النخلة  |  عائلة الأغا



الرئيسة / في ذمة الله / الشيخ كمال سعيد حمدان فى ذمة الله(مقال بقلم السيد عاصم كمال)

الشيخ كمال سعيد حمدان فى ذمة الله(مقال بقلم السيد عاصم كمال)


سألوني : لمَ لم أرث أبي

 بقلم/ عاصم كمال سعيد الاغا
30-01-2008

           عاصم كمال الاغا

 

 


 

سألوني : لمَ لم أرث أبي
******

سماحة الشيخ كمال الاغا
1920-2007

 

مفسر أي الله بالأمس بيننا             قم اليومَ فسر للورى أية الموت


لقد صعقت القلوب، وجمت النفوس، وانقبضت الصدور، واحتجب الدمع في المآقي يوم 4/12/2007 نم يا شيخنا قرير العين مع المجاهدين

 الأبرار. أه لقد كنت باراً بابناء المسلمين وشعب فلسطين أينما كنت وإينما حللت. أما نحن فلا نستطيع أن نفي صفحة من صفحات جهادك الطويل حقها من الوصف. ماذا نقول في شيخنا الجليل، لكن مالي اتكلم عن أمور يعلمها الله وعلم الناس بها أو جهلهم أياها، ما لقلمي لا يتحرك. أأكتب عن رجل عشته أم أن هناك من هو أحق مني في الكتابه عنه؟ أأكتب عن سياسته، واسع خبرته وجدير حنكته في الدنيا ومسائل الدين بعد أسابيع من موته. ابتليت فيها بأشد ما يبلى المرء من محن آلا وهي فقد الأباء بعد هذه الأسابيع هجرت القلم.


سألوني : لِمَ لم أرث أبي ؟                 ورثاء الأب دَيْـنَ أيُّ دَيْــنْ
أنا مَنْ مات، ومن مات أنا                 لـقي المـوت كِلانـا مرتيـن
نحن كنا مهجةً في بدن                     ٍ ثم صرنا مُهجـةً فـي بدنييـن


نعم مات شيخنا ولكن مبادئه لن تموت وستعيش عظاته ودروسه وأقواله ونفسه الأبية مادام في الكون حياة ووجود.
نبكيك يا والدي وتبكيك المساجد وقاعات المحاكم والمنابر التي كنت تلقى جواهر الحكم وأيات التسامح والدعوة لوحدة الصف المسلمين والشعب الفلسطيني، فيتردد صداها وقد تعطلت هذه الدعوى اليوم هل ستبقى معطلة ؟
ولد شيخنا في الفاتح من شهر يناير العام 1920م بمدينة خان يونس، تلقى العلم والرعاية على يد والده الشيخ المجاهد سعيد حمدان الذي ألحقه في سن مبكرة "الخامسة عشرة" في الجامع الأزهر ليتلقى شيخنا العلوم الشرعية والمحاضرات في الدين واللغة العربية على يد كبار الأساتذة والمشايخ. كان شيخنا يعتز بهم ويقدرهم أيما تقدير. مكث شيخنا في الأزهر قرابـة العشرة أعوام، حصل بعدها على إجازة في القضاء الشرعي والشهادة العالمية التي لها شأن ووزن كبير، وكان الملك موقعها بنفسه ويستحق حاملها لقب "الشيخ" وحصل شيخنا على "تخصص المادة" التي قدم بها رسالة حصل بها على شهادة العالمية "درجة أستاذ في كلية الشريعة "، تخصص المهنة في كلية الشريعة تخصص القضاء وفيها يعد طلبة العلم قضاة شرعيين بما يلزمهم من دراسات معينة في أصول القضاء والمرافعات والإجراءات والإثبات ونحوها. هو ابن بار لتكوينه الأزهري قوي، متمسكاً بإصول دينية شكلاً وموضوعاً. كان الشيخ متمسك بزيه الأزهري الأصلي، بجبته وعمامته الجميلة على طريقة أهل الشام. حفظت عنه رائعة شوقي الرائية في تمجيد الأزهر وطلابه:


قم في فم الدنيا وحيَّ الأزهرا                  وانثر على سَمْع الزَّمان الجوهرا
واخشع مليَّا، واقضي حق أئمة                    طلعوا به زُهراً، وماجوا أبحرا
كانوا أجل من الملوك جلالة                           وأعز سلطانا، وأفخم مظهراً
يا معهداً افنى القرون جداره                        وطوى الليالي ركنه والأعصرا
يا فتية المعموِر، سار حديثكم                             نَّدا بأفواهِ الركاب وعَنَبرا


نظمها أحمد شوقي في العام 1924م بعد ان رأى والدي النور بأربع سنوات.
والأزهر هو "المنجم" الفذ الذي تستخرج منه كنوز العلم ويتخرج فيه العلماء على مستوى العالم الاسلامي كله، وفي رحابه يلتقي طلبة العلم شرقه وغربه من الأمة الإسلامية عربها وعجمها. لذا قلما نجد بلداً إلا وللأزهر فيها وجود بسبب خريجيه، يقول رسولنا "ص" أن العلماء ورثة الأنبياء وفي المأثور صنفان من الأمة إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: الأمراء والعلماء والإمام الغزالي يرى أن فساد المجتمعات تفسد بفساد ملوكها، وحكامها، وهؤلاء يفسدون بفساد العلماء وذلك لحبهم للدنيا ونسيان الأخرة.
كنت أسمعه يردد كثيراً الحديث الشريف لاتزول قدما ابن أدم يوم القيامة حتى يسأل عن خصال أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن عمله، ماذا عمل به.

تدرج شيخنا في الوظائف القضائية والدعوية والافتاء، فعمل بمحكمة يافا الشرعية بعد نكبة فلسطين عام 1948 غادرها مهاجراً. تقلد العديد من المناصب وأسس دور القضاء "المحاكم" ولجان الزكاة في قطاع غزة، وكان رحمه الله مشاركاً بفاعلية في العمل الإسلامي فكان إلى جانب تقلده للمناصب الإسلامية كان عضواً بالمجلس الإسلامي الأعلى وعضواً في مجلس الإفتاء الأعلى بالقدس وعضواً بمحكمة الاستئناف العليا الشرعية ورئيسها ونائب مفتي القدس والديار الفلسطينية، وغيرها من المنصب التي تقلدها وبرزا فيها.
يعد الشيخ علماً ومرجعاً شرعياً بكل ما تعنيه الكلمة من معان سامية أنه لمن الصعب تماماً أن نشير ولو مجرد إشارة إلى كل أبعاد حياته الفكرية في هذه العجالة لإننا أمام طراز ممتاز من الرجال، فهو الرجل الدعوة، والدين والقضاء، لم يرتض لنفسه أن يكون محصوراً في النطاق النظري والخطابي بلَّ تعدى هذا النطاق بحيث تعداه إلى أبعاد العمل الاجتماعي نحن أمام رجل ترك لنا حياة مليئة بالمواقف والعبر ذات المضمون الذي نحتاجه وما أشد حاجتنا إليه.
كان شيخنا كمال "أبا ياسر" رحمه الله شديد العقيدة الدينية وكان يفتخر بانتسابه إلى رهط الأزهريين وهو الذي تخرج من أزهره وحمل عالميته وتخصص في القضاء الشرعي.
ليس من السهل أن ينعت المرء في فلسطين بإجادة الخطابة ففي فلسطين قوم أنزل الله البلاغة على قلوبهم وأجرى الفصاحة على ألسنتهم، لكن شيخنا استوفى شروط الخطابة، واتقن صوغ العبارات، واجتناب اللحن، وسلامة النطق، واكتمال الصوت ،وحسن الوقفة، وقوة العارضة، والمقدرة على الارتجال في المحافل وعلى المنابر كان يدرك نفسية من يخاطبهم ويصل إلى مخادع قلوبهم وعقولهم.
عاش شيخنا نذيهاً ولم يستطع أحد أن يلصق بسمعته غباراً من تهمة في نزاهته، ولم يكن المال عنده من قيمة سوى أنه الوسيلة لقضاء واجب، أما حب المال أو السعي له لذاته فقد كان أبعد شئ عن خاطره وكان في أحكامه وهو قاض لايبغي سوى العدل والإنصاف فلم يطل به المقام حتى برز بين أقارنائه وصار يشار إليه بالبنان.
في معيشته كان قدوة ومثالاً للجميع، ولقد كانت والدتي رحمها الله عون له في حياته وسراً أخر من أسرار توفيقه وفلاحه.

والدى ! المتصدرون للزعامة في الدنيا أكثر من أن يحصوا وما أن يسلم لهم الشعب أمر قيادته لايتجاووزن في كل عصر عدد أصابع الكف. والشعب في صمته وكلامه وقعوده وقيامه يرتجي من زعمائه الكثير ويعقد عليهم أمالاً كبيرة ويحملهم أعباء جسام ويسلمهم زمامه، ولايسلم إلا إلى من يثبت اخلاصه، وتجلت مقدرته وكفائته. يا والدي أذكر جيداً يوم ألمت بنا أحداث مسجد فلسطين الدامية المأسوية في غزة، جمعت القوم في منزلنا داعياً الجميع أن يجعل الدم الفلسطيني خطاً أحمر ووجهت لهم الدعوى لتوحيد الصفوف لأن الأعداء يتربصون بنا. وذهبت يا والدي في نفس الليلة أنت ونفر ليس قليل إلى مقر الرئاسة في المنتدى، واجتمعت مع الرئيس عرفات شارحاً خطورة الأمر وبعد ذلك طلبت أن يشكل اجتماع عاجل يضم الفاعلين من أبناء شعبنا وقواه الوطنية والإسلامية وخاطبتهم مركزاً على أهمية وحدة الصف وعدم التفرق والتمسك بالوحدة الوطنية، وحرمة الدم الفلسطيني لأن في التفرق ضعف وكان لدورك وآخرين أن تم تدارك الأمر في حينه.
كانت فلسطين يا والدي شغلك الشاغل تطرحها أمام الجميع منادياً لنصرتها وطالباً الدعم لإبنائها.
ظللت يا والدي قبلة الأنظار وحبيب الناس إلى أن توفاك الله، كنت شجاعاً جرئياً لو أنك أنتظمت في العمل العسكري، لكنت قائداً والناس يحبون يا والدي الشجاع ويجلون قدر الجرئ، فكانت الشجاعة مكملة لصفاتك كنت إذا استقر في ذهنك أمراً جاهرت به، لا تخشى في الله لومة لائم، وكنت مثالاً للنشاط والاجتهاد، لاتعرف الملل، ولا يدركك التعب. حياتك حافلة بالعمل مذ كنت يافعاً وطالب علم وقاضياً وأماماً وخطيباً ومفتياً ومفسراً لآيات الله.
فيا أيها الراحل الكبير الذي كان الطريق إلى بابك واسعاً أمام الكثيرين من أبناء شعبنا. يا من جمعت بين الجمال والإجمال، فحزت مرتبة الكمال.
أتقدم اليوم بكل هذا لاذكرك بما فيك من مأثر وأطاطئ الرأس إجلالاً لذكراك.


ولـــدك
عاصـم


 

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك