مقالات

الحريق المسكوت عنه إشهار «جبهة مكافحة الغيبة والنميمة» كتب- أ. نبيل خالد الأغا أبو خلدون

الحريق المسكوت عنه إشهار «جبهة مكافحة الغيبة والنميمة»
نبيل خالد الأغا ــ الدوحة

- آفات خطيرة تنهش في قلوبنا وصفوفنا، تغذيها نفوسنا الأمارة السوء، وشياطين الإنس والجن.
- لماذا نتجاهل ونتغابى عن تحذيرات القرآن والسنة بشأن مخاطر الغيبة وأخواتها؟! - لماذا تروج وقائع الغيبة والنميمة والبهتان بين الأقرباء بشكل خاص؟
- متى تنتابنا الشجاعة فنعتذر لمن أخطأنا في حقهم وننال مسامحتهم قبل أن يباغتنا الموت؟
- لماذا يتلذذ الكثيرون بأكل لحوم إخوانهم في شتى المناسبات ولن نستثني مجالس العزاء وصالونات السياسة؟
- قال تعالى :«ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا»
- اشهد الله تعالى أنني لن أتعامل مطلقاً مع هذه البضاعة الفاسدة. الغيبة، النميمة، البهتان، الافتراء، المراءاة، النفاق، الكذب، التجسس، الإفك .. الخ.
منظومة طويلة من الأمراض الخبيثة المستعصية الواغلة في أعماق أمتنا العربية ,وبرغم التحذيرات القرآنية والنبوية الشديدة الوضوح من عواقبها الوخيمة، إلا أننا نحن العرب والمسلمين بشكل خاص نتجاهلها ونتعامى عنها ثم نمارسها بلهفة ولذة وغباء !
وهذه الأمراض لا تقل خطورة عن الأمراض العادية التي تصيب الإنسان في جسمه . وهأنذا أقرع بعنف جرس الانذار محذرا من نتائج هذه الحرائق المهلكة المسكوت عليها والتي تفتك في نسيجنا الاجتماعي بدون ضجيج إعلامي، فأعلن من خلال هذا المنبر الحر إنشاء «جبهة مكافحة الغيبة والنميمة».

أسأل الله سبحانه الثبات والسداد ومرحبا بتجاوب ومساندة كافة الكرماء الراغبين في هذا العمل التطوعي الرائد والله المستعان. تعريفات وأبدأ مستأنسا بحديث عظيم الأهمية لحبيبنا الأحب صلى الله عليه وآله وسلم، رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :«إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفِّر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإذا اسَتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا».

الغيبة:عرفها الرسول في حديث نصه: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك اخاك بما يكره، قيل: افرأيت ان كان في أخي ما أقول؟ قال: ان كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته (أي افتريت عليه».
والغيبة هي ذكرك أخاك المسلم الحي أو الميت بما يكرهه لو سمعه كأن يقول المغتاب: فلان بخيل ، ، أو ثيابه رثة، او تحكمه امرأته ,ونحو ذلك. وكلنا قرانا قول الله تعالى في سورة الحجرات :«يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منه، ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن، ولا تلمزوا «تطعنوا» أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون» اية 11 .

وكنا نظن ان النساء هن الأكثر حملا لهذه الفايروسات الخطيرة، ولكن ثبت ان الرجال ايضا مشاركون في هذا الشأن ولا حول ولا قوة الا بالله العظيم، والآية التالية في سورة الحجرات تشهد تصورا بليغا ومؤثرا لممارسي رذيلة الغيبة :«يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم، ولا تجسسوا ولايغتب بعضكم بعضا ايحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه، واتقوا الله ان الله تواب رحيم» آية 12 .
وقد مثّل الحق جل جلاله الغيبة بأكل «الميتة» والمقصود ميتة الأخ المسلم بكل ما فيها من المرارة والشناعة والتقزز، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما ان الحي لا يعلم بغيبته ولا من الذي اغتابه، وبالتالي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، مثله مثل الميت إذا قُطع لحمه وأكل.

الغيبة .. تهدم صروح الصداقة: ويخدع ممارس الاغتياب نفسه، حين يتصور انه بغيبته للناس يستر عيوبه، ويضر من اغتابهم وما يعلم ان أضرارها ترتد عليه، فالمغتاب ظالم، والمتكلم فيه مظلوم ويوم القيامة يوقف الظالم والمظلوم بين يدي الحكم العدل، ويناشد المظلوم ربه لإنصافه ممن ظلمه فيعطي الله المظلوم من المغتاب الظالم حسنات أو يضع من سيئات المظلوم فيطرحها على المغتاب ,وان من أعظم الحسرات أن ترى يوم القيامة طاعتك في ميزان غيرك. والإنسان محاسب عن الحصاد المر للسانه، وما يصدر عنه من أقوال سيئة، فاللسان كما يقولون ترجمان القلب والمرء قد يستسهل اللفظ فيطلق للسانه العنان فيشتم هذا ويلعن هذا ونسي قوله تعالى «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد». ومن جملة فضائله تبارك وتعالى أن جعل باب التوبة مشرعا لمن توافرت لديه نية التوبة النصوح وذلك في قوله تعالى في نفس السياق القرآني «واتقوا الله ان الله تواب رحيم».

المِراء: عرّف العلماء المراء بأنه طعن الانسان في كلام غيره لاظهار خلله واضطرابه لغير غرض سوى تحقير قائله واظهار مزيته عليه وان كان المماري على حق لأنه لا يقصد من ورائه الا تحقير غيره والانتصار عليه. وفي هذا الصدد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنة (أسفلها) لمن ترك المِراء وإن وان كان مُحِقًا ».

البُهتان: تدور معاني البهتان في اللغة حول الكذب والافتراء والباطل, والبهتان كذب يبهت صاحبه ويدهشه ويحيره لفظاعته بل هو افحش من الكذب واذا كان بحضرة المقول فيه كان افتراء. وورد البهتان بعدة معان في القرآن الكريم ومنها:

  • الكذب: قال تعالى «سبحانك هذا بهتان عظيم» (النور-16)،
  • والثاني: الزنا ومنه قوله تعالى «ولا يأتين ببهتان يفترينه» (الممتحنة-12).
  • والثالث: الحرام، ومنه قوله تعالى «أتأخذونه بهتانا واثما مبينا» (النساء-20).

الغيبة المباحة: ليست الغيبة محرمة على اطلاقها فالشرع أباح المجاهرة بها وبأي سوء اقترفه ظالم بحق انسان مظلوم. قال تعالى في هذا الصدد «لا يُحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم وكان الله سميعا عليما..» (النساء-148).

ومن حق المظلوم ان يشرح ظلامته للقاضي أوالحاكم او ممن ترجى نجدته ومساعدته على ازالة الظلم ولا حرج عليه في هذه الحال , لأن الله تعالى لا يحب لعباده ان يسكتوا على الظلم وفي الحديث المرفوع «إن لصاحب الحق مقالا».

وقد تكون الغيبة واجبة عند التحذير الشرعي من انسان فاسق كمثل التاجر الذي يغش في معاملاته او تحذير صاحب العمل من موظف خائن ,كما تجوز غيبة المسلم في حال النصيحة البحتة فإذا سألك سائل عن رأيك في فتاة يريد خطبتها فواجبك ان تنصحه بما تعرفه عنها وعن أهلها اذا كانوا غير اسوياء. كما تجوز الغيبة اذا جاهر الفاسق بفسقه ومعصيته متحدثا عن غزواته الغرامية ومعاقرته للخمور أو غير ذلك. هذا وبالمقابل فإن من واجب المسلم ان يرد الغيبة عن اخيه اذا كان الأخ مستقيما في حياته مطيعا لربه. قال الرسول عليه الصلاة والسلام :«منْ ردّ عن عرض اخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» لكن هذا الصنف من الرجال او النساء نادر الوجود في هذا الزمان الرديء.

ما السبيل للخروج من المستنقع؟ ان القواعد الاخلاقية المستمدة من الأديان السماوية الثلاثة: الاسلام والمسيحية واليهودية تدين الغيبة وأخواتها بكل أطيافها, اذن ما السبيل الامثل للخروج من هذا المأزق ؟ لا بد من توافر المقومات الآتية:

  • أولا: توافر النية والعزيمة الصادقة على التوبة النصوح .
  • ثانيا: هجر مجالس وصالونات الغيبة استهداء بقول الحق تبارك وتعالى :«واذا سمعوا اللغو (فحش الكلام) اعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين» (القصص-55).
  • ثالثا: قرار التوبة بحاجة الى «مجاهدة» النفس وقمعها ومغالبتها حتى تكف عن ايذاء الآخرين.
  • رابعا: الابتعاد عن «اصدقاء» السوء وهم في حقيقتهم ليسوا اصدقاء بل هم أعوان لشياطين الجن.. يوسوسون.. يشجعون يصبون النفط على النار..وفي النهاية يصفقون على النجاح !
  • خامسا: الآباء والأمهات عليهم مسؤولية كبيرة ,فإذا كانوا يمارسون هذه الرذائل ولم يقلعوا عنها فعليهم الا يورثوها لأبنائهم ,واذا فعلوا ذلك ولم يتوبوا فقد تضاعفت ذنوبهم.
  • سادسا: الالتزام بحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم «من صمت نجا». إذن الصمت.. الصمت.. انه العلاج الفعال المضمون النتائج، وقد قيل ان للصمت سبع فوائد: عبادة من غير عناء، زينة من غير حلي، هيبة من غير سلطان، حصن من غير حائط، استغناء عن الاعتذار، راحة لكرام الكاتبين من الملائكة وأخيرا ستر لعيوب الجهل.
  • سابعا: الانسحاب من الأماكن التي تزرع وتحصد فيها الغيبة والاستعاضة عنها بمجالس الذكر ومجالسة العلماء ومصاحبة الأبرار وقراءة القرآن والكتب المفيدة اضافة الى الاستغفار والتسبيح.
  • ثامنا: الاستئناس بحكمة ابن تيمية رضي الله عنه التي يقول فيها :«اذا وجد العبد تقصيرا في حق القرابة والأهل والأولاد والجيران والاخوان فعليه بالدعاء لهم والاستغفار».


وأخيرا فعلينا جميعا الاهتداء بالآية الكريمة التي جمع الله فيها مكارم الاخلاق بقوله تعالى «خُذْ العفوَ وأمر بالعُرْف (المعروف) وأعرض عن الجاهلين» (الاعراف-199).

ولمن يودون الاقلاع عن الذنوب والمعاصي بشكل شمولي نرشدهم لقول الحق تبارك اسمه :«وإني لغَّفار لمن تابَ وآمن وعمل صالحا ثهم اهْتدى» (طه-81).

وإني وتا الله لأعجب وأستهجن من اولئك الذين يحمدون الله ويستغفرونه ويسبحونه بألسنتهم ثم يدنسون تلك الألسنة بالغيبة والنميمة والكذب والمراءاة ! النجدة.. النجدة يا أهل الهمة والنخوة لن نخدع أنفسنا.. فالغالبية العظمى واقعة في اتون هذا الحريق الملتهب ,وليس في الأفق ما يبشر بنهاية قريبة لاطفائه , ولكننا من خلال هذا النداء نعمل على حشد الامكانات المتاحة للحد من انتشاره وتقليل التعاطي معه.. وأكرر ما سبق اعلانه في بداية هذا المقال باشهار «جبهة مكافحة الغيبة والنميمة» على مستوى الوطن العربي والاسلامي بشكل عام. لست واهما ولا حالما.. بل انسان متفائل وواثق بأن الله تبارك وتعالى سيوفقنا لما نصبو اليه بحسن نوايانا ونبل اهدافنا.

ولتجسيد القول الى عمل , فاني اشهد الله وملائكته انني لن اتعامل بهذه البضاعة المحرمة ما استطعت الى ذلك من سبيل , وقد سبق لي في مقال سابق ان اشهدت الله انني قد سامحت وعفوت عن كل من ظلمني بقول او فعل ,ورجوت ان يسامحني كل انسان أسأت اليه , فاستراحت نفسي والحمد لله . وبما ان اليد وحدها لا تصفق فإنني اناشد القراء الفضلاء ان يعزموا فورا بترك الغيبة واخواتها , واناشد كافة مكونات المجتمع لمؤازرة الفكرة ومباركتها واخص الجامعات والمدارس والمعاهد ووسائل الاعلام المختلفة والجمعيات الخيرية والآباء والأمهات وكل من يهمهم الامر.

وكم سنكون سعداء اذا استعضنا الاوقات الكثيرة الثمينة التي نغتاب وننم ونرائي فيها ، ببدائل مفيدة ننتفع بها في توحيد صفوفنا ,ولم شعثنا , وبذل كل ما يقربنا الى الله تعالى وهو سبحانه من وراء القصد والهادي الى سواء السبيل.

وصل اللهم وسلم على حبيبنا الاحب صلى الله عليه واله وسلم بعدد ما في علم الله صلاة دائمة بدوام ملك الله .

نبيل خالد الأغا ــ الدوحة
[email protected]

ملحوظة: نشر هذا الموضوع موسعا في صحيفة الوطن القطرية يوم الجمعة 10/4/2013، وهذا مختصر له.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد