متفرقات

أخلاق رجلٍ تساوي أمة- بقلم د. يحيى الأغا

أخلاق رجلٍ تساوي أمة
د.  يحيى زكريا الأغا



إنه عميد عائلة الأغا المرحوم  عيد حسين الأغا أبو عدنان"  رجل بخلقه ودماثته، وما يكتنز قيماً أصيلة ما زالت تسري على ألسنة الناس ممن عرفوه.

تقديري أن مَن عاش زمن المرحوم " أبو عدنان "  مختار خان يونس وعميد عائلة الأغا، لا يمكنهم أن يعيشوا في عصر غيره، وكذلك هو، لا يمكنه أن يعيش إلا في زمانهم، رجالٌ ملهمون بفطرتهم، أخلاقيون بتصرفاتهم، قامات في العائلة، وقامات في المدينة بأسرها، ولا أبالغ إن قلت بأنهم يحظون بمكانة عالية خارج محيط الوطن.

بعد الانتهاء من صلاة يوم الجمعة بمدينة الدوحة، أوقفني رجل من مدينة خان يونس، كان معلماً بصحبة والدي المرحوم الشيخ/ زكريا الأغا في مدرسة عبد القادر الحسيني، يعرفني منذ زمن بعيد، حتى أنه قال لي: كنت أقف مع والدك وأنت ابن ثلاث سنوات أو أربع!، بدأ يكيل إليّ الإطراء عن العائلة، وما قدّمته في أربعينيات القرن الماضي على مستوى خانيونس، ولكن الحديث تناول عميد العائلة/ المرحوم أبو عدنان.

وإليكم هذه القصة التي أتمنى أن يقتدي بها أُلي الأمر من ساسة وقياديين، ومن أبناء العائلة الكرام، الذين يكتنزون اليوم من الفضائل الكثير رغم كل الأجواء المحيطة بهم، فلم يتلوثوا بها،  وقلت له : هاهم الرجال الذين نفتقدهم في هذا الزمن، هاهم القادة العظماء الذين يضحّون بالغالي والنفيس، فإين نحن منهم، فهل يمكن أن يكون درساً للجميع.

 وعلى ذمة الراوي الذي أصدقه قال: " كان ابن عمٍ لي مستأجراً محلاً من أحد أفراد  العائلة، وبعد مرور سنوات، طلب منه رفع الإيجار، ولكن المستأجر أراد أن يُبقى الإيجار على ما هو عليه، فطلب مني التوسط لدى مختار العائلة،  وكان لي معرفة به، وتوثقت العلاقة عندما كان يزورنا في جميع المناسبات التي تُقام بالمدرسة، وهو بالطبع على رأس المدعويين من المدينة، وليقيني بما يمثله أبو عدمان عزمت التوجه لديوانكم داخل قلعة خان يونس.

ذهبت للديوان العامر بأهله بعد صلاة المغرب، حيث المختار " رحمه الله" يتوسط الجلوس في الطابق الثاني، وعلى جانبيه كوكبة من الكبار الكبار في عصره وهم كُثر، وقف أبو عدنان لي،  وكان هذا يكفيني، ثم وقف الجميع، فأفسح من كان بجانبه لجلوسي، وكان هذا يعني لي الكثير، فجلست، ثم صُبّت القهوة، وكنت أول مَن قُدّمت لي رُغم صِغر سني أنذاك.

ويقول" من عادة العرب، ألا تشرب القهوة إلا بعد الطلب، ولكني شربتها، لأنني أعرف مكانة  " أبو عدنان" بين قومه، وأهله، ومدينته، وحتى القطاع بأسره، فكان من العيب أن أطلب بعد شرب القهوة، أو أضعها على الأرض، ثم أطلب.

 تجاذبت الحديث معه، ولكني لاحظت أمراً لم أعهده، عندما يتحدث المختار، يصمت الجميع، ويصغون لكل ما يقول، ففهمت أن الاحترام الذي حظيت به عند دخولي، هو منهاج حياة بالنسبة لهم، ينثرونه على الضيف، فيكون الاحترام المتبادل، وعرضت موضوع الإيجار على المختار، فبادرني بأسئلة لها دِلالات كبيرة جداً، فقال: هل تشاجرا؟ قلت : لا، هل سبّ أحدهما الآخر؟ قلت: لا ، هل ضرب أحدهما الآخر؟ قلت : لا، فقال:  هل الإيجار معك؟ قلت: نعم، قال أعطيني إياه شهرياً، وفعلت ذلك وعلى مدار سنوات، إلى أن فارق الحياة أبو عدنان.

وجاء موعد دفع الإيجار بعد الوفاة، فذهب المستأجر ليدفع، فقال له: لما خصمت من الإيجار هذا الشهر، فقال له: هكذا أدفع كل شهر، فقال كان يصلني من المختار رحمه الله الزيادة التي طلبتها قبل سنوات.
وهنا اغرورقت عيناي، وقلت: رحمك الله يا أبا عدنان، مازالت سيرتك العطرة بين الناس، وستبقى هكذا، فهل نحن في العائلة نقتدي بخصال هذا الرجل؟

هنا أقول: خرج الضيف من الديوان وقد استجاب المختار لطلبه، وعندما دفع الإيجار لابن العائلة، أكمل الزيادة من جيبه، فوقف مع الضيف، ومع ابن عائلته.

نحن بالفعل بحاجة ماسة إلى الإيثار، إلى التضحية، وبحاجة إلى مراجعة للذات والنفس، بحاجة إلى تقييم سلوكنا ومنهجنا وتعاملنا مع أنفسنا، ومن ثم بين الناس.

رحم الله كل من عاش عصرك يا أبا عدنان، فعندما فقدناك، قلت: كان رجلاً في أمة، وأمة في رجل، هكذا هو وسيبقى كذلك.

اضغط هنا للتعرف على المرحوم عيد حسين الأغا

اظهر المزيد