متفرقات

موت أبننا علي محمد سالم رحمه الله موعظة وعبرة- كتب : أ. محمد سالم الأغا

بسم الله الرحمن الرحيم

" إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " صدق الله العظيم كثيرة هي المواعظ والعبر التي تمر بنا وتواجهنا في حياتنا، وللأسف عند لحظة حدوثها لا نلقي لها بالاً، وعندما تضع " إرادة الله " النقطة فوق الحرف ... لا يسعنا يا كرام إلا أن نقول : ما شاء الله كان ... وما لم يشأ لا يكون ولن يكون إلا بإرادته وحوله وقوته... وهذا يأخذنا إلي حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي رواه أبن عمر رضي الله عنهما : " مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلا الله ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ ".

وفي وفاة أبننا " علي محمد سالم علي " أبو محمد "رحمه الله، عبر ومواعظ كثيرة أذكرها لكم للعلم وأخذ العبرة والموعظة الحسنة منها وأول هذه العبر فقد قال لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً " ...
فقد جاءني رحمه الله ليطمئن علينا كعادته قبل وفاته بأسبوع تقريباً وتحدثنا كثيراً في أمور حياتنا وقال لي يومها: أن جامعة الزقازيق تنوي إقامة مؤتمر علمي حول " القضية الفلسطينية في ضوء المتغيرات الحالية " حيث كان رحمه الله يحرص علي حضور كل المؤتمرات التي تعتني بقضينا الفلسطينية فشجعته علي حضوره، وعندئذِ بادرني قائلاً: أنوي أن أخذ معي زوجتي وأولادي، فابتسمت وقلت له : خذهم وأبسطهم وفرحهم ... اليوم يمكنك أن تأخذ ولادك معك أيما وقت تشاء ...
بكرة لما يروحوا المدارس، لا تستطيع أن تأخذهم وقتما تشاء، بل سيفرضون عليك أن تأخذهم في العطلات الرسمية الشتوية أو الصيفية ...
فأبتسم رحمه الله وقال: كلامك صحيح ، أنا نويت أن أسافر السبت القادم لأن مؤتمر " القضية الفلسطينية في ضوء المتغيرات " سيكون يوم الأثنين "، وأخذ رحمه الله يُجهز أوراقه و أجازته وأمتعته ...
وبعدها بيومين شاءت أرادة الله أن يُستهدف المناضل أحمد الجعبري بالاغتيال مساء الأربعاء 14/11/2012، و يعلن عن يوم الخميس اجازة رسمية بمناسبة رأس السنة الهجرية الذي صادف اعلان استقلال الدولة الفلسطينية 15 نوفمبر، فأتصل بي في التاسعة مساء وأخبرني: بأنه علي ضوء المتغيرات التي حدثت علي الساحة الفلسطينية فأنه ينوي تبكير سفره ليكسب يوم الاجازة ومخافة أن يُغلق معبر رفح بين الجانبين الفلسطيني والمصري تحسباً من انعكاس جريمة اغتيال الشهيد البطل أحمد الجعبري علي أوضاعنا الفلسطينية، وأخبرني ليلتها أنه سيغادر بيته في تل الهوي بمدينة غزة، صباح الخميس ويترك أمر دخوله أو عدم تمكنه من السفر لرب العالمين ...

وفي صباح الخميس توجه إلي معبر رفح البري وفي التاسعة إلا قليلاً حدثته لأطمئن عليه، فقال لي: نحن الآن نقف علي البوابة للمعبر ننتظر فتحها، وبعدها بثلاث ساعات حادثته كما الأولي، فطمئنني أنه خرج من صالة المغادرين ويبحث عن سيارة لتقللهم للقاهرة، وفي الخامسة مساء تقريباً عاودت الاتصال به كي أعرف أين وصلوا ؟ فطمأنني أنهم في شارع 26 يوليو وأنهم بعد دقائق سيصلون فندق الأمبسادور حيث حجزوا لأقامتهم... والعبرة من سردي لكم هذه التفاصيل هي: أن رحلات علي رحمه الله العديدة لجمهورية مصر العربية أغلبها، كانت طويلة الوقت والإرهاق والمعاناة ، أما رحلته هذه فكانت أيسرها وأقلها وقتاً... سبحان الله . وبالتمعن والتبصر بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي رضي الله عنه : " إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً أَوْ قَالَ بِهَا حَاجَةً "، ولقد رأينا، كيف يسر الله لأبننا " علي محمد سالم" رحمه الله أن يأتي ويسافر للقاهرة ويموت فيها في نفس الوقت التي كان يموت فيها أبناء شعبنا الفلسطيني في بيوتهم ويستشهد صحافيونا حرقاً في شوارعنا بعدما تم استهدافهم بشكل مباشر من الطائرات الحربية الإسرائيلية في وضح النهار، لتكون لنا من هذه الأحداث ومن قول رب العالمين " وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ" عبرة وموعظة يا كرام .

فلنأخذ العظة والعبرة من آيات رب العالمين ومن أحاديث سيد الخلق أجمعين محمد صلي الله عليه وسلم وليحرص كل منا علي تقديم ما ينفعه يوم لا ينفع " مالٌ ولا بنون "، وليستعد كل منا للموت الذي منه تفرون بعد بسم الله الرحمن الرحيم " قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " صدق الله العظيم .

وأخيراً تبقي لي كلمة، بأن أحمد الله الذي هداني الي الصبر الجميل لأذكر نفسي وأذكركم بهذه الآيات والأحاديث التي ذكرني بها موت أبننا " علي محمد سالم " الذي خرج من أرضه المباركة، و وطنه فلسطين ألي ارضنا المصرية الشقيقة العزيزة علينا، الذي كتب الله سبحانه وتعالي له ليموت فيها بسم الله الرحمن الرحيم " قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ " . صدق الله العظيم فالحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولله الحمد .

• كاتب وصحفي فلسطيني
• m.s.elagha47@hotmail.com

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. محمد سالم علي حمدان الأغا

اظهر المزيد