مقالات

عبقرية الجهل!! بقلم أ. نبيل خالد الأغا- الدوحة

 

إذا كان جهل المرء بالقراءة والكتابة مصيبة قد تغتفر، فإن الجهل بالقضايا الوطنية مصيبة مضاعفة ولا تغتفر، ودرجات «الجهل الوطني» تتفاوت من إنسان لآخر، ولكن الملاحظ أن أعداداً كبيرة من أبناء أمة «اقرأ» لا يقرأون ولا يسمعون ولا يشاهدون إلا من زاوية شديدة الخصوصية لا من زاوية شديدة العمومية!
أقول هذا القول.. وفي الذاكرة تتزاحم عشرات الأمثلة المخزية عن الجهل الفاضح الذي يلطخ عشرات الوجوه التي أراد لها حاملوها أن تكون »ناصعة» السواد!! وسبب ذلك عائد بالدرجة الأولى إلى الإهمال واللامبالاة. وإغراق الذات في ِحب الذات، غير أنني سأحدث القراء الفضلاء عن أنموذجين اثنين لهذه الجهالة الفادحة الفاضحة:


الجهالة الفادحة

التقيتُ به صدفة في أحد المجالس قبل عدة أيام. شاب عربي يتفجر عافية وحيوية ونضارة، الفضول الذي يستشعره الصحافي في أوردته وشرايينه دفعني كي «أتحرش» بهذا الشاب قصد التعرف عليه، التقطت اسمه من أحد الحاضرين، ثم أومأت رأسي تجاهه وسألته: من أي المدائن أتيت؟ فأجابني على الفور: فلسطيني من بيت صفافا.
قلت آه.. انها القرية المشهورة التي شطرها خط الهدنة عام ١٩٤٨ إلى شطرين: الشرقي مع الأردن، والغربي مع إسرائيل، ولم يلتئم شملها إلا تحت نجمة داود عام ١٩٦٧!
واستمرت محاورتي بعدئذ معه.. فعلمت أنه من مواليد الدوحة، وملتحق باحدى الكليات الجامعية، ولم يزر فلسطين المحتلة.. واسترسلت في أسئلتي.. ولم يسترسل هو في أجوبته كما ينبغي وهذا دليل على خواء فكره.. وشيئاً فشيئاً بدأت تتكشف أمامي أبعاد جهل هذا الشاب - وكثيرون مثله طبعاً - بأبسط قواعد الوطنية وأهمها، ولما عجز عن معرفة أية معلومة عن مدينتَيْ خان يونس ورفح، سألته إن كان يعرف موقع قطاع غزة بالنسبة إلى فلسطين فقال بدهشة: ولو.. يا أستاذ.. قطاع غزة يقع في الضفة الغربية!

صعقتني الإجابة وتمنيت أن تكون في رأسي عدة خصلات من الشعر حتى أجتث إحداها «شاجباً مستنكراً  ومندداً»، لكنني كظمت غيظي وسألته عن كيفية وصوله إلى هذه الإجابة «النموذجية»، فقال: لأن أجهزة الإعلام تقرن دائماً الضفة الغربية بقطاع غزة المحتلين!!
ولما سكنت رياح الغضب في نفسي. صرت أشرح له ما غمض عليه من قضايا الوطن.. وتمنيت أن لا تكون شهادة  الميلاد هي الوثيقة الرسمية الوحيدة التي تثبت انتماء  الإنسان إلى الوطن أي وطن..!.

الجهالة الفاضحة

دفعتني الحادثة «الجهلوية» السابقة. لتذكر حادثة أخرى أكبر حجماً.. وأشد هولاً.
الزمان: الساعة الثامنة والربع من صبيحة أحد أيام شهر يناير من عام ١٩٦٧.. عام الهزيمة المشهودة.
المكان: مدرج (حـ) بكلية دار العلوم/جامعة القاهرة.
كنت يومئذ طالباً في السنة الرابعة بالكلية وأستمع مع زملائي وزميلاتي للدكتور علي.. «ولن أكمل بقية أسمه اتقاء لرذيلة الغيبة» (يرحمه الله) وكان يناقشنا في أبيات من قصيدة للشاعر الجاهلي «أوس بن حجر» في وصف الفرس وبالتحديد قوله:

   من المُسْبطرَّات الجياد طمرَّةٌ                لجوجٌ هواها السَّبْسَبُ المتماحلُ   

 
وحدث أن أحد الزملاء المصريين جاء متأخراً عن موعد المحاضرة الأولى، فوقف عند الباب طويلاً ينتظر الإذن بالدخول.. التفت إليه الدكتور وقال: لماذا تأخرت يا عين أمك، أين تسكن ياجدع؟ وعندما أجابه الزميل بأنه يسكن في حي شبرا.. قال الدكتور: طبعاً سوف تقول بأن زحمة المواصلات هي سبب تأخيرك - يا رجل.. أما تستحي على نفسك وتأتي مبكراً؟ ألم تسمع نشرة الأخبار اليوم؟ ألم تعلم بأن الأمطار الغزيرة قد أدت إلى فيضان وادي غزة مما أدى إلى عزلها عن باقي المدن، لكن ذلك لم يمنع زملاءك من أبناء غزة من الحضور إلى الكلية مبكرين.. وها هم يجلسون أمامي في الصف الأول؟!
وركز الدكتور نظره علينا.. بينما أخذتُ وزملائي نتلفت عن أيماننا وعن شمائلنا في حيرة وذهول.
وقبل أن نفيق من دهشتنا قال الدكتور: على فكرة «أنتم وصلتم إزاي»؟
فأجابه أحدنا في ظرف وخبث: لقد اجتزنا الوادي بمركب صغير!!
وبعد انتهاء المحاضرة علق الطالب نفسه قائلاً: يبدو أن الدكتور علي مازال يعيش مع «الدكتور» أوس بن حِجْر في العصر الجاهلي!
ورحم الله الشاعر عمرو بن كلثوم القائل في آخر بيت من معلقته المشهورة:


  ألا لا يجْهلَنْ أحدٌ علينا                 فنجهلُ فوق جهل الجاهلينا

  ولا نامت أعين الجهلاء!


مجلة أخبار الأسبوع ٢٠ فبراير ١٩٨٨م

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد