مقالات

الشاعر سليم رشيد الخوري- كتب أ. محمد سالم الأغا

فلسطين في شعر الشعراء العرب- الشاعر القروي : سليم رشيد الخوري- 1887 ــ 1984

كتب : محمد سالم الأغا *
لقد أشغلت فلسطين ولا زالت حيزاً كبير من وجدان وتفكير الشعراء العرب منذ ظهور النوايا والأطماع الصهيونية الاستعمارية في أوائل القرن الماضي، وحتي اليوم، ومن هؤلاء الشعراء العظام، الشاعر العربي سليم رشيد الخوري الملقب بالشاعر القروي، وهو أحد شعراء القومية العربية، ولد في قرية البربارة من قري جبل لبنان الشقيق، ورحل مهاجراً إلى البرازيل مُبكراً عام 1913، وعاد إلي موطنه عام 1958، أي بعد 45 سنة قضاها مهاجراً في ديار المهجر كما كثير من أبناء شعبنا العربي الذين هجروا ديارهم من بطش المحتلين لأرضنا العربية، وقد عبر شاعرنا القروي رحمه الله عن هجرته وغربته قائلاً :

" بعد بلوغي هذا السن 45 عام، بتُ أُفضل قبراً في وطني علي قصر في غربتي "، فقد قضي رحمه الله معظم حياته في كفاح طويل، عمل في حقل التعليم وفي التجارة الحرة، كما أشتغل بالصحافة.

وعن شعوره الوطني يقول: " يا أمتي : أن مُكثراً، و يا وطني أنا مُكبرا.. اذا اقتطع ذئاب الاستعمار منه قطعة فكأنما اكلوا جارحة من جوارحي ..."، وعن العروبة قال رحمه الله : العروبة شعار الأمة العربية وروحها وشمس أوطانها ومهوي أفئدتها وملتقي ما تعدد من أقاليمها ولهجاتها، وإن قالوا : فشلت العروبة ..؟ قولوا : لقد عُوقت عن النصر إلي حين ... فأين كانت خيلهُا ؟ تعقد ألوية النصر، وكل حزب لا يولد من صُلبها، فهو دخيل عليها متربص بها، وهي كالبحر لا يشقه إسفين ... تضرب فيه العمود فيُشعل منه بقدر حجمه وهو به محيط، فما تنزعه حتى يتعانق الماء ويعود جسداً واحداً وروحاً واحده كما كان .
ومن شعر الشاعر القروي رحمه الله :
files/pictures/20140311_21_0135_0.jpeg
عش للعروبة هاتفا
بحياتها ودوامها
وامدد يمين الحب يا
لبنانها لشآمها
انظر إلى آثارها
تُنبيك عن أيامها
هذا التراث يَمُتُ مُعــ
ــظَمهُ إلى إسلامها.

وعلى الرغم من العديد من القصائد التي كتبها القروي في حبّ أمّه، وفي تمجيدها، فإنّه حين توفّيت أمّه عام 1954، لم يستطع أن يرثيها وحدها؛ فقد كانت المأساة الفلسطينيّة تملأ آفاق نفسه. فجعل رثاء أمّه رثاء للشعب الذي تشرّد عن أرضه، فقال:

كفى الميــت منّـا أن يُحَسَّ لـه فقد
أبعد هلاك الجمـع يفتقد الفردُ؟
أبعـد فلسطينٍ ينـــاح عـــلى فتى
وهل بقيت في مقلة دمعة بعدُ؟
بكائي على المليون أنضب أدمعي
فما أنا إلاّ النار والحجر الصّلد

وقد عًرف عن شاعرنا الكبير أنه مسيحي وطني يغار علي الاسلام ودافع عنه، كما كان حريصاً علي أن يكون لساناً لأمته العربية يُمجد نضالها ويدعو ألي التطوع في الجيش العربي لطرد الغزاة والمحتلين وفي أواخر 1947طبع ديواناً صغيراً ورصد رعه ــ برغم فقره ــ لنصرة شعبنا الفلسطيني، فأرسل له وزير الأوقاف المصري آنذاك حوالة بقيمة 200 حنيه مقابل نسخة واحدة من الديوان، فأعادها لفضيلته طالباً تحويلها ألي صندوق التبرعات لتسليح الجيش المصري، هكذا كان دائما القروي سليم رجلاً للبنان ورجلاً للعروبة ورجلاً للإسلام ورجلاً لفلسطين وعيناً ساهرة لأمته العربية بعدما كثرت النكبات والأحداث وأنبري شاعرنا للدفاع عن وطننا العربي الكبير ويشحذ همم الشباب العربي لنصرة قضانا العربية المصيرية ... ويقول :

ثِبْ يا شباب العربِ ثِبْ
مشتِ الشعوبُ وأنتَ نائم
ثِبْ فالعُلى نارٌ تأجج في
العروقِ وفي العزائمْ
ورِدِ المجــرَّة بالضراغِمِ
تحت أجنحة القشاعم

كما أتحفنا وقراء العربية بقصيدة بعنوان عيد البرية، يستحث فيها المسلمين والعرب لاستعادة مجدهم القديم منها، ويقرئ رسول الله صلي الله عليه وسلم سلاماته وحبه، كما دعي إلي التحاب والتآخي بين المسلمين والنصاري، خدمة لأوطانهم والشرق كله، فهتف رحمه الله :

يا فاتح الأرض ميداناً لدولته
صارت بلادُك ميداناً لكل قوي
يا قومُ هذا مسيحيٌّ يذكّركم
لا يُنهِض الشرقَ إلا حبُّنا الأخوي
فإن ذكرتم رسول الله تكرمة
فبلّغوه سلام الشاعر القروي

وكان لفلسطين نصيب وافرٌ من أنفاس القروي القومية, وتكاد لا تخلو قصيدة من قصائده من لفتةٍ إلى مأساتها, أو تمجيد لشهدائها, أو دعوة إلى تحريرها, أو نقمةٍ يصبُّها على مغتصبيها, يقول في قصيدته الدالية الشهيرة:

أشـــــــهيدا علقوا ام جرساً = رَنَّ فاهـــــــتز قَلبُ الوجــــودِ
كُلما استشـــــهدَ منا بطلٌ = هَتف الأجـــــدادُ أهــــلاً بالحفـــيدِ
وتَلقـــــى ابن زيــــادٍ روحَــهُ = بتهاليل الرضـى وابن الوليـدِ
فرأى "بلفور" فـــــي اصفادِهِ = يتلوى تحتَ أقدامِ الرَّشـــــــيدِ
وفـــؤادٌ وعطـــا الزيرُ وجَمجومٌ = يُهـــــوون عليــه بِعَـــمودِ
والأُلى استقوى بِهم لم يُغنهم = جَريُ أُسطولٍ ولا زَحفُ جُـنودِ
تَنبُذُ الجـــنَّةُ منـــــــهم مـائةً = كُلما احتل فلســــطينَ يَهـــودي

ولم تكن مشاعر القروي تجاه فلسطين حبرا على ورق, ولكنها انعكست على حياته الخاصة, وسلوكه اليومي, وأحاسيسه الخاصة, فهذه فتاة انكليزية باهرة الجمال تَتودَّد إليه فَيُعرض عنها, ويأبى الانجذاب إليها, لا لشكلٍ أو لون, أو لغة, أو دين, ولكن لأن قومها كانوا سببا في مصائب قومه, بدءاً بوعد بلفور, وانتهاء بتسليم فلسطين للصهاينة عام 1948م, فيقول لها:

لو لم تكونـــــي فرنجـــــــــية = لكنت سعادى قبل سُــــــعاد
ولكننـــــي عربـــي المني = عربـــيُّ الهوى عربي الفـــــؤاد
لعمــــــرك يا "مود" لولا ذووكِ = لما ميزَ الحبُّ بين العبـــــــاد
فَهم اوغروا بالعداء الصدور = وهُم أضرموا النارَ تحت الرمـاد
وإنّـــــي حرامٌ عليَّ هَـــــواكِ = وفــــي وطني صَيحَةٌ للجــــهاد

ومن قصيدته الدالية الآنفة الذكر التي أنشدها في العاشر من تموز سنة 1935 في (سانت باولو), في الحفلة التي أحيتها جمعية الشبيبة الفلسطينية لمناسبة مرور خمسة على إعدام الشهداء (فؤاد حجازي, وعطا الزير, ومحمد جمجوم), يقول:

هَدَّدتنا قُــــوةٌ غاشـــمةٌ = صَلتِ الحَقَّ بنـــارٍ وحّـــــديدِ
واستباحت قُدسَهُ جاعلةً = منزلَ الرَّحمـــــةِ داراً للقرودِ
يا فلسطينَ اندُبينا مَعَهم = فَلكَم ميتٍ وكَم حـــيٍّ شهـــــيدِ
وارتقب يا أيُّها المُزري بنـا = لَيـس يومُ البَعثِ مِنا ببعـيد

والشاعر القروي رحمه رحل عن عالمنا في السابع والعشرين من شهر اغسطس (آب) من عام 1984، رحل الشاعر القروي، رشيد سليم خوري بعد سبعة وتسعين عاماً من العمر، قضاها بين لبنان والبرازيل، مغرداً دائماً للعروبة بشعر يفيض وطنية وإخلاصاً لأمته العربية، وصادحاً بألحان إنسانية رقيقة ملأي بالعذوبة.

• كاتب وصحفي فلسطيني
• m.s.elagha47@hotmail.com

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. محمد سالم علي حمدان الأغا

اظهر المزيد