متفرقات

من شجرة الملتقى الى سدرة المنتهى

وجاء الاْثنين ,, الاسود (31/3/2014)
بطعم المر ,, جاء كالسهم المسموم ,, سريعا ,
ليفتح نافذة الاحزان في قلبي ,,
وكنت أظنها قد أغلقت منذ اخر فجيعة واخر مصيبة  ابتلي بها قلبي ..
يوم فقدت أخي وحبيب عمري ابراهيم ,,
رحمه الله ,, لكن الاْقدار كانت تخطط لفاجعة مماثله في ألمها وقسوتها ,,,
فقد هوى أخي وصديق عمري ’’ أبو نهاد ,,
هل كتب على أن أتجرع الحسرة على الاحبة كلهم ,,
فيأتيني الحزن كبيرا بحجم حبي لهم ؟

وهل أصبحت حياتي قيد الاْقامة الجبرية للاْحزان ؟؟؟,


أيها الغالي ,, يا أبا نهاد ,, رغم يقيني بأن الموت حق ,, وايماني المطلق بأن كل نفس ذائقة الموت ,,
الا أنني كنت ,,
أطرد فكرة الموت ’’
بمجرد أن تراود خيالي ’’لاْنني كنت أراك بما تملك من قوة الارادة و شدة العزيمة أقوى وأكبر من شبح الموت ,,
لاْن ثوب الموت لا يليق بك ,,,

وهنا تعود بي الذاكرة الى سنين طويلة خلت  أيام باكورة صبانا  ونحن نقوم بتمثبل مسرحية سيف الله المسلول – خالدبن الوليد—وكنت أنت من قام بدوره – ولا زالت تلك العبارة التي رددتها في اخر المسرحية – (لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها ,,وما في بدني موضع شبر الا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح ,, وها أناذا أموت على فراشي  رغم أنفي كما يموت البعير ,, فلا نامت أعين الجبناء ,,,) وكأنني كنت أسمعك ترددها في اخر زيارة لك في مستشفى فلسطين ,, وانا أعرف انك تلقيت في حياتك طعنات وضربات ,, ولم تكن حياتك كلها الا جهاد ,,  وقد أختارك الله بعد صراع مرير مع المرض ,, خضته بمعنويات عالية وايمان قوي ,, ورحلت واقفا كالاْشجار ,,ان أصعب اللحظات وأقساها على نفسي تلك التي وصلت فيها الى بيتكم في ثالث يوم لرحيلك ,, فقد كان الحزن والاْسى يظلل شارع مهدي عبد المنعم  بأكمله ,, ..ولم أستطع أن أداري دمعة حزن هزمت كل الصبر الذي اختزنته لمثل هذا الموقف ,,, ولم أكن أتصور كيف سأدخل بيتك ,, دون أن تستقبلني على الباب بالابتسامة والترحيب وعناق الاخوة الاحبة ,, حاولت أن أتماسك لكنني لم أستطع وانا أعانق العزيز نهاد ,,, كان المكان موحشا ,, لدرجة أن الحزن كان يلف المكان كله ,,وكل ما حولي يوحي بالذبول حتى الكلمات تتحشرج فأستعيدها من قاع التردد لتبقى على خيط الحياة ,,,كان المكان مزدحما بالمعزين ورغم ذلك كان موحشا وحزينا وهاهو المكان الذي تعودت أن تجلس فيه ,, وهذه صورة حبيبكم مهند على يساركم ,, بابتسامته البريئة الوضاءه ,,  

  وأظن وصيتك قد نفذت وضممته الى صدرك بعد فراق طويل ,, لم تكن الاْشاء في البيت كما عهدتها ,, وتسائلت ,, هل تحزن الاْشياء على أصحابها ؟؟؟؟

لقد اجتمعت فيك ايها الغالي ,, صفة النبل وحب الخير لكل الناس الذين عرفوك وعرفتهم بل وكل من لا يعرفك ,, كما اجتمعت فيك ايضا كرامة النفس والوقوف بثبات عند الحق ,
واذا اجتمعت تلك الخصال في أي انسان ,, ورحل عن هذه الدنيا .. فيكون قد تركها وهي احسن مما وجدها ’’ وفي هذا عزاء لنا , وانه لعزاء يليق بك وبشخصك , وهنا أجدني أردد عبارة خالدة لاْستاذنا مصطفى صادق الرافعي اذ قال ( اعمل عملك يا صاحبي , فان لم تزد شيئا في الدنيا كنت أنت زائداعليها ,, وان لم تدعها أحسن مما وجدتها فما وجدتها وما وجدتك ) ’’’

وأنا كما عرفتك أشهد أنك تركت الدنيا أحسن مما وجدتهاولم تكن الظروف,,وأستطيع القول بكل ثقة , أنك قد رحلت عن هذه الدنيا وأنت زائدا فيها ’ ولم تكن زيادة عليها , وتركتها أحسن مما وجدتها , والاْن وفي هذه اللحظة أستطيع أن أحدد ثلاثة وجوه لفقيدنا الغالي , هذه الوجوه هي التي جعلت صداقتنا اضافة الى القرابة تمتد حتى الاْن وأظن أنها ستستمر حتى بعد الرحيل ’’

فالذكريات باقية ما دام في القلب نبض وفي الروح وميض ,,أما الوجه الاْول ,, فهو حبك وتفانيك فيما يخص العائلة ,, فقد كانت غيرتك على العائلة ومصلحتها وسمعتها من أهم أولياتك ,, وكنا في كل مرة نلتقي تعطيني احساس بأنك ولي أمر العائلة ,, وكنا نتفق على مبدأ واحد ’’ وهو بقدر حب الفرد لعائلته ’’ يكون حبه للوطن ,, فقد كانت العائلة ولا زالت بالنسبة لك ولي أيضا ’’ هي الوطن الصغير ,,

وكما أن حب الوطن لا يتجزأ فقد كان حبك للعائلة أيضا لا يتجزأ ,, وهنا أجد أن من الاْنصاف أن أذكر مساعيكم الحميدة لجمع العائلة على هدف واحد حتى لا تتشتت الجهود لكنك لم توفق مما جعل البعض يظن أنك كنت تميل لجانب دون أخر واني على يقين بأنك كنت تحاول تثبيت الاْمور على الحق لصالح الجميع ,, لاْن من يحب العائلة يحبها بكل أطيافها .. وقد تبين للجميع أنك كنت ثابت على الحق لمصلحة الجميع ,, وكان الجميع يلقون الترحيب بهم ,, ويشهد الجميع بأنك كنت تسعد بزيارتهم للقاهرة ,, وتصر على تقديم واجب الضيافة لهم ,, انك من الذين يقال عنهم ( اللي في أيده مش ألو ) وأذكر أنك حدثتني ذات مساء وكنا نجلس تحت الشجرة –والتي أطلق عليها شجرة عبدالله – وسوف يكون لهذه الشجرة  شرح سوف يأتي لاحقا – قلت لي بعض الناس يقولون لي أمسك يدك يا أبانهاد,, فكنت ترد عليهم ’’ الكريم لا يضام ,, نعم أيها العزيز ,, وأ قسم على ذلك ,, الكريم لا يضام ,,  وقلت لك ليلتها ,, أنت جبلت على هذا ’’ ومن شب على شيْ شاب عليه وليس كثر المال أو قلته ,, يحدد شخصية الانسان ,, فالمال لا يصنع الرجال ,, لاْن الرجال بمواقفهم وليس بما يملكون ,,

أما الوجه الثاني ,,

فانه وجهك الوطني الذي عرفتك به منذ صبانا ,, ومن حب الوطن الصغير الى حب الوطن الكبير ,, ترعرعنا وفلسطين تسكن في قلوبنا ,, وقد تغنينا بها في أول مسرحية اشتركنا فيها وكنا نردد نحن أبناء فلسطين وأشبال العرين ,, كلنا يسعى الى الموت بايمان ودين ,, وكانت من تأليف المجاهد أستاذنا أحمد فرح عقيلان ’ رحمه وتلحين الاستاذ على كتوع ,, وانشاد الاستاذ مهدي سردانه ,, ومن أجل فلسطين كنا أول من يقود المظاهرات

التي كانت تعود علينا بغضب الاباء ,, وكان يطلق على كل من يسير في مظاهرة انه انسان مشاغب وغير منظبط.

وأود أن اعترف هنا بأنك كنت أكثر شجاعة مني فاصبحت عضوا فاعلا في الجبهة الشعبية وأظن انك اعطيتها الكثير ,, وما كان نصيبك منها الا التخلي عنك في أحلك الظروف ,, وغادرت الكويت بسبب انتسابك لها ,, لكن ذلك لم يثنيك عن خدمة الوطن وابناء الوطن والذي جعل الرئيس عباس أن يصدر مرسوما بتعيينك عضوا في مجلس ادارة مستشفى فلسطين بالقاهرة ,,,

وما دمنا في محيط المستشفى أود أن أذكر بكل اعتزاز ما كان يقوله بعض العاملين في المستشفى – أطباء وممرضون وعمال – واجتمعوا جميعا على تأكيد رعايتك لهم وحنوك عليهم والوقوف معهم وتحقيق مطالبهم كلما كان ذلك ممكنا وضمن الامكانيات المتاحة ,,واخالهم الاْن يبكونك ويترحمون عليك ,, وعذه نعمة من نعم الله عيك ,, وفخر لنا جميعا ,,,

واذا أردت أن أعدد أفعالك الطيبة,, فان هذا يتطلب كتابة صفحات وصفحات , وسوف أكتفي بذكر مواقفكم مع الجرحى الذين حضروا الى القاهرة للعلاج في اعقاب الحرب القذرة التي شنتها اسرائيل على القطاع قبل زمن ليس ببعيد ,,

وثالث الوجوه المشرقة لشخصك أيها الحبيب ,, فهو الوجه الاْنساني ...

ويعرف غيري قبل أن أعرف أنا ,, ما كنت تقوم به وتقديم  العون والمساعدة الى الفقراء والمساكين من الاخوة الفلسطينين الذين يعيشون في مناطق متفرقة في  جمهورية مصر العربية ولم تكن مواقفك الانسانية تقف عند حدود ابناء وطنك ,, وانما كانت تطول بعض فئات الشعب المصري الشقيق ,,  لم تكن ياأبا نهاد ,, رسولا ولا نبيا ,. لكنك كنت انسانا نبيلا ,, وصديقا مخلصا رائعا ,,استطعت رغم دخولك كهف السبعين ,, بأن تفي بعهودك ,, والتزاماتك ,, اتجاه أسرتك وعائلتك ووطنك وانسانيتك,,,
وقد رحلت عن هذه الدنيا وأنت زائد فيها ,,ولم تكن أبدا زيادة عليها ,,,,,



وقبل أن أختم ,, أعود الى الشجرة التي كانت ملتقانا ,, كلما سنحت ليى فرصة زيارة وطننا الثاني – مصر – وكان يشاركنا أحيانا في الملتقى صديقنا وصهر العائلة الاخ أبو نورحفظه الله  وقد أطلقنا عليها شجرة عبدالله أبو اسماعيل وهو الحارس الامين لبنايتنا وللمنطقة كلها ,, وهو صديقنا وصديق العائلة ,, حاولت أن أجلس تحت ظلها مع أن الوقت كان ليلا ,, لكني لم أستطع ,, فقد كانت حزينة ,, وخيل الى أن أوراقها كانت تبكي فراقك يا أبا نهاد ... وسوف نبقى أوفياء للذكرى ,,
وسوف نستظل بها كلما سنحت لي الفرصة ,,وفي اغفاءة بين النوم واليقظة ,,

رأيت الشجرة تكبر وتكبر ,, وتستطيل أوراقها ,, وتثمر ثمرا شهيا وتنفث رائحة زكية ,,

وصحوت منشرح الصدر , مطمئن القلب ,, وحمدت الله وشكرته ,, فما كانت تلك الا أوصاف سدرة المنتهى ,,

فهل كان لقائنا في الدنيا تحت الشجرة ويكون لقائنا في الاخرة تحت ظلالها  فهل أطمع في أن يرزقنا الله رؤيتها ويكرمنا

ويكرمنا بأن نأكل من ثمارها ومن ثمار الجنة ونستنشق رائحتها الزكية ,,, اللهم أمين ,,

رحمك الله ياأبا نهاد ,, وأرجوا من كل من يقرأ هذه المقالة أن يدعو الى فقيدنا العزيز والى  أموات المسلمين والصلاة والسلام على رسولنا الكريم وعلى اله وصحبه والتابعين له الى يوم الدين ,, والسلام على من اتبع الهدى ودين الحق......

جسورة عبد نعمان الاغا

 الدوحة

اضغط هنا للتعرف على المرحوم أ. يونس عبد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد