مقالات

رجال صنعوا تاريخ- الحاج حافظ عثمان مصطفى الأغا- بقلم محمد سالم علي الأغا

  رجال صنعوا تاريخ   

الحاج حافظ عثمان مصطفى عبد الرحمن الأغا
رحمه الله   
1867-1951

كتب : محمد سالم الأغا 

 
لنا أن نفخر نحن ابناء العائلة دائماً، بما تركه لنا الأجداد والآباء، و بما صنعوه لنا من تاريخ مشرف،  لا زلنا ننهل من معينه الذي لم ينضب رغم مرور السنين، فكلهم كانوا علي قدر كبير من البذل و العطاء في صناعة هذه العائلة الكريمة بكل أفخدتها بروح من الود والمحبة، فتزوجوا من بعضهم البعض، كما تصاهروا وتناسبوا مع قبائل وعائلات أخري عريقة، فحافظوا علي أصالة نسلهم، ومن بين هؤلاء الرجال العظام ، استحق العم الكبير الحاج حافظ عثمان الأغا رحمه الله أن يُطلق عليه، حاتم الطائي الفلسطيني، خيال وفارس خان يونس وفلسطين لشجاعته و فروسيته، وكانوا يعرفونه بالقلاعي نسبة إلى مسكنه بقلعة خان يونس،  وهذا اللقب لم ينعته به أحد أبناء عائلة الأغا، ولكن أهل فلسطين هم من وصفوا العم الحاج حافظ رحمه الله بهذا الوصف لأنه أشتهر بكرمه وفروس يته، وشجاعته، وأخلاقه العالية، مما أكسبه حُب أبناء عائلته، ومدينته، بل حب أبناء وطنه الفلسطيني التاريخي، فذاع صيته، وسبقته شهامته، وسمعته المتألقة حيثما حل،  وكلما زار مضرب من مضارب العرب، أو مدينة أو قرية فلسطينية وحتى عربية.
 
والعم الحاج حافظ عثمان مصطفي عبد الرحمن  رحمه الله من مواليد خان يونس 1867 تقريباً، وهو ثاني أخوته الحاج مصطفي عثمان أبو عثمان، و أخيه الحاج علي أبو صلح، وأخيه الحاج سعيد أبو ربيع، وأخيه الحاج صبري أبو ربحي رحمهم الله جميعاً، وقد تزوج العم الحاج حافظ ، من ثلاث سيدات الأولي السيدة نفيسة أحمد الأغا رحمها الله و أنجب منها ثلاثة أبناء هم  الحاج عبد حافظ ( أبو حافظ )، ــ زوج العمة الفاضلة مؤمنة حمدان أسعيد، أم حافظ رحمها الله ــ، والشيخ فهمي حافظ ( أبو الدكتور رياض ) والحاج طاهر حافظ، ( أبو محمد )  رحمهم الله، والثانية عمتنا الفاضلة الحاجة نظيمه حمدان أسعيد رحمها الله، وأنجب ابناءه، الحاج كامل حافظ ( أبو يوسف)، أطال الله في عمره، والحاج صبحي حافظ ( أبو ماهر )، والشاب يوسف حافظ الذي توفي قبل وفاة والده، رحمهم الله، والثالثة السيدة زينب عثمان العثملي من مدينة العريش المصرية، وقد تزوجها بعد أن توفي زوجها وشقيقه،المرحوم،  محمد عثمان أثناء الحرب العالمية الأولي، حيث أنجبت له قبل وفاته ابنته الحاجة لبيبة، وبعد زواجه من زوجة أخيه أنجب أبناؤه، الحاج سلامة حافظ  ( أبو محمد )، والحاج سعيد حافظ ( أبو حافظ ) رحمهم الله، والأستاذ الدكتور الحاج خيري حافظ ( أبو أسامة )، أطال الله في عمره ، وقد أنجب بناته وكريماته من زوجته الثانية العمة المرحومة أم يوسف، السيدات الحاجة زبيدة حافظ ( أم أسعد صالح بدوي ) و الحاجة منيرة حافظ ( أم مضيوف " عرار" )، والحاجة سهيلة حافظ ( أم الدكتور عاطف عثمان فالوجي ) رحمهم الله، ومن الثالثة ، السيدات الحاجة عائشة حافظ، ( أم يزيد جمال)، رحمها الله،  والحاجة خيرية ( أم محمد كامل ) رحمها الله والحاجة عدلة حافظ  ( أم مصطفي عثمان ) أطال الله في عمرها ، ، والحاجة سعاد ( أم نبيل فخري مصطفي ) أطال الله في أعمارهم .   
 
ولقد كان العم الحاج حافظ  من البارزين من أبناء جيله كرماً وجهاداً ومشاركة في العمل الوطني الفلسطيني منذ بدايات قضيتنا الفلسطينية، تصدي وشعبنا الفلسطيني للهجمة الصهيونية ومشروعها الاستعماري، وكان عضواً بارزاً في الحركات الوطنية الفلسطينية،  وصديقاً ورفيقاً لقادتها الميامين، ومشاركاً في كل المؤتمرات واللجان التي بحثت وعالجت قضايانا الوطنية، وعندما بدأ  أبناء شعبنا مقاومة الإنجليز واليهود، وأنشئت اللجنة العربية العليا لفلسطين كلجنة سرية لتنسيق الجهود بين أبناء شعبنا الفلسطيني في مدنه وقراه، شارك العم الحاج حافظ وأبناء عمومته شيباً، وشباناً في المظاهرات، والثورات الفلسطينية، وكان له باع طويل في الجهود لنصرة قضيتنا الفل سطينية بكافة صورها، وتقديم كل ما تحتاجه للظفر برضاء الله ، والجهاد في سبيله.
 
وقد حدثني الخال عبد الله يوسف السقا رحمه الله قبل وفاته،عن بعض شخصياتنا ــ التي اعتز بها شعبنا الفلسطيني، واحترمها من سبقونا ــ  وخص بالذكر العم الحاج حافظ قائلاً"، أن شعبنا الفلسطيني سيظل يذكر الحاج حافظ عثمان الأغا وكرمه، كذكر كرم حاتم الطائي، وهذا الذكر هو عمر ثان لمناقب وصفات العم الحاج حافظ رحمه الله، فقد خبرناه أخاً، وأباً ، وجداً، كريماً وفياً لأقصي درجات الكرم والوفاء، لمن  يعرفه، ولمن لا يعرفه، وأضاف أنه لم يسمع في حياته " أن الحاج حافظ رحمه الله رد ملهوفاً، أو صاحب حاجة، حيثما كان، ومن كان، وقد روي لي  أيضاً : " أن القدر جمعه ووالده، جدي لأمي الحاج يوسف عبد الله السقا، والعمين الكريمين الحاج يوسف حمدان والحاج حافظ عثمان في رحلة إلي منطقة بئر السبع، وفي طريقهم ، عرجوا علي صاحب وصديق لهم، فأراد أن يُكرمهم ويذبح شاة لهم ليحضر لضيوفه طعام العشاء ، كما هي عادة أبناء شعبنا الفلسطيني، فحلف الجد والعم علي صاحبهم، بأن لا وقت لديهم للعوازيم، وأن مشوارهم طويل، وإذا بهم يسمعون  ربة البيت تقول : " اللهم أطعم من أطعمنا، وأن يُحرم من يُحرمنا "، وإذا بالعم الحاج حافظ رحمه الله يبادر بالرد علي سيدة البيت و صديقهم، صاحبهم، بلباقته المعهودة، وكرمه الحاتمي، عشاؤك عندي، وقم وأطعمنا مما أطعمك الله "، وهكذا استجاب لدعاء مُضيفيه،  وأكل أهل البيت بمعية ضيوفهم ..
 
 ومن الجدير ذكره في هذا المقال ما رواه لي، والد أحد أصدقائي (العم أبو صلاح صيدم )، من أهالي قرية عاقر، وأحد أبنائها، " وعاقـر قرية من قري، قضاء الرملة،  لواء اللد ، وهي من القري الفلسطينية الجميلة المحتلة 1948" من أن حادث قتل وقع بها  قبل هجرة 1948، نتج عن طوشة بين عائلتي صيدم وعائلة موسي ، وتعذر إصلاح العائلتين في حينه، وتأثر الوطن الفلسطيني لهذه الجريمة واستنكرها الجميع، وباتت هذه المشكلة تؤرق شعبنا الفلسطيني، بحيث، تنادي أصحاب  الرأي والحكمة والمشورة في وطننا لإصلاح ذات البين بين العائلتين، وكان علي رأسهم العم الحاج حافظ عثمان الأغا والد الدكتور خيري  رئيس هيئة أمناء الجامعة الإسلامية بغزة، والشيخ فريح أبو مدين " جد الأستاذ فريح أبو مدين وزير العدل الأسبق" والشيخ حسين أبو ستة والد الأستاذ إبراهيم أبو ستة، عضو المجلس التنفيذي لقطاع غزة، ورئيس بلدية خان يونس الأسبق رحمهم الله جميعاً، والعديد من  شيوخ القبائل و مخاتير العائلات في جنوب فلسطين وشمالها، وقد قام هؤلاء الرجال العظماء بالتشاور فيما بينهم ووضعوا الحلول المناسبة لهذه المشكلة، وحددوا يوماً لإعلان الُصلح بين العائلتين المتخاصمتين، الذي كان مفخرة لأصحاب الجاهة حيث  بُنيت بيوت الشعر التقليدية وجُمع الفراش والأغطية وأدوات الطبخ من كل القري وبيوت العشائر والعائلات ، حيث لم يكن في ذلك الوقت كراسي وصالات للأفراح مثل هذه الأيام، وكل هذا تم بتعاون الجميع كما هي عادة شعبنا، ولا يزال يوم المصالحة ذاك  يذكره أهالي قرية عاقر ويتناقلونه بينهم، ويذكرون كرم العم الحاج حافظ  الذي مدَّ يده الكريمة لمساعدة أبناء العائلتين العريقتين  الكريمتين في ترتيب تلك المصالحة، وإتمام فصولها العشائرية بمعاونة إخوانه مشايخ ورجالات فلسطين في نزع فتيل الفتنة بينهم .
 
ومن طريف ما ذكره العم أبو صلاح رحمه الله، أن القائم مقام السيد عبد الرازق قليبو الذي كان يحضر المصالحة ( وظيفة القائم مقام في ذلك الوقت كوظيفة المحافظ حالياً تقريباً ) وكان ويشرف عليها من طرف حكومة فلسطين يومها ، و قد طُلب من الحاضرين تقديم تبرعاتهم لمساعدة أبناء الفقيد ، فجمعوا يومها " خمس وسبعين جنيهاً فلسطينياً ، ومن الجدير ذكره أن هذا المبلغ يومها كان يعتبر مبلغ كبير جداً )،  و وقف العم الحاج حافظ طيب الله ثراه، يومها قائلاً لمن يتولي جمع التبرعات: " كم جمعتم ، قالوا : جمعنا خمس وسبعين  جنيهاً فلسطينياً، فبادرهم العم المُحسن الكبير الحاج حافظ قائلاً : وهذا مثله إكراما لله ثم لوجوه الحاضرين " ودفع لهم  ما يعادل ما جمعوه، أمام مرأى ومسمع الحضور جميعهم،  ومن ثم  قدموه لمساعدة أبناء الفقيد، مما أسعد، وفرحَّ المواطنين وأهالي عاقر وقري والمدن المحيطة بها، ورفع رأس كل رجال الخير وإصلاح ذات البين في ذلك اليوم ، و حتى اليوم، وهذا الكرم الحاتمي  للعم الحاج حافظ لا يزال يتناقله أبناء فلسطين رغم مرور الأيام والسنين  .
 
لقد أمتد العمر بعمنا الحاج حافظ حتى بلغ أربع وثمانون عاماً قضاها بخير ما يُقضى ، فقد قضاها في طاعة الله وإكرام الضيف، وإطعام الطعام وإصلاح ذات البين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نزكى علي الله أحد، وهذا ما اكسبه حب الناس وتقديرهم ، إلي أن توفاه الله صباح يوم الجمعة 8 رمضان 1370 هـ ، 13 يونيو حزيران 1951، فشيعته جماهير خان يونس و قطاع غزة إلي نُزله ومستقره إلي حين البعث، وهي تدعو الله أن يُكرم نزله، وأن يوسع له في قبره، وأن يجعله روضة من رياض الجنة، وأن يتجاوز عن خطاياه، وأن يزيد في إحسانه، وأن يُلهم أهله وذويه وشعبه الفلسطيني الصبر وحُسن العزاء. 
 
وتـاريخ الشعوب العظيمة سيبقي يذكر رجـالاً حـبروا صفحاته، بـأروع وأعـظم صـور الـكـرم، والمجد والعزة، فالعم المرحوم الحاج حافظ واحد من أبناء عائلتنا الكريمة وأحد أبناء شعبنا الفلسطيني العظيم الذين خاضوا غمار الحياة والنضال، بإيمان المؤمنين الصادقين، المحتسبين لله أعمالهم ونضالهم، وترك بعده ذرية صالحة، اقتفوا أثره، و ساروا علي نهج والدهم العم الحاج حافظ عثمان، فكتبوا في سفر التاريخ تراثهم وسيرتهم الناصعة، وسيذكرهم تاريخهم الوطني، بحُسن أخلاقهم، وبما كتبوا علي صفحاته من مآثر وآثار حميدة، بما يؤكد معني حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم  الصحيح :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :  " إذا مات ابنُ آدم، انقطع عمله إلا من ثلاثة، صدقة جارية أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له ".
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نتذكر جميعاً هذه المعاني الجميلة التي  كانت و ما زالت وستبقي بإذن الله، تشكل وترسم صورة واضحة المعالم، للنخوة والكرم العربي الأصيل في أجمل صوره وأحلاها. 
 
باحث وكاتب وصحفي فلسطيني .

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. محمد سالم علي حمدان الأغا

اظهر المزيد