليف من الحيوان؛ كالقط مثلا؛ فإنه يُطْعَمُ ما تُطعمه وتَسقيه؛ ويبقى خليا عن الضرر؛ حتى يقع منه الافتراس مرة واحدة فيألفه ويهون عليه ويتعاظم ضرره، ولذا أذن الشارع في قتل ما هذا حاله من البهائم مع نهيه عن قتلها أصلا؛ فالعدوان على الأنفس والدماء المعصومة لا تحسم مادته إلا بالقتل، وقد أظهرت بعض الإحصاءات أن أعلى الدول في معدل ارتكاب الجريمة في العالم ضمن عشر دول هي: أمريكا؛ فبريطانيا؛ فألمانيا؛ ففرنسا؛ فروسيا....إلخ، ومن بينها جرائم القتل طبعا، ومع ما تبذله هذه الدول من مكافحة لجريمة القتل خاصة، ولكن معدلها في ارتفاع مستمر!، لأن مادة هذه الجريمة لا تحسم إلا بما ذكرناه.
نعم حث الشارع على العفو عن القاتل إلى بدل وهو الدية، أو إلى غير بدل وهو الأعلى مقاما، صيانة للأنفس ما أمكن، واستبقاء لأواصر الأخوة، ولأنه أدعى إلى المصافاة وسل سخائم القلوب، ولأنه جود يأسر قلب من عفا عنه بإحسانه إليه فتزداد الألفة والمحبة بين المؤمنين، ولأنه حق تنازل عنه صاحبه فلم يبق للشارع غرض في إراقة الدم، ولأنه خُلق يحمل غيره على الاقتداء به، وربما صلح حال القاتل وتاب إلى الله توبة نصوحا فانتفع به المجتمع والأمة، وفيه من وراء ذلك كله مخالفةٌ لما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام فإنهم كانوا يَتَعَيّرُونَ من الصلح في قتل العمد، ويعدونه من بيع الدم!، كما قال مُرّةٌ الفقعسي:
                         فلا تأخذوا عَقْلاً من القومِ إنني     أرى العارَ يَبْقى والمَعاقِلَ تذهَبُ.
ومخالفة خصال الجاهلية من أصول الإسلام.
والترغيب في الصلح والعفو عن القاتل في القتل العمد لا يناقض حكمة القصاص، لأن الازدجار يحصل بتخيير الولي في قبول الدية، فلا يطمئن من يضمر القتل إلى عفو الولي إلا نادرا، وكفى بهذا زاجرا.  

وقد نبه الكتاب الكريم على أثر أحكام الشرع في إصلاح ذات البين أوائل سورة الأنفال؛ فأمر بتقوى الله تعالى، وقدمها لأنها جامع الطاعات، ثم أمر بطاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام بعد  الأمر بإصلاح ذات البين تنبيها على وجوب طاعته فيما يأمرهم به من الإصلاح؛ وطاعة من يقوم مقامه من أكابر الناس وأهل الحل والعقد بعد وفاته، وقوله: {إن كنتم مؤمنين} تحريض لهم، وإلهاب لمشاعرهم؛ وحث على الإصلاح؛ فإنه من أفعال المؤمنين ؛  ثم ذكر جملة من صفات أهل الإيمان؛ عبادات قلبية: وجل القلوب عند ذكر الله تعالى، وازدياد الإيمان عند سماع تلاوة آياته، والتوكل على الله تعالى، ثم عبادة بدنية وهي إقامة الصلاة، وعبادة مالية وهي الإنفاق مما رزقهم الله، وفي هذه الآيات على هذا الترتيب إشارة إلى جملة من أصول إصلاح ذات البين، ننبه عليها لتكون نبراسا إن شاء الله تعالى لمن رام فضيلة الإصلاح بين المسلمين، وانبرى لهذا العمل الجليل والخلق والنبيل؛ وحسبه أنه من أحب الأعمال إلى الله تعالى؛ وأنه مقتد في ذلك برب العالمين إذ يصلح بين الخلائق يوم القيامة؛ كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله يصلح بين المؤمنين).
- فمن أصوله: أن يكون القائم به قدوة بين الناس في أعماله وأخلاقه، مطاعا فيهم، فإن المأمور بالإصلاح بينهم في قوله تعالى: {قُلِ الأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ...} إلخ آخر الآيات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- ومنها: سلامة النية، وتجرد المصلح عن الحظ والهوى، والتزام الإنصاف والعدل، وكله في قوله تعالى: فاتقوا الله، ومن علامة سلامة النية أن لا يستأثر بالسعي في الإصلاح إن وجد من هو أقدر عليه منه، وأن يستشير أهل الرأي والحكمة من وجهاء المسلمين وأكابرهم، ويتدبر في العاقبة؛ فإنه ربما حمّل نفسه ما لا يطيق، وكان كفه خيرا له.
- ومنها: أن الصلح لا يكون إلا بما وافق الشرع، لا بما خالفه، بل كل صلح خالف الشرع فهو باطل مردود، ثم هو لا يثمر إلا مزيدا من الخصومة والعداوة، كما يقع في بعض المواطن من حرمان المرأة من حقها الذي فرضه الله تعالى لها من الميراث، ويصطلحون على إعطائها قدرا من المال دون الحق المفروض، ويسمون ذلك قسمة التراضي! جريا مع العرف والعادة، وهذا حرام لا يجوز، وظلم لصاحب الحق، فإن كان احتكاما إلى العرف والعادة فهو الذي سماه الله تعالى حكم الجاهلية؛ فقال: {أفَحُكْمَ الجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، وتسميته: قسمة تراضٍ، لا يغني من الحق شيئا، لأن الواجب أن تُمَكّنَ المرأةُ من الحقّ الذي لها أولاً حتى تصير مالكة له، ثم إن شاءت أمسكته، وإن شاءت وهبته، ولذا قال تعالى: وأطيعوا الله ورسوله، تنبيها على حرمة مخالفتهما، وأن كل صلح خالف حكم الله تعالى وحكم رسوله عليه الصلاة والسلام فهو معصية ووزر.
- في ذكر الجواب عن الأنفال مجملا في أول السورة، وتأخيرِ التفصيل إلى الآية الحادية والأربعين، والالتفاتِ إلى إصلاح ذات البين تنبيهٌ على سلوك جادة الحكمة في الإصلاح بين الناس، وأن على المصلح أن يقدر الأمور حق قدرها، فيقدم الأهم فالأهم، وينزل الناس منازلهم، ويخاطبهم على أقدراهم، ويتحين الزمان والمكان المناسبين.
- وفي ذكر الأمر بالتقوى مجملا وما بعده، تنبيه على الرفق بالمتخاصمين؛ وحسن التودد إليهما؛ والعدول إلى أحسن الكلم وألطف العبارة، وترك المعاتبة في مقام الإصلاح إلا لموجب راجح، لأن المعاتبة على الملأ خاصةً توغر الصدور والأحقاد، ولذا كانت عند الفقهاء من أنواع التعزيرات، فإن احتاج إلى شيء من ذلك فليقدم المناجاة والإسرار؛ فإنه أبلغ في حصول المقصود وفي أثره على النفوس، وأبعد عن مواطن التهم، وأنفى لذرائع الإفساد بين الناس، وقد أذن الله فيه؛ وحث عليه فقال: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.
- ويحرم عليه أن يفشي للمتخاصمين سرا، إلا لمن احتاج إليه في رأي أو مشورة.
- كما يحرم عليه أن ينقل من الكلام بين المتخاصمين ما يضر بالإصلاح بينهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة قَتّات، والقتّاتُ: من ينقل الحديث بين الناس للإفساد بينهم، بل أباح الشرع له من الكذب ما يصلح به بين الناس، وأيضا فذلك مما يجلب له العداوة مع المتخاصمين إن اطلعا أو أحدهما على ذلك، وربما تصالحا وبقي على عدواته.
- وفي قوله تعالى وأصلحوا ذات بينكم؛ مع تأخير الفصل في حكم الأنفال إشارة إلى أن الصلح مقدم على القضاء، وقد أرشد أمير المؤمنين عمر أبا موسى الأشعري أن لا يعجل بفصل القضاء؛ وأن يُنْظِرَ الخصمين حتى يصطلحا، والعلة أن القضاء إلزام ومحاقة؛ وعلى المتخاصمين أداء الحق أحبا أم كرها، وأداء الحق لا يتوقف على الرضا والمصافاة، فقدم الصلح لهذا لأنه يقع عن طيب خاطر، فيزول ما في النفوس وتلتئم القلوب، فإن خشي من تأخير القضاء تعاظُمَ الخلاف قدّمه.
- وفي الأمر بإصلاح ذات البين دليل على أن الواجب على المصلح أن يكون عارفا بحقيقة الحال ملما بأحوال المتخاصمين، متصورا للأمر على ما هو عليه، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأنه إن أقدم عليه دون ذلك ربما كان ضرره أكثر من نفعه.
- تقديم الموعظة وما تلين به القلوب وتطيب به الخواطر بين يدي الصلح، ويتحين من ذلك أحسنَ الأوقات، كما دل عليه قولُه تعالى: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الذينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...}.
- وفي قوله: {وعلَى رَبّهِمْ يَتَوكَّلُونَ} تنبيه على أنه يتخير من الموعظة ما يناسب حال المتخاصمين والسبب الداعي للخصومة، لأنه لما كان اختصامهم لأجل الأنفال وهم الذين تركوا الديار والأهل والمال والولد لله تعالى، وبذلوا نفوسهم لنصر دينه ناسب أن يذكر التوكل على الله، فإن من خرج لأجل هذه الغاية العظمى لا يضيعه الله تعالى، فكيف يليق به منازعة إخوانه لأجل غرض من أغراض الدنيا التي تركوها لله تعالى؟!، ولهذا المعنى أيضا ذكر الإنفاق من صفات المؤمنين في سياق الآيات.
- وأما ذكر الصلاة، فلأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه الثلاثة ترجع إليها جميع الخصومات التي تقع بين الناس، وفيه دليل على أن اهتمام المجتمع والأمة بأمر الصلاة وإقامتها في المساجد والجماعات مما يسد باب الخصومات، وهكذا إقامة جميع أحكام الشرع.
- وعلى المصلح أن يكون هينا لينا، سمحا بشوشا، حليما رحيما واسع القلب والصدر، وليحتمل ما يلقاه من أذى في سبيل ذلك، فإنها مهمة الأنبياء والمرسلين، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، وقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، فإن تحمل حمالة من مالٍ للإصلاح بين الناس - كدية ونحوها  - وجب عونه من بيت مال المسلمين، فإن لم يكن بيت مال وجب على جماعات المسلمين في القرى والأمصار إعانته، ويحل له سؤال المال لأجل ذلك اتفاقا، كما قال ابن حزم رحمه الله: {اتَّفَقُوا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ قَوِيٍّ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ غَنِيٍّ إلَّا مَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً أَوْ سَأَلَ سُلْطَانًا أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ}.
- وفي ذكر صفات المؤمنين في السياق دليل على أن الإصلاح ينبغي أن يكون على قدم الصدق والمصارحة، فلا يجامل أحدا على حساب الحق، ولا يعد وعدا لا يقدر على الوفاء به، قال تعالى: {يَا أَيُّها الذِينَ آَمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينِ}.
- ولا يعجل، فإن الله تعالى قد جعل لكل شيء قدرا، والتدرج سنة مقدرة في الحياة الدنيا، ومتى لزم ذلك أوشك أن يظفر بالمقصود، والحليم متى تعسرت عليه جهة سلك أخرى، ومن فوض إلى الله أمره لم تُعْيِهِ الحيل، ولزمه التوفيق؛ كما قال تعالى:{إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِق اللهُ بَيْنَهُما}.
- ومنها أن يراعي من عادات الناس وأعرافهم ما اصطلحوا عليه، إلا أن يخالف شرع الله تعالى، فإن وَجَدَ شيئًا من ذلك فليترفق في إنكاره، وليستعن عليه بأهل الحل والعقد والمطاعين ورؤوس الناس، فإن الناس قد بعد عهدها بسلطان الشرع، وما كان الرفق في شيء إلا زانه.
- وأسباب الصلح مجتمعة في أمرين: الغضُّ عن الهفوات، ومقابلةُ الغلظة باللين، فليجعل ذلك نصب عينيه ما استطاع.

ثم إن الصلح يتناول جميع فئات المجتمع، بدءا من الصلح بين الرجل وأخيه، وبين المرأة وزوجها، إلى الصلح بين الأسر، والصلح بين العشائر والقبائل، والصلح بين جماعات المسلمين، والصلح بين بلاد أهل الإسلام، فكل ذلك مما يحبه الله تعالى ويرضاه، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي (سيدا) لأنه جمع خصال السؤدد؛ ومن أعظمها أنه تنازل عن الخلافة حقنا لدماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم، وفي فضل الإصلاح في الكتاب والسنة ما يأتي في مصنف مستقل، وفق الله الجميع إلى الخير، وأعانهم على طاعته ومرضاته، وجمع كلمتهم على البر والتقوى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ خالد فتحي خالد حسين قاسم الأغا

اظهر المزيد